لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” افتتاحية أكدت فيها أن العلاقات الأمريكية الأوروبية لم تعد قائمة على التحالف بقدر ما باتت تقوم على الإهانة والضغط. واتهمت الصحيفة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسعي لإضعاف الحلفاء التقليديين لواشنطن والهيمنة عليهم، مشددة على أن القادة الأوروبيين بحاجة إلى تعلم كيفية الرد على هذا النهج.
وذكرت الصحيفة أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس باتوا يجيدون التعامل السريع مع الأخبار السيئة القادمة من واشنطن. فقد تم ترتيب اجتماعهم مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 10 داونينغ ستريت بشكل عاجل، إلا أن هذا الارتجال الدبلوماسي، بحسب الصحيفة، لا يكفي لمواجهة التهديدات الهيكلية التي يمثلها ترامب على الأمن الأوروبي.
وقالت الصحيفة إن الرئيس الأمريكي ومبعوثيه يمارسون ضغوطاً على زيلينسكي للقبول باتفاق سلام غير عادل يخدم المصالح الأمريكية والروسية. ومن جانبها، سعت القمة الأوروبية لتعزيز الدعم باستخدام ما يصل إلى 100 مليار جنيه إسترليني من الأصول الروسية المجمّدة كضمان لقرض تعويضات لصالح أوكرانيا. وترى الصحيفة أن المقترحات الأوروبية لوقف إطلاق النار تحتاج إلى دعم مالي يمنح كييف نفوذاً في هذا الظرف الحرج.
استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها البيت الأبيض الأسبوع الماضي قدمت دليلاً إضافياً على ازدراء الإدارة الأمريكية للقيم الديمقراطية الليبرالية، ورغبتها في تقليص الضمانات الأمنية التي أسست النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية
وأشارت “الغارديان” إلى أن الأحداث القاتمة التي سبقت موسم الأعياد كشفت حدود الاكتفاء بردود الأزمة وتجاهل استفزازات حركة “ماغا”. واعتبرت أن استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها البيت الأبيض الأسبوع الماضي قدمت دليلاً إضافياً على ازدراء الإدارة الأمريكية للقيم الديمقراطية الليبرالية، ورغبتها في تقليص الضمانات الأمنية التي أسست النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، بالتوازي مع الضغط على الاتحاد الأوروبي للتخلي عن قيمه ومبادئه الأساسية.
وأضافت الصحيفة أن الوثيقة الأخيرة بدت بمثابة نسخة رسمية لما طرحه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث تضمنت توقعات بـ”محو الحضارة” الأوروبية بسبب الهجرة والتكامل الأوروبي، وهي سرديات تتقاطع مع الخطاب الروسي، كما حملت دعوات لترسيخ “المقاومة” ضد المسار الأوروبي ودعم التيارات القومية.
وترى الصحيفة أنه في ظل التهديدات الأمريكية المتزايدة، لا يمكن اعتبار إدارة كهذه حليفاً فعلياً، فترامب وأنصاره من دعاة “أمريكا أولا” ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره عبئاً أمنياً ومنافساً اقتصادياً وخصماً ثقافياً يجب تقويضه. وتدعو “الغارديان” الأوروبيين إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية والوحدة الدفاعية وتدعيم مصالحهم الاقتصادية، وهو ما يتطلب موقفاً أكثر حزماً تجاه واشنطن. وانتقدت الصحيفة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لفشلها في التصدي للنهج الأمريكي خلال مفاوضات اتفاقية تجارية وصفتها بأنها مهينة ومن جانب واحد.
ترامب وأنصاره من دعاة “أمريكا أولا” ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره عبئاً أمنياً ومنافساً اقتصادياً وخصماً ثقافياً يجب تقويضه
وترى الصحيفة أن العالم الحالي، حيث تسعى فيه الصين والولايات المتحدة لتوسيع نفوذهما على حساب أوروبا، فيما تستبطن روسيا نوايا أكثر عدائية، لم يعد يحتمل الرومانسيات المتعددة الأطراف. وبحسب الافتتاحية، فإن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية والرئيس ترامب يسعيان لجرّ أوروبا نحو حالة من الضعف والتبعية للصناعة والتكنولوجيا الأمريكية، ما يجعلها عرضة للابتزاز السياسي. وترى أن الأوروبيين يستحقون وضعاً أفضل من قارة يسعى إيلون ماسك وشخصيات مشابهة للتأثير في توجهاتها.
