يكفي للتدليل على أهمية المنظّر الاسكتلندي آدم سميث أن أفكاره، التي طرحها في منتصف القرن الثامن عشر، ما تزال حاضرة في عالم اليوم، فيما يبقى كتابه الشهير “بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم”، الذي يحتفل المهتمون بمرور 250 عاما على نشره، من الكتب المرجعية لدارسي الاقتصاد. اعتبرت مجلة “إيكونومست” أن سميث هو الرجل الأهم في علم الاقتصاد على مستوى العالم، بعد كارل ماركس، وأن أهميته يمكن أن تقارن مع أهمية علماء مؤسسين لمجالاتهم مثل داروين ونيوتن.
المقارنة مع كارل ماركس موحية، فإذا كان ماركس هو زعيم المدرسة الشيوعية وملهم الثورات الاشتراكية، فإن سميث كان ملهما للمدرسة الرأسمالية والليبرالية المقابلة، وإذا كان هناك من يدين بالولاء، حتى يومنا هذا للأفكار الماركسية، فإن هناك سلسلة طويلة من الزعماء والقادة، الذين عرفوا باحترامهم لسميث واقتناعهم برؤياه، كالسياسية البريطانية مارغريت ثاتشر وكرئيس الأرجنتين الحالي خافير ميلي.
ركز سميث على موضوع التخصص، فاعتبر أن العمال في مصنع معين يجب أن لا يعملوا جميعا على الإنتاج بشكل جماعي، بل الأفضل أن يتنوعوا فيتخصص كل فريق منهم في جانب معين، كأن يتخصص البعض في التغليف، والبعض الآخر في التجميع وهكذا. هذه التخصصية لا تسهل فقط العمل، وإنما تكبر حجمه وتطوره وتفتح أبوابا جديدة للإبداع والتطوير، حيث سيعمل كل فريق على الاجتهاد، فيما هو مكلف به من عمل وابتكار وصولا إلى ابتداع واختراع كل ما يمكن أن يجعل العمل أسهل. لفت سميث إلى أن كل ذلك لن يتحقق دون الحرص على إرضاء العامل وتحفيزه، ما يجعله متحمسا لمواصلة الإبداع، وإلا فإن ذلك العامل سوف يحس بالرتابة ويفقد الدافع للتطوير والتحسين مع مرور الوقت. النجاح في بيئة العمل أو في المجتمع بشكل عام يتحقق حينما يشعر العامل أو الموظف بأن تحقيقه لتقدمه وفائدته الشخصية مرتبط بتجويد عمله، وهذا ما يجعل عمل الفرّان مثلا مفيدا، فهو من ناحية يحقق فائدة شخصية، من خلال صناعته الصغيرة، ومن ناحية أخرى يستفيد المجتمع المحيط من هذه الفائدة وهذه المخبوزات المصنوعة بشكل جيد بغرض كسب رضا الزبائن. ينتقد سميث بسبب نظرية “اليد الخفية”، التي تلخصها فكرة أن الأسواق تتحكم في نفسها وتنظم أسعارها دون تدخل، بل بالاكتفاء بتوازن العرض والطلب. هذه النظرية، التي تلغي دور الرقابة الحكومية، وتعطي أفضلية لمفهوم المنافسة، الذي يوفر خيارات سوق أفضل، تعتبر المدخل الأهم لنظرية السوق الحر وغيرها من نظريات الرأسمال، التي ذهبت لاحقا للقول، إن البقاء في الأسواق يكون للأقوى والأكثر تنافسية. سميث لم يكن يدعو لانسحاب الحكومة بشكل كامل، أو لأن تكون مجرد متفرج على الأسواق، بل كان يعتبر أن عليها واجبات كثيرة كالحفاظ على الملكيات العامة وعلى حقوق الناس من خلال تفعيل القانون، الذي سيساعد كلا من الفاعلين الداخليين والمستثمرين الخارجيين، الذين سيطمئنون على مستقبل استثمارهم وأمان البيئة التجارية. للحكومات واجب آخر وهو العمل على ترقية المجتمع من خلال الحرص على تجويد الخدمات التعليمية، ما يخلق نخبة متقدمة وقادرة على الابتكار والتطوير. ما كان سميث يعترض عليه هو تدخل الحكومة المفرط، خاصة من خلال الحرص على تحديد الأسعار، وفرض الضرائب والجمارك العالية والإسهاب في وضع القيود والمطلوبات البيروقراطية.
نظرة سميث للتجارة الخارجية، كانت تصب في الإطار ذاته؛ فقد كان يرى أن على التجارة الدولية أن تكون حرة، من دون قيود، كما كان يرى أن الأفضل أن تتخصص كل دولة في صناعة معينة، وأن يتم تبادل المنافع بناء على ذلك، بما يغني الجميع.
