عاموس هرئيل
بعد أن أنهى تفاخره بالهجوم على منشأة فوردو، وبعد أن أنهى إهانته لنظام إيران وتهديده، عاد ترامب للتنبؤ بموضوع صفقة تبادل قريبة بين إسرائيل وحماس. “هذا وضع فظيع. نعتقد أن وقفاً لإطلاق النار سيتحقق الأسبوع المقبل”، وأضاف: “نظرياً، نحن لا نشارك في ذلك. ولكننا نشارك لأن هناك أناساً يموتون”.
الشخص الوحيد الذي يعرف ما إذا كانت هذه الأقوال حقيقية هو ترامب نفسه. فمنذ فوزه في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني الماضي، يكثر من تصريحات متفائلة بخصوص احتمالية التوصل إلى صفقة. في إحدى المرات، قبل بضعة أيام على تسلمه للمنصب، نجح في فرض اتفاق على الطرفين. ولكن في آذار الماضي، خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار مع حماس وانهارت الصفقة، وعلقت المفاوضات منذ ذلك الحين. بقيت الأوراق لدى ترامب، إذا ضغط على نتنياهو بعد الإنجازات التي ساعدته في الحصول عليها في الأسابيع الأخيرة، فربما تحدث انعطافة. بدون تدخل مباشر للرئيس الأمريكي، لا شيء يتحرك.
أعطى ترامب نتنياهو ضوءاً أخضر لبدء الهجوم في إيران في 13 الشهر الحالي. في 22 حزيران، انضمت الولايات المتحدة لقصف المنشأة النووية في فوردو. بعد ذلك، توصل الرئيس الأمريكي لوقف إطلاق النار. والخميس الماضي، بصورة استثنائية، نشر تصريحاً مطولاً تدخل فيه مباشرة بإجراءات قانونية تخص إسرائيل، وطالب بإلغاء محاكمة نتنياهو، واعداً بإنقاذ رئيس الحكومة، مثلما أنقذ إسرائيل، حسب قوله.
موقف الجيش الإسرائيلي يضاف إلى الضغط الأمريكي الذي يلوح في الأفق لعقد الصفقة. تجول رئيس الأركان أيال زامير أمس بين قوات الجيش في القطاع، واستغل هذه الفرصة معلناً بأن الجيش سيتوصل قريباً إلى “الخطوط التي حددت للمرحلة الحالية”
موقف الجيش الإسرائيلي يضاف إلى الضغط الأمريكي الذي يلوح في الأفق لعقد الصفقة. تجول رئيس الأركان أيال زامير أمس بين قوات الجيش في القطاع، واستغل هذه الفرصة معلناً بأن الجيش سيتوصل قريباً إلى “الخطوط التي حددت للمرحلة الحالية”، وأضاف بأن إيران تعرضت لضربة قاسية، وأن الضربة التي تعرضت لها ستدفع قدماً بتحقيق الأهداف في غزة. هذا تلميح شديد لموقف متعزز في أوساط الجنرالات في هيئة الأركان، يفيد بأن قضية غزة يجب تسريع إنهائها بصفقة شاملة لإعادة المخطوفين. الإجراءات التي يتخذها الجيش الإسرائيلي الآن، والتقدم البطيء، وهدم البيوت، وضرب خلايا صغيرة للمخربين، وأحداث قتل يومي قرب مراكز توزيع الغذاء، كل ذلك لا يحقق أهداف الخطة الشاملة.
نجاح إسرائيل في إيران لا يرتبط بذلك بصورة مباشرة. ولكن ليس صدفة أن رئيس الأركان يستغله لنقاش في صفقة المخطوفين. لأقوال زامير ثقل آخر الآن، فهو رئيس أركان بعيد عن فشل 7 أكتوبر، وأيضاً لأنه يعتبر وبحق كمن دفع لمهاجمة إيران. يبدو أن إغلاق قضية المخطوفين قد يغري نتنياهو نفسه. الشخص المقرب منه نتان ايشل، اقتبس في موقع “تايمز أوف إسرائيل” وهو يقول بأنه “حتى الانتخابات، سينسى الجميع كارثة 7 أكتوبر”. هذه أقوال لا أساس لها: سيتم التذكير بالمذبحة أكثر من الهجوم على إيران.
هذه الأمور سيتم حلها أخيراً بين ترامب ونتنياهو، وهي تتعلق بجهود الإدارة الأمريكية لعقد تحالف استراتيجي إقليمي جديد، يشمل التطبيع بين إسرائيل والسعودية. المستوى المهني في إسرائيل تقريباً غير مشارك فيما يحدث، وأعضاء مركز الأسرى والمفقودين التابع للجيش يعرفون أن الاتصالات الجارية الآن تتم بسرية تامة.
في هذه الأثناء، حدثت أمس مذبحة أخرى خطيرة، الثانية في غضون أسبوع، نفذها نشطاء الإرهاب اليهودي في قرية كفر مالك الفلسطينية قرب مدينة رام الله. هذه المرة، كان هذا تصادماً مباشراً مع لواء احتياط في الجيش الإسرائيلي، الذي تمت مهاجمة جنوده برئاسة قائد كتيبة، بالضرب والحجارة. نتنياهو، وزامير، ووزير الدفاع، أدانوا ذلك، لكنها مجرد أقوال فارغة في وقت يجلس فيه ممثلو الذراع السياسي لـ “شبيبة التلال” على مقاعد الحكومة، ويوفرون كل دعم للعنف، ويملون سياسة إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة.
يجدر الذكر بأن كاتس نفسه هو الشخص ألغى الاعتقال الإداري لليهود في الضفة في تشرين الثاني الماضي. ستمر بضعة أيام أخرى من القلق، وسيعود المستوطنون “المