تطابقت روايات عدد من ساسة دولة الاستقلال على أنه كان يحدث للزعيم بورقيبة أن يكون مسترسلا في الحديث ثم يباغت جليسه بالسؤال: هل قرأت ابن خلدون؟ إلا أن القصد من السؤال لم يكن الإرباك أو الإحراج، وإنما التقدمة للتعليق على مقولة أو ملاحظة خلدونية يكون قد اقتضاها سياق الحجاج والاستدلال. إذ فضلا عن أن بورقيبة كان منذ الصغر شغوفا بدراسة التاريخ وفطنا إلى ما فيه من مواضع الاعتبار، وفضلا عن أنه ظل طيلة رئاسته يعتمد اعتمادا جادا على سكرتيره المؤرخ محمود بوعلي في تدقيق الوقائع والتراجم والتزود بالقراءات التاريخية، فإن نخبة دولة الاستقلال كانت في معظمها مطلعة على أشهر مقولات ابن خلدون وقارئة لما كان رائجا من نصوصه المختارة. كما أن نسخا من «المقدمة» قد كانت موجودة في مكتبات بايات (ملوك) تونس، بحيث لم تقتصر معرفتها على المثقفين الإصلاحيين من أمثال أحمد بن أبي الضياف وخير الدين باشا ومحمد بيرم الخامس، وإنما كان هنالك من البايات أنفسهم من كان مطلعا على بعض نصوصها. وقد مضت علاقة نخب تونس بابن خلدون على هذا النحو من الصحبة والألفة منذ أواخر الثلث الثاني من القرن 19 حتى اليوم. فلا غرو أن تكون أول جمعية ثقافية في تاريخ تونس المعاصر باسم «الجمعية الخلدونية»، وأن تحرص مناهج التعليم على بث بعض أفكار ابن خلدون بين النشء منذ المرحلة الثانوية. بل إن أبناء جيلي يذكرون أن نص «في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب» كان يدرس في الابتدائية.
الثابت إذن أن مقولات ابن خلدون الشهيرة لا تخفى على أحد، أي أنها من «المعلوم بالضرورة» في ثقافة تونس وكامل البلاد العربية المعاصرة. ولهذا فإن ظروف التخفيف منعدمة انعداما كليا في حالة نائب البرلمان التونسي الذي تبرع قبل أيام بأن نسب أشهر مقولات ابن خلدون على الإطلاق، «العدل أساس العمران»، إلى ونستون تشرشل! فقد كان يمكن للرجل أن يجنب نفسه الحرج والقهقهات الفيسبوكية المدوية لو أنه سلك أيسر السبل فاكتفى بالاستشهاد بالقولة فقط، إذ لا ضرورة أبدا لنسبة الأقوال أو الأبيات الشهيرة لأصحابها. أما وقد اختار الحرص على الدقة والأمانة، فقد كان حريّا به أن يتثبّت. ولو فعل لاكتشف أن هذه ما هي بقولة منسيّة لمدوّن مغمور بحيث يمكن التعثر فيها والخطأ في نسبتها، وما هي من قبيل أبيات الشعر التي لا يعرف قائلها إلا بالرجوع إلى الباحثين المحققين، مثلما كان شأن الأديب الفلسطيني حسن الكرمي (شقيق الشاعر عبد الكريم الكرمي، أبي سلمى، ووالد الكاتبة الناشطة في الحياة السياسية البريطانية غادة الكرمي) في برنامجه الإذاعي الشهير، على بي بي سي، «قول على قول».
نخبة دولة الاستقلال كانت في معظمها مطلعة على أشهر مقولات ابن خلدون وقارئة لما كان رائجا من نصوصه المختارة
ولهذا فليس عندي لمعاتبة، أو معاقبة، السيد النائب على نجاحه في عدم العلم بما هو معلوم بالضرورة إلا تساؤل وادعاء. التساؤل: ماذا سيكون رد فعل المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي، الذي كان معجبا بابن خلدون أيما إعجاب، لو علم بأن النظام البرلماني التونسي لم يحقق إلى اليوم أي إنجاز سوى إرغام تشرشل على انتحال شخصية ابن خلدون وعلى التكلم بلسان عربي مبين؟ أما الادعاء، فهو أني أزعم أنا أيضا أن ابن خلدون هو الذي قال إن الديمقراطية هي أسوأ نظام حكم، باستثناء جميع ما جرّب من الأنظمة الأخرى! كما أزعم أن تشرشل هو الذي عاين انسداد النظام السياسي التونسي الذي أتى به دستور 2014 واهتزاز كيان البلاد كلها في مهب أنانيات حزبية وخزعبلات برلمانية، على نحو ما ابتليت به فرنسا إبان الجمهورية الرابعة، فصاح بالساسة التوانسة ناصحا: يا قوم ثوبوا إلى رشدكم، أما آن الأوان لأن تعترفوا بأن حرصكم على مغانمكم قد أعماكم عن مصلحة وطنكم؟ إلى متى ستظلون تصرون على فرض عبثية نظامكم البرلماني العقيم على شعب لم يعرف في تاريخه ولا يعترف في ثقافته السياسية إلا بوحدة القيادة ووضوح القرار؟ وبما أن تشرشل رجل مكر ودهاء، وبما أنه قرأ أمس في جريدة «التايمز الصفاقسية» أن التوانسة لم يعودوا يعرفون الفرق بينه وبين ابن خلدون، فإنه اطمأن إلى أن أمره لن ينكشف إذا هو انتحل لنفسه قولة من أقوال المرحوم الباجي قائد السبسي. ولهذا كتب في مذكراته: صحيح أن النظام بعد الثورة صار برلمانيا، لكن الشعب التونسي بقي رئاسيا!
ولمن أراد التثبّت فليرجع إلى «مذكرات من وراء اللحد»، فسيجد أنها بقلم تشرشل (وليس شاتوبريان مثلما يشاع)، وأن أول فصولها بعنوان «النظام البرلماني أساس الخراب العمراني: تونس ما بعد الثورة نموذجا». إلا أن الفصل ينتهي بهذه الجملة المربكة: «.. المفارقة أن أقوى حجة في صالح النظام البرلماني إنما تكمن في غرابة أطوار الأستاذ الذي انتخبه التوانسة رئيسا بعد وفاة سي الباجي».
كاتب تونسي