مثل ما يحدث في الأوضاع المحلية، كان سميث يدعو إلى تحييد العوائق الجمركية وكل القوانين التي تعطل انسياب السلع بين الدول، أو التي تعزز مبدأ حماية الصناعات الوطنية، حيث إن المطلوب هو تحقيق “التجارة الحرة”، المفهوم الذي سيصبح رائجا أكثر منذ أواسط القرن العشرين، والذي سيؤدي لأن تكون السلع المستوردة في بعض الدول مرغوبة أكثر من السلع المنتجة محليا. ينتج عن كل هذا وفق سميث أن تصل الدول لمرحلة الاعتماد المتبادل على بعضها بعضا، وهي مرحلة تقود إلى الازدهار الشامل وضمان سلم العالم، الذي سينخرط ضمن شبكة معقدة من التبادلات والمصالح التجارية.
في عددها الأخير أرادت مجلة “إيكونومست”، على ما يبدو، أن تثير الجدل حول هذه الشخصية، معتبرة أن جميع من تحدثوا عن سميث قد أساؤوا فهمه، وأنهم لو كانوا قرأوه بتمعن، لكانوا اكتشفوا أن أفكاره ليست جديدة وليست مبتكرة، وأن في صياغته لها كثير من مواطن الضعف. لإثبات سوء الفهم الحاصل هذا استشهدت المجلة بما كان ذهب إليه أمارتيا صن، العالم الحائز جائزة نوبل للاقتصاد، والذي كان قد اعتبر أن قراءة متأنية لأعمال سميث يمكنها أن تثبت أنه لم يكن منظر الأنانية، كما كان يشاع. ذكر صن هنا مهم، فهو العالم المعروف باسم “فيلسوف العدالة”، بعد إنجاز أعماله، التي كانت تدور حول تحقيق العدالة والربط بين الاقتصاد والأخلاق. ليس هناك ما هو أوضح لشرح أفكار سميث، والدفاع عن الصورة الجشعة، التي التصقت به، مما خطه هو نفسه في كتابه “نظرية المشاعر الأخلاقية”، الذي كان قد نشره قبل “ثروة الأمم”، والذي كان قد كتب في مقدمته جملة موحية تقول: “مهما قيل إن الإنسان أناني بطبعه، فإن في طبيعته ـ بلا شك ـ مبادئ تجعله معنيا بمصائر الآخرين، حتى إن لم يجْنِ من ذلك شيئا سوى متعة التأمل في سعادتهم”.
الخباز أو الجزار، اللذان يضرب بهما المثل لشرح أفكار سميث، ليسا وفق هذا الفهم الجديد أنانيين تماما، فعملهما لم يكن ليستمر، لولا وجود حاجة واستفادة منه، أي أن هذا الخباز لا ينظر فقط إلى مصلحته الخاصة، أو ينظر إلى مصلحته الخاصة، لكن في إطار تحقيق مصالح الغير. هذا يشبه حديث سميث عن التفاوض، الذي يرغب طرفاه في الحصول عبره على مكاسب خاصة، لكن من أجل الحصول على هذا المكسب فإنه يجب جعل هذا التفاوض مثمرا عبر مخاطبة هواجس ومطالب الطرف المقابل. على العكس مما يحدث في عالم الحيوان، حيث ينعدم التفاوض، ويأكل القوي الضعيف، فإن البشر يتمتعون بوجود سوق والسوق يهذب الأخلاق وهو ما كان يذهب إليه سميث وما نجد آثاره عند فلاسفة عصر النهضة مثل مونتيسكو.
ما يمكن الاتفاق عليه هو أن كثيرا ممن يستدلون بأفكار سميث ويتداولونها لم يكلفوا أنفسهم بقراءته والتعمق في فهمه، بل اكتفوا بالقراءات المقتضبة والخلاصات الجاهزة، وهو أمر مفهوم بالنظر للغة الكاتب المعقدة، التي كانت تجعل قراءة أعماله ضربا من التحدي. يمكن أن يستغرب القارئ حين يعلم أن علماء معاصرين مثل إيما روتشيلد أستاذة تاريخ الاقتصاد في جامعة هارفارد، تعتبر أن مصطلحا مثل “اليد الخفية” أخذ عند القراء والمتلقين مساحة أكبر من مساحته الأصلية في أعمال سميث، ففي حين يتم تضخيمها كمحور للنظرية، فإنها لا تظهر في “ثروة الأمم”، إلا مجرد إشارة وتعبير ذي عمق أدبي مستوحى من شكسبير ومسرحيته الشهيرة “ماكبث”.
كاتب سوداني