بات واضحاً تناقضات واستفزازات الرئيس ترامب ومعها تناقضاته واستفزاز الحلفاء بالتدخل بشؤونهم وإملاء شروط غير واقعية وإلقاء محاضرات وتقريع رؤساء دول بنصب أفخاخ لهم وإحراجهم علنا أمام الكاميرات وشعوبهم وزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الخارجية!
وكذلك يفرض ترامب سيطرته على حزبه الجمهوري، ويقوم بترهيب أعضاء الكونغرس للتصويت على قوانينه وترشيحاته لمناصب الوزراء وكبار المسؤولين. وكانت نتيجة تمرير قانون خفض الإنفاق والضرائب الأكبر بتاريخ أمريكا، برغم زيادة عجز الميزانية بتريليونات الدولارات وجني الأثرياء خفضا كبيرا، اصطفاف نواب وأعضاء حزبه الجمهوري مع مشروع القانون، برغم مجازفة بعضهم بفرص فوزهم بالانتخابات القادمة بخسارة الانتخابات. لم ينشق سوى نائبين من حزب ترامب من 220 نائبا جمهوريا والتصويت ضد مشروع القرار. فيما صوت جميع النواب الديمقراطيين الحاضرين في جلسة الأسبوع الماضي ضد مشروع القرار لكلفته الكبيرة على الدين العام الأمريكي وتعريض ملايين الأمريكيين لتقليص الإنفاق الحكومي على برامج الرعاية الصحية بخفض ميزانياتها. ما يعمق الانقسام الداخلي!
أكدت التطورات المتلاحقة وتصويت أعضاء مجلس النواب والشيوخ الانقياد الكامل لترامب بعد فرض نفسه زعيم الحزب الجمهوري بلا منازع… لدرجة عند رفض السناتور تيليس من ولاية كارولينا الشمالية التصويت مع مشروع قراره ـ هدده ترامب الذي يهمه الولاء والانصياع أكثر من الخبرة والمهنية، وتلك شروطه الأهم لترشيحه للمسؤولين والوزراء، برغم افتقار بعضهم للقدرات والخبرة والقيادة مثل وزيرة العدل ووزير المالية ووزيرة الأمن الداخلي ومديرة الاستخبارات الوطنية ومدير مكتب التحقيق الفيدرالي ـ والذين حصلوا على أدنى أصوات بتصويت المصادقة على تعيينهم في مناصبهم في مجلس الشيوخ لتصويت معظم أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين ضدهم ـ واحتاج بعضهم تصويت نائب الرئيس فانس ليكسر التعادل وتتم المصادقة على تنصيبهم بفارق 51 ـ 50 صوتا!
كما يشن ترامب حربا مفتوحة عبر وزرائه وكبار المسؤولين في إدارته على المؤسسة الحاكمة والدولة العميقة، ويؤمن ترامب بتآمرها عليه ويشكك بولائها المطلق. ويستحضر ترامب كيف تآمرت الدولة العميقة عليه وسرقت انتصاره (المزيف) بانتخابات الرئاسة عام 2020، وكذلك محاكمته على جرائم جنائية وصلت إلى إدانته بأربعة وثلاثين تهمة جنائية أسقطت جميعها لاحقا بعد فوزه بانتخابات الرئاسة في نوفمبر الماضي وقبل بدء رئاسته الثانية والأخيرة. وهناك اقتحام منزله في فلوريدا وتحريضه لأنصاره في جماعة (MAGA)-في يناير 2021 لتعطيل جلسة المصادقة على رئاسة بايدن في اعتداء غير مسبوق على الديمقراطية التي انتقدها ترامب بعد خسارته التي يرفض الإقرار بهزيمته-بأنها ديمقراطية عالم ثالث ووصف الانتخابات بالمزورة!!
