في الثورة السورية، كما في كل الثورات التي تخلّلتها أحداث عظيمةٌ ومآسٍ، وهولٌ يربك الأذهان إن كان حقيقةً أم خيالاً، والتمنّي عليه أن يكون ــ حتى ــ كابوساً لا حدود للرعب فيه، لمواجهة واقعيته، والرغبة الجامحة بدافع الضرورة في تسجيله فنياً قبل أن يفرّ من قبضة الذاكرة؛ تمّ طرح السؤال بشدة حول: ماذا يكتب الروائي؟ وكيف يجنّب روايته فخاخ التسجيل؟ وما الجدوى من الكتابة في ظل هولٍ يسحق البشر والحجر ولا يُبقي لهما عيوناً تتأمل لحظة السحق إذ يراكمه بلحظة سحق أخرى تدفن الأولى وتتجاوز الخيال الذي يتمنّاه الروائي لكي يُضفي على روايته صفة الفن.
في الأسئلة المحيّرة حول حدود الواقع والخيال، يلجأ الروائي السوري/ الفلسطيني الجذور علي الكردي في روايته الجديدة «ترانيم العتمة والضوء» إلى إدخال السؤال نفسه في الرواية كجزء منها، وإن بصورة منفصلة وَضَعه فيها تحت عنوان «ما يشبه المقدّمة»، ووضع فيها تساؤلاته عن: ماذا يكتب الروائي في لحظة الدم؟ وبيّن فيها، على صعيد المضمون، رؤيته عن اختطاف الدكتاتوريين والتكفيريين والقوى الخارجية التي تستخدمهم للثورة السورية، وقيامهم بتمزيق النسيج الاجتماعي السوري بـ «تسعير الفتن» وإثارة صراع «الهويات القاتلة». ورؤيته كذلك عن مسؤولية المبدعين، في حمل شعلة نار بروميثيوس لإضاءة العقول والأفئدة، وإبقاء «أفئدتهم مشرعةً للحب ديناً كما قال الشيخ الأكبر ابن عربي»، وأن على المبدع «في هذا الزمن الصعب الذي اختلطت في المعايير وضاعت معه القيم أن يشحذ أدواته ويغنّي الحب».
معالجة الواقع والخيال والتسجيل:
في معالجته للسؤال الأصعب حول حدود الواقع والخيال، بين فخاخ رواية معقّدة الموضوع، احتلّ فيها تسجيل حياة الحلقات الماركسية التي نشأت وشكلت «رابطة العمل الشيوعي» في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مكانة المحور في الرواية. ويضيف الكردي لمسته الفنية في الإجابة على هذا السؤال، بإشارته إلى لا جدوى مطابقة شخصيات أبطال الرواية بشخصياتها الواقعية، من قبل القراء الذين يمتّون بصلةٍ إلى هؤلاء. إذ قام، إضافةً إلى تغيير الأسماء، بخلق تراكباتٍ ودمجٍ للشخصيات تعكس الحالة العامة لها، والدوافعَ المشتركةَ التي ساقتها في الطرق التي سلكتها. وقد ساعده على ذلك الواقع السوري نفسه الذي حوّله حافظ الأسد في تلك المرحلة، إلى مزرعة لديها الكثير من المشتركات، مع تميّزها بالتحرك وفق نزعة القطيع التي فرضها على كل المجتمع موالاةً ومعارضة.
وقد قام الكردي في ذلك ببلورة شخصيات آسرة بنبلها وعقدها ونواقصها، تتجاوز بلورتُها الحدثَ السطحي الخارجي إلى التحليل النفسي العميق لها ولدوافعها في العمل السياسي وفي الحب والجنس ومواجهة المصائر والمآلات، رغم قيامه إلى جانب ذلك بالإبقاء على بقع من التسجيل الصريح الواضح بالأسماء والأفكار، لكن مع دفع التحليل النفسي إلى إنباضها كشخصيات روائية. مثل شخصية القيادي السابق في «رابطة العمل» باسمه الصريح هيثم منّاع، الذي ترك التنظيم إثر حملة اعتقالات واسعة من قبل مخابرات النظام عام 1977: «بإثارة ضجيجٍ يتلاءم مع بنيته النرجسية» كما يقول الكردي، عبر بيان شرحيّ يبرّر فيه تخليه عنها في أنها لم تنضج بعد للتحول إلى حزب سياسي ثوري، رغم مساهمته الفعالة في كتابة مبادئ تحولها من تنظيم ثقافي دعوي إلى تنظيم سياسي، ويطالب فيه بحلها والانضمام إلى الحزب الشيوعي السوري/ المكتب السياسي على طريق بناء «حزب شيوعي ثوري من طراز جديد». و«بطبيعة الحال رفض الرفاق فكرته لأن تأسيس حزب ثوري يأتي في سياق حوار وجدل وتفاعل تكون محصلته بناء حزب ثوري وليس بطريقة الاندماج مع حزب آخر كملحق به. وبخاصة أن الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) كان يشكك أمنياً في «الرابطة»، ويرفض أساساً الحوار معها. حقيقة الأمر أن مناع أراد ذريعةً لمغادرة التنظيم. المفارقة أنه هو نفسه لم ينضم إلى الحزب الشيوعي (المكتب السياسي)، بل حطّ بعد أيام في باريس وفتح صفحة جديدة في حياته قادته إلى أن يصبح ناشطاً في الدفاع عن حقوق الإنسان.
