ثمة مدينة هناك؛ شرقا؛ في أقصى الشمال السوري، تدعى «تل أبيض». في تلك المدينة كانت صرختي الأولى، وخطوتي الأولى، وقصيدتي الأولى، وحبي الأول أيضا. ثم ركلتني قدم القدر السوريّ، فوجدتني لاجئا في بيروت، وهناك أدركت أنه ليس من قبيل الصدفة أن كلمة (Home) باللغة الإنكليزية تعني «بيت» وتعني «وطن» أيضا. وأنا بينهما أحاول تدوير الزوايا، وما تقتضيه الذكريات من الرثاء.. إذ إنني كنت بين خيارين: بين وطن يقتلنا بالرصاص، وغربة تقتلنا بالحنين! فتنكبت قول امرؤ القيس:
وقد طوّفت في الآفاق حتى.. رضيت من الغنيمة بالإياب
وعدت بصفة «نازح»، يمدّ الشوق جسورا لخطوات الذاكرة، فتل أبيض تحولت إلى لينينغراد، وتقطعت بأهلها السبل!! لا أعرف من يحكمها الآن، وليس هذا هو المهم، يقول علي عزت بيكوفيتش: في السجن تكون الحرية أولا بالنسبة للسجناء، ولكنهم حين يمرضون تصبح الصحة أولا. وفي تل أبيض الآن 135/مريض سرطان، يعيشون تحت وطأة المعاناة، مع غياب تام للمراكز الطبية المتخصصة، ونقص حاد في الأدوية، وتوقف نهائي لكل أشكال الدعم الطبي. أولئك المرضى لا يصارعون الورم وحسب، بل يصارعون الإهمال والفقر والحرمان والحصار، ما يجعل رحلة العلاج محفوفة بالمخاطر والتكاليف الباهظة.
135 إنسانا تتفاقم وحدتهم كل يوم. 135 عائلة تنتظر أمام باب الأمل المغلق. 135 مريضا؛ يخجل القلم من لمس أوجاعهم. 135 إثباتا واقعيا على أن المواثيق الدولية التي تكفل حقوق الإنسان هي مجرد كلام إنشائي. 135 حالة إنسانية سقطت من شريط الأخبار سهوا!
تل أبيض الآن وحدها، تعيش برفقة الألم والخوف، وحصالة أيامها خالية من الأمنيات. تل أبيض الآن امرأة تلوّح بيدها خلف جدار النسيان، وقد أكل الحصار ملامحها، تل أبيض فاجعة أكبر من العزاء، والبلاد غارقة في صراع السرديات! فأي شهيق يروي ظمأ الرئتين، وأي زفير يمكن أن يخرج الأسف من نفوسنا؟! قبل أن يبتلعني الصمت؛ وتجفّ أصابعي من ماء الحياة، سأملأ يديّ بالتصفيق للشاعر الكبير محمد الفراتي، وهو يعدو على صفحات التاريخ، وينشد:
جعنا ولم نعو احتجاجاً، ليتنا.. كنّا على الجوع الملمّ كلابا
كاتب سوري