وشددت الصحيفة على أن الوقت قد حان لاستعادة زمام المبادرة الأوروبية.
وفي سياق متصل، كرر ترامب مواقفه التصعيدية في مقابلة مع مجلة “بوليتيكو”، حيث هاجم القادة الأوروبيين ووصف أوروبا بأنها “مجموعة دول متهالكة” يديرها “رجال ضعاف”. وانتقد فشل الأوروبيين في ضبط الهجرة ووضع نهاية للحرب الروسية الأوكرانية، مشيراً إلى أنه سيدعم مرشحين سياسيين في أوروبا يتماهون مع رؤيته للقارة. وتعتبر الصحيفة أن هذه التصريحات تمثل أعنف هجوم يشنه ترامب على الديمقراطيات الأوروبية حتى الآن، وتهدد بزعزعة علاقات الولايات المتحدة مع دول محورية مثل فرنسا وألمانيا.
وقال ترامب في المقابلة: “أعتقد أنهم ضعاف، ولا يعرفون ماذا يفعلون. أوروبا لا تعرف ماذا تفعل”. كما أطلق تصريحات حادة حول قضايا داخلية، معلناً أنه سيجعل دعم خفض أسعار الفائدة معياراً في اختيار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، ملوحاً في الوقت ذاته بتوسيع نطاق العمليات العسكرية لمكافحة المخدرات لتشمل المكسيك وكولومبيا.
وتأتي تصريحات ترامب في وقت حساس للمفاوضات الرامية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بينما يخشى القادة الأوروبيون من احتمال تراجعه عن دعم كييف. وبدلاً من طمأنة الأوروبيين، أكد ترامب أن روسيا في موقع أقوى من أوكرانيا. وأثارت استراتيجية الأمن القومي الجديدة استياء واسعاً في العواصم الأوروبية، حيث قدمت رؤية عدائية للوضع السياسي الأوروبي، متعهدة بـ”تعزيز المقاومة” للسياسات الأوروبية السائدة، خصوصاً في ما يتعلق بالهجرة.
وباستدعاء خطاب شعبوي، هاجم ترامب مدناً أوروبية مثل لندن وباريس بزعم أنها “تئن تحت وطأة الهجرة”. وخص عمدة لندن صادق خان بوصفه “كارثة”، مدعياً أنه انتخب بسبب أصوات المهاجرين.
أكد ترامب أنه سيواصل دعم مرشحين مفضلين لديه في الانتخابات الأوروبية، حتى لو أثار ذلك غضب السكان المحليين
وفي حديثه مع “بوليتيكو”، أكد ترامب أنه سيواصل دعم مرشحين مفضلين لديه في الانتخابات الأوروبية، حتى لو أثار ذلك غضب السكان المحليين. وقال: “سأدعم أي مرشح… لقد دعمت فيكتور أوربان”، في إشارة إلى رئيس الوزراء المجري اليميني المتشدد.
وعن الحرب في أوكرانيا، قال إن القادة الأوروبيين “يتحدثون ولا يفعلون شيئاً”، وإن الحرب مستمرة بلا أفق. ورغم تأكيده السعي لتحقيق السلام، أشار ترامب إلى إمكانية توسيع العمليات العسكرية ضد أهداف مرتبطة بتجارة المخدرات في أمريكا اللاتينية، ملمحاً إلى احتمال إرسال قوات إلى فنزويلا، ومؤكداً أنه سيدرس استخدام القوة ضد أهداف في المكسيك وكولومبيا.
وأكد أن التدخل العسكري الخارجي خيار مطروح لديه: “بالتأكيد، سأفعل”.