في بلورة شخصياته أكثر، ومنحها قوّة الإقناع يلجأ الكردي، إلى إدخالها في منظومة سرد الرواية، بصيغة المتكلم، ولكن المتعدّد، حيث يبني هذه المنظومة بأسلوب قراءة الأوراق التي تركها الأبطال المعنيون من كلا جيليِّ الرواية: جيل الآباء الذين خاضوا تجربة الكفاح مع نظام حافظ الأسد، من جهة الحلقات الماركسية ورابطة العمل الشيوعي، وجيل الأبناء الذين خاضوا الكفاح في زمن ابنه بشار الأسد خلال الثورة السورية، من جهة اللاحزبية وعموم الشعب بشبابه وتنسيقياته.
وتحدّد منظومة السرد هذه بنية الرواية بتشكيلها وفق سرد هذه الأوراق من واحد وعشرين فصلاً يجري فيها الزمن باستقامة تقريباً بالنسبة للحكاية وإن تغيّر بين أعوام السبعينات وأعوام الثورة؛ لخلق جسر يوصل تجربة الجيلين ويقيم النقد للتجارب والمقارنات واختلافات المفاهيم.
ويضع الكردي في هذا التحديد للبنية جملة «من أوراق فلان» حسب الراوي من أبطالها: خليل زهدي، زين دياب، سامي دياب، رياض حبّو، أحمد الشامي، سعاد باصيل، رنا زينو، طارق ميرو، مع وضع تواريخ للأوراق تحدد وتناسق الزمن. وهذا تحت عناوين الفصول المحددة بـ: «والدي صورة في إطار، بدايات الحلم، زين الضوء، نحنحات سامي، اتساع الدوائر، مدينة أبو الفداء الجريحة/ لا للنسيان، الأصدقاء.. الأصدقاء، الاستوديو، النواة الأولى للحلقة، هواجس في محلّها، ظلال رمادية، أحببتهم على الرغم من جفائهم، أشواك الحب، آلام التجربة، أنا وهو، في تلك الليلة الظلماء، الملاحقات الأمنية، سنوات العتمة والجمر، جوعاااااان.. جوعان!، إخلاء سبيل، أوراق التشريفة».
مع تأطير هذه الفصول بفصلين، الأول: «دوائر عدم الإمكان»، والأخير: «من تداعيات المنفى/ ذاكرة بالأسود والأبيض/ ورقة أخيرة/ عود على بدء»، يقوم بسردها في صيغة المتكلم الراوي، خليل زهدي، كما يبدو، الذي يمثّل الكاتب علي الكردي نفسه، بالتحويرات التي أجراها على جميع شخصياته. وقد يؤكد هذا الظنَّ تشابه أسلوب الساردين في الأوراق.
ويثير انتباه القارئ أسلوب الكردي وتميّزه بالسرد التحليلي، المتقارب مع أسلوب ميلان كونديرا في إدخال التحليل الصريح للشخصية وإشراك القارئ به، حيث: «هنا يجب أن نتوقف عن السرد للحظة ونتمعّن بالإشارة إلى مظهر رنا ‘الأرستقراطي’. من أين جاء هذا المظهر.» وأسلوب القطع لتحليل الحالة من قبل الراوي، لإشراك القارئ في كتابة الرواية، وإيضاح وجهة نظره حول الفرق بين الشخصية الواقعية والروائية، حيث:
«مهلاً. ثمّة مشكلةٌ في سرد قصتنا، فالشخصيات كثيرة والتتابع الزمني في ملاحقة مصائرها صعبٌ جداً. الحلّ هو الاختزال، وتداخل الأزمان، وتركيب كل شخصية من شخصياتٍ عدة بحيث تتقاطع مصائرها المشتركة. هل نُزيّف الواقعَ إذا فعلنا ذلك؟! ليس تماماً. إذ ليس المطلوبُ سرد الوقائع كما جرت حرفياً، المهمّ الخلاصة، المعنى، المغزى، لذلك لا تبحثوا عن شخصيةٍ في الواقع تتطابق أو تتشابه مع شخصية سامي أو سعاد أو زين أو رنا زينو أو خليل أو غيرهم من الشخصيات التي تظهر لاحقاً. إن هؤلاء كلهم ربما يشبهون شخصياتٍ تعرفونها في الواقع، وفي الآن ذاته لا يشبهونها. هم ليسوا هم، لكنهم من نسيجِهم المعقّد ذاته».
ترانيم العتمة والضوء:
من العنوان الذي يكشف الكردي علاقته بالرواية في آخرها، يعيش القارئ تجربة صراع جيلين سوريين مع نظام الدكتاتوريْن المجرم حافظ الأسد وابنه بشار الذي قرّر التغلّب عليه في الإجرام، وربّما تَمثَّل القارئ هذه التجربة في تأمل تجربته الخاصة، بدءاً من علاقة الابن بالأب، في الفصل الثاني، من جهة عيش الطفل زين حياةً يتجلى فيها الأب «صورةً في إطار» بسبب غيابه في المعتقل السياسي، وحفاظ أمه على الصورة الناصعة له في أحلام ابنه عنه، في مقابل صورة «الأب القائد» العابس، سجّان والده، على الجدران والكراريس، في تضادها مع صورة أبيه الباسمة الحانية. ومن ثم تجلّيه من خلف شَبَك المعتقل، ثم التعرّف عليه بعد 18 عاماً شاباً، عند إطلاق سراحه بمشاعر حيادية مخذولة، مع تخلّل إحباطات الابن ومشاعر خوفه وتولّد تحدياته مع أمه، والمشاكل النفسية التي تتولّد من هذه الحالة المعقّدة لحياة الابن على مرّ زمن المرحلتين. إضافة إلى الانخراط بعد الإحباط في الثورة السورية ما أن اشتعلت ولبّت.
مروراً بالصداقات التي يعرض فيها الكردي بأسلوب ومشاعر من عاش تجربة العمل السياسي والسجون، حياة «الحلقات الماركسية» وتطورها إلى «رابطة العمل»، كجزء من اليسار السوري، بعمق إنساني حافل بالتحليل السيكولوجي لنفوس أعضائها، ولعلاقات الرفاقية والحب التي عاشوها، ولأحلامهم وأوهامهم التي طبعت شباب تلك المرحلة، مع النقد العميق لتصوراتهم وأخطائهم، وعرض حياة السجون الرهيبة التي عاشتها سوريا بما يفوق أيّ واقع وأيّ تصور لهولها.
إضافة إلى معالجة الكردي لتعقيدات وضع الإسلام السياسي وتصوراته عن سوريا، وحالات المدن السورية وأهلها في ظلال الدكتاتورية السوداء، بما يشكل لوحةَ معرفةٍ واسعةٍ ثريةٍ، وأسساً للتعلّم من النقد الذاتي الجريء لتجارب الكفاح.
وصولاً إلى ختام الكردي لروايته بالأمل، في الفصل الأخير الذي يكشف تشابك الرواية مع عنوانها، ويعيد نهايتها إلى بدايتها، كختام يريده، في تأمّل لحالة أبنائه الذين يعيشون في بلاد الحداثة، وأمل في أن لا ينسوا جذورهم، بقناع الراوي المتكلم، المعتقل السابق الذي لا تغادره ذكريات هول الاعتقال، إذ:
«أكتب الآن محاولاً لملمة شظايا روحي لاستعادة شيء من السكينة والسلام الداخلي. لعل أبنائي يتعرفون إلى جذورهم… عليهم ألّا ينسوا أنهم خلاصةٌ ثمينةٌ لتلك التمثّلات كلّها، بكل ما فيها.. من تحدٍّ وانكسارات. إنها ترانيم العتمة والضوء، هي الحياة هكذا.. تدور دورتها الأبدية. الثابت الوحيد المؤكد أنّ زهرَ الكرز الأبيض واللوز الأخضر سيتفتح في شمس بلادنا بعد قيامتها، ولا بدّ أن يثمر فرحاً، حبّاً، حريةً وكرامةً، ولو بعد حين».
علي الكردي: «ترانيم العتمة والضوء»
ميسلون، باريس واسطنبول، 2025
248 صفحة.