أكدت التطورات المتلاحقة وتصويت أعضاء مجلس النواب والشيوخ الانقياد الكامل لترامب بعد فرض نفسه زعيم الحزب الجمهوري بلا منازع
وتُعمّق سياسات ترامب الانقسام المجتمعي في الولايات المتحدة بحرب مفتوحة على المهاجرين الشرعيين الذين يحملون البطاقة الخضراء ،الإقامة الدائمة، بملاحقتهم والتضييق عليهم بهدف تقليص عددهم-وكذلك المقيمين بطريقة غير شرعية ـ بقيام قوات إنفاذ وتطبيق قانون الهجرة والجمارك ـ المعروفة باسم(ICE) ـ الذين يمنحهم القانون حق توقيف أي شخص يشك عناصرهم بأنه أمريكي أو مقيم بطريقة غير شرعية. ما أدى لتعطيل أعمال الزراعة والحصاد وعمال البناء والعاملين في قطاع الضيافة والفنادق والمطاعم والمنتجعات السياحية بشكل كبير لعمل العديد من المقيمين بطريقة غير شرعية أو الذين ينتظرون منحهم إذن عمل في هذه المهن التي يعزف الأمريكيون عن العمل فيها- ما أدى لاستياء وغضب أصحاب المزارع والقطاع الزراعي والضيافة للتواصل مع الرئيس ترامب وإدارته وطلب وقف شن عناصر الهجرة والجمارك غارات مفاجئة على تلك القطاعات لضررها الكبير على أعمالهم!!
وتضييق إدارة ترامب بشكل كبير على القادمين إلى الولايات المتحدة في المطارات ومنافذ الدخول البرية على حدود المكسيك وكندا. بالتشدد بالتحقيق وحتى إيقاف المسافرين واعتقالهم، والمحظوظين يتم ترحيلهم!! لذلك انخفضت بشكل ملحوظ الزيارات والسفر إلى الولايات المتحدة منذ مطلع العام.
ويستمرئ ترامب بشكل مستفز حربه الاقتصادية على الحلفاء قبل الخصوم بالتلويح برفع نسب التعريفات الجمركية على بضائعهم المصدرة إلى الولايات المتحدة- بما يضر بالنمو الاقتصادي العالمي وبشكل تعسفي وانتقامي. كما يلمح في حال رفعت الدول المستهدفة زيادة الرسوم الجمركية وخاصة كندا والمكسيك والصين ودول الاتحاد الأوروبي وحتى على الأعضاء في مجموعة بريكس بلس!! وهدد قبل أيام برفع الرسوم الجمركية على البضائع الكندية بـ35٪ وعلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول نامية محدودة الدخل وغيرها. وهذا لا شك يعمّق نظرة التشكيك بالحليف الأمريكي ومعه عزلة الولايات المتحدة الأمريكية ويزيد من كلفة البضائع والمشتريات على المستهلك الأمريكي بهدف تأديب وإجبار الدول الحليفة والجارة والصديقة والخصوم الانصياع لتحدي ترامب!
لكن أخطر سلوك ترامب ـ تدخله بممارسة البلطجة بتهديد دول مؤثرة بزيادة نسبة الجمارك على بضائعها كما غرد مهددا بزيادة رسوم التعريفات الجمركية بنسبة 50٪ على واردات البرازيل إلى الولايات المتحدة. في حال لم توقف البرازيل محاكمة بولسانارو الرئيس البرازيلي السابق حليف ترامب ـ يُعرف بـ«ترامب البرازيل» ـ متهما وواصفا محاكمته بغير العادلة!! رغم أن بولسانارو يحاكم بتهم الفساد ورفضه مثل ترامب الإقرار بخسارته الانتخابات الرئاسية. رد الرئيس البرازيلي دي سلفا مصعداً:» لسنا في حاجة للتجارة مع أمريكا وسنبحث مع شركاء آخرين. وسنفرض رسوما جمركية انتقامية على الولايات المتحدة في حال نفذ ترامب تهديده»!
سياسات ومواقف وتدخلات ترامب المستفزة وتدخلاته السافرة والعلنية بشؤون الدول الأخرى، وانحيازه لموقف نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتشدد، وفشله بممارسة ضغوط لانتزاع هدنة 60 يوما لوقف حرب الإبادة على غزة، وطريقة تعامله المستفزة والمهينة لرؤساء دول أفريقية، تُعمّق الانقسام والاستقطاب السياسي والاجتماعي والحزبي الداخلي بشكل غير مسبوق في النظام السياسي الأمريكي. كذلك يستعدي ترامب الحلفاء الذين تتراجع ثقتهم بالحليف الأمريكي. وتُقنع المجتمع الدولي بتراجع ريادة وإلهام نموذج أمريكا الرائد والملهم.
أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت