تكامل الصميم والهوامش

ما الذي تحققه الإعادة والتكرار لجملة «متى ستتوقفون عن ترديد الشعارات نفسها والعيش في أحلام الماضي؟»، من قبل بعض الأخوة الأعزاء المعلّقين على المقالات الصحافية ومثيلاتها في شتى وسائل التواصل الإلكتروني، التي ما زالت تنادي بشعارات وحلول وأهداف المشروع القومي العروبي النهضوي بمكوناته الستة؟
كان تفاعل ذلك الخطاب النهضوي ونقّاده سيكون مثمراً لو أن هؤلاء الإخوة قدموا بدائل أفضل وأجدى وأكثر عصرنة لشعارات الوحدة العربية والديمقراطية والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي والتجديد الحضاري، التي كما يقولون، ما زال يلوكها القوميون العروبيون، دون توقف أو مراجعة. كل ما يقوله المنتقدون هو المطالبة بالتجديد، دون أن يشيروا إلى نوعية ووسائل الجديد الذي يريدون، والذي سيحلّ محل القديم.
ومع ذلك فبعضهم يشير إلى أهمية انتقال العرب إلى عوالم العلوم والتكنولوجيا، وبعضهم يشير إلى أهمية التركيز على قضايا محددة، والعمل على حلها مثل، مكانة وحقوق المرأة، أو التدهور البيئي أو الشقوق في النظام الدولي، إلخ. ويقفز البعض إلى المطالبة بتبني أسس الحضارة الغربية برمتها، بينما يطالب البعض الآخر بالنكوص إلى الوراء التاريخي، وتبني الأسس والسلوكيات السّلفية التراثية.
إنها مناقشات لا تنتهي أشكالها ولا مناكفاتها.

المشروع النهضوي العربي ليس مشروعاً تجارياً يتلاعب به، أو يبدل كل حين، وإنما هو مشروع وجودي به ستعيش الأمة ومن دونه سيواريها الأعداء، في غياهب الجحيم

لكن ألا يوافق هؤلاء الإخوة، المثقلون مثلنا بضرورة إخراج هذه الأمة من محنتها التي تعيشها حالياً، بأن جميع تلك الشعارات والأهداف والنضالات، التي يقترحون الاهتمام بها، لا تتعارض أهدافها ولا النضال من أجلها، مع النضال مع مكونات المشروع النهضوي العربي؟ وإنما العكس، إذ تكمّلها، فكل تحقق في مكونات المشروع النهضوي سيساعد ويسهل الانتقال إلى كل الشعارات والأهداف الفرعية الكثيرة التي يريدون لها الهيمنة والأولوية؟ وكذلك العكس، فكل تحقق لأي من جديدهم سيساعدهم في تسهيل تحقق المشروع النهضوي؟
دعنا نتمعن، كمثل وبموضوعية واقعية، في شعار الوحدة العربية النهضوي، ألم تثبت السنون فشل الكثير من أقطار الوطن العربي في مجابهة الخارج، أو في مجابهة أزماتهم المالية أو الاقتصادية، التي عصفت بهم، أو في دخول ساحات العلوم والتكنولوجيا بيسر ونجاح، أو غيرها من كثير من المحاولات، إما بسبب صغر حجمهم الجغرافي، أو محدودية فوائضهم المالية، أو محدودية قدراتهم البشرية والعلمية؟ بل ألا يرون أمام أعينهم في هذه اللحظة الجحيم الذي تعيشه أقطار مثل، فلسطين أو السودان أو اليمن أو سوريا أو لبنان، أو ليبيا، على سبيل المثال، بسبب اعتمادها على قدراتها وإمكانياتها القطرية الوطنية المحدودة أو المحاصرة، في غياب القدرات والإمكانيات القومية، التي أصبحت معطلة لهذا السبب أو ذاك؟ والتي لو جيّشت لساهمت في حل أغلب أوضاع تلك الأقطار المأساوية والمأزومة؟
إذن هل إننا الذين ننادي ليل نهار بشعار الوحدة العربية، ولو تدريجياً، حالمون ومكررون بصورة مملة وسنة بعد سنة لهذا الشعار؟ أم أن الحالمين والتائهين هم الذين يريدون استبدال أولوية ذلك الشعار القومي المفتاح، بشعار فرعي مثل أمور البيئة، أو امتلاك أعلى مبنى في العالم أو تقنية العقل الآلي، أو كرة القدم، على أهميتها بالطبع؟
لو كانت الروح الوحدوية، والمؤسسات الوحدوية التنسيقية التضامنية، موجودة هل كنا سنرى ما نراه الآن، من انغماس بعض الأقطار العربية في زعزعة استقرار، أو أمن أقطار عربية أخرى، دون أن تمنعها، ودون استثناء، الأقطار ذات الروح الأخوية الوحدوية، من ارتكاب تلك الشناعات؟ هل نحتاج أن نسمي ما فعله البعض عبر العقدين الماضيين بإخوة لهم، بسبب المماحكات المذهبية الدينية، أو الصراعات الشخصية، أو الحزازات التاريخية البليدة، أو الرغبة في إسقاط رأس هذا النظام أو ذاك؟ أو، أو… ذاك فقط مثلٌ واحد عن شعار نهضوي واحد. ترى ماذا كان سيحدث في كل الحياة العربية، عبر كل الوطن العربي كله، لو أن كل الشعارات الستة قد فُعلت في الواقع العربي، لصالح الجميع، ولإخراج الجميع من الوضع المزري بأشكاله المختلفة الذي يعيشه الجميع حالياً؟
الإجابة قد سطرت في مئات الكتب من قبل مئات المفكرين الكبار، وجميعهم، عبر قرنين من الزمن أو أكثر، أكدوا ما نردده المرة تلو المرة، من أن المشروع النهضوي العربي ليس مشروعاً تجارياً ليتلاعب به، أو يبدل كل حين، وإنما هو مشروع وجودي به ستعيش الأمة ومن دونه سيواريها الأعداء، وما أكثرهم، في غياهب الجحيم. هذا مصير يجب أن لا تسمح أجيال المستقبل بالوصول إليه، مهما كلف ذلك من تضحيات ودموع ودماء. ومن أجل تجنب هذا المصير سنرفع ليل نهار شعارات المشروع النهضوي العربي السّتة كأولوية قصوى وكطريق لكل الشعارات والأهداف الأخرى.

كاتب بحريني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية