التطور المهم في قضية “سديه تيمان” – الشك في شأن تسريب متعمد لمواد تحقيق من النيابة العامة العسكرية وسرعة خروج المدعية العامة العسكرية إلى إجازة، يبدو مثل الفوز بالكأس الذهبية بالنسبة لليمين، بالأساس في الأقسام العسكرية جداً. ليس من الغريب أن قنوات دعاية اليمين والبرامج التي كرست عشرات الساعات لهذه القضية، أعلنت وضع طوارئ احتفالياً بشكل خاص بعد ظهر أمس. الإعلان عن التحقيق الجديد يحقق عدة أهداف لليمين؛ فهو يخلق مساواة مزيفة أمام التحقيق بشأن تسريب مواد سرية، التي يشتبه فيها بعاملين في مكتب رئيس الحكومة، ويوازن ادعاءات بشأن التنكيل بالمعتقلين من جانب حماس رداً على السلوك منفلت العقال ينتهجه وزير الأمن الوطني، ويجدد الانقضاض على الدولة العميقة المزعومة، التي كما يبدو تسيطر على الأمور هنا.
أسباب احتفال اليمين لا تقتصر على ذلك؛ فما يبدو كتورط للنيابة العسكرية، وربما للجنرال يفعات تومر – يروشالمي نفسها، سينهي كما يبدو تطبيق القانون على مخالفة خطيرة، وهي تنكيل جنود الاحتياط بمعتقل فلسطيني. كما أن أعضاء الكنيست الذين اقتحموا قاعدتي “سديه تيمان” و”بيت ليد” العسكريتين على رأس رعاع هائج، يأملون الآن تجميل وإنساء أخطائهم بواسطة استئناف الحملة ضد المدعية العسكرية العامة.
القضية التي بعثت للحياة ستمكن الحكومة من حرف انتباه الجمهور، أو على الأقل مشاهدي القناة 14، عن الواقع غير السار في قطاع غزة. بعد أكثر من أسبوعين، يتعثر اتفاق إطلاق وقف النار، وتبدو الظروف بعيدة جداً عما وعد به نتنياهو. حماس لم تهزم كلياً، وهي تستأنف سيطرتها العسكرية والمدنية على نصف القطاع الذي هو بيدها، ولا تظهر أي علامات على نيتها إخلاء المنطقة للقوة متعددة الجنسيات، التي لم يتم تشكيلها حتى الآن.
الهستيريا التي يتم إذكاؤها الآن حول الاتهامات الموجهة للنيابة العسكرية هي الطريقة الأمثل لحرف النقاش الإعلامي وتوجيهه إلى أماكن أخرى، في حين أن وقف إطلاق النار يسمح للحكومة ومؤيديها باستئناف هجوم الانقلاب النظامي على طول الجبهة. نشرت الاتهامات ضد النيابة العسكرية خلال 48 ساعة، وبدأ العمل على تشريع سلب وظيفة المستشار القانوني للحكومة، وتسريع عملية إغلاق “صوت الجيش” عقب تقرير تم طلبه مسبقاً يخدم أهداف سياسية لليكود.
هؤلاء ليسوا فقط أعضاء كنيست متطرفين أو مذيعين غير منضبطين، الذين يتطاولون على المدعية العسكرية العامة ورجالها؛ فوزير الدفاع يسرائيل كاتس، وجد صعوبة أمس في إخفاء سروره، فأصدر مكتبه خلال ساعتين ليس أقل من ثلاث بيانات تفاخر فيها بدوره في كشف الاتهامات، وتطاول على المدعية العسكرية العامة، وعني بتوضيح أنها لن تعود إلى منصبها حتى انتهاء فحص كامل للوقائع. التلميحات التي بين السطور واضحة: ليس لكاتس نية للسماح لها بالعودة إلى العمل. ومشكوك فيه أن تكون هي الوحيدة في النيابة العامة التي ستدفع الثمن.
في ثلاث قضايا مركزية يظهر لامبالاة واضحة تجاه جميع المجالات الأخرى التي هي تحت مسؤوليته، بما في ذلك التخلي كلياً عن السيطرة على ما يحدث في الضفة الغربية لصالح الوزير الإضافي في مكتبه، سموتريتش، وتجاهل كامل للضرر الذي تسببت به الحرب لقيم الجيش الإسرائيلي. كاتس مخلص لتعليمات نتنياهو بالترويج لقانون التهرب من الخدمة العسكرية كجزء من التفاهمات مع الشركاء الحريديم، وينشغل مراراً بتسويق نفسه من خلال صور سن البلوغ مع المقاتلين على الخطوط الأمامية والتهديدات الطنانة ضد أعداء إسرائيل، من القطاع إلى إيران، ومن لبنان إلى اليمن، ويظهر انشغالاً غير عادي بتعيينات في الجيش الإسرائيلي، حتى على المستوى التكتيكي برتبة مقدم، كطريقة للسيطرة على هيئة الأركان العامة. الآن، يبدو أن لديه فرصة أخرى للتأثير بسرعة على تعيين حاسم، كجزء من حرب الاستنزاف اليومية التي يشنها ضد رئيس الأركان إيال زامير.
للمفارقة، قد تنهي تومر يروشالمي مسيرتها العسكرية بسبب القضية شبه الفريدة التي تجرأ فيها الادعاء على أداء دوره خلال الحرب. محامو الدفاع عن المتهمين يمتلكون حججاً قوية، ظاهرياً، فيما يتعلق بتسريب الفيديو واحتمالية إعداده بطريقة متحيزة. وثمة اشتباه في أن الادعاء العسكري قد ضلل محكمة العدل العليا في تقاريره حول التحقيق في التسريب. مع ذلك، تفاصيل التنكيل بالمعتقل الفلسطيني ترسم صورة مقرفة – لم يتم دحض الاتهامات حتى الآن. إضافة إلى ذلك، تم اختلاق الكثير من الافتراءات والمبالغة في هذه القضية: لم يكن المعتقل الفلسطيني عضواً في قوة “النخبة”، وهي الوحدة المختارة لإرهابيي حماس كما يزعمون – بل كان شرطياً محلياً، والمتهمون ليسوا مقاتلين بالضبط كما صورهم أعضاء الكنيست والمراسلون بكل حماسة، بل هم حراس وأعضاء في القوة العسكرية رقم 100، ومهمتهم حراسة المعتقلين أثناء الحرب.
المشكلة الرئيسية التي تحظى بتجاهل كامل في النقاشات حول القضية، أنه باستثناء الحادثة المحددة، حرصت النيابة العسكرية في معظم الحالات على ألا تدس أنفها في تحقيقات الحرب. الظروف القاسية بعد فظائع المذبحة التي نفذتها حماس في الغلاف في 7 أكتوبر والمناخ العام في البلاد لم تسمح مسبقاً بالنزول إلى تفاصيل القضايا كما حدث أحياناً في عمليات أصغر في القطاع من قبل. حتى الآن، بعد سنتين من الحرب، لم نسمع عن تقديم للمحاكمة وتطبيق للقانون في أحداث كانت تتعلق بقتل جماعي لمدنيين، وأوامر متساهلة بفتح النار بشكل خاص (أو تجاوزها)، وإطلاق النار على المستشفيات، وإطلاق النار المتعمد على الطواقم الطبية ورجال إعلام.
أما بخصوص السجناء، فقد أجريت تحقيقات محدودة حول ظروف الاعتقال الصعبة في منشآت الجيش الإسرائيلي وسجون مصلحة السجون منذ بداية الحرب، ولم يتم نشر النتائج بتوسع، ولم تُتخذ خطوات انضباطية أو جنائية ضد المتورطين. هذا رغم شهادات قاسية لمعتقلين وتقارير شديدة لمنظمات دولية ضد إسرائيل. حسب أقوال الفلسطينيين، فقد توفي 80 معتقلاً وسجيناً في منشآت السجون في إسرائيل منذ بداية الحرب (معظمهم في الأشهر الأولى) في ظروف تثير الاشتباه على الأقل.
لكن لا يجب الاعتماد فقط على الأجانب أو الفلسطينيين. هاكم ما كتبه جندي احتياط خدم في “سديه تيمان” بصحيفة “هآرتس” في أيار الماضي: “سديه تيمان، كما يعرف كل الذين كانوا هناك، هو معسكر تعذيب سادي. دخل إليه المعتقلون أحياء وغادروه في أكياس”، وأضاف. “التحقيق مع جنود الاحتياط يجري كما لو أن الجحيم الذي خلقناه هناك يتلخص في مسألة ما إذا كان قد تم إدخال جسم في مؤخرة سجين أم لا. لكني شاهدت هذا الجحيم… شاهدت أشخاصاً يدخلون إلى هذه المنشأة وهم مصابون بإصابة حرب، ثم يتم تجويعهم لأسابيع وبدون تقديم أي علاج لهم. شاهدتهم وهم يتبولون على أنفسهم، لأنه لم يسمح لهم بدخول الحمام. كثيرون منهم لم يكونوا من النخبة، بل مجرد غزيين تم احتجازهم من أجل التحقيق معهم، وتم إطلاق سراحهم إلى بيوتهم بعد تعرضهم لانتهاكات شديدة، عندما تبين أنهم أبرياء. ليس غريباً أن يموت الناس هناك، الغريب أن تمكن بعضهم من النجاة”.
الموضوع الإعلامي في إسرائيل يركز الآن بطبيعته على الفظائع التي مرت على المخطوفين في أسر حماس. ولكن إسرائيل تستمر في تجاهل الأمور التي حدثت هنا، وتتجاهل الشهادات التي لبعضها على الأقل صلة قوية بالواقع. إذا حيكت فرية ضد جنود احتياط، كما يقولون، فهو أمر يحتاج إلى فحص وتطبيق القانون، لكن هذا لن يسرق الانتباه عن خطورة الأمور التي مارسوها في منشآت الاعتقال أثناء الحرب.
عاموس هرئيل
هآرتس 30/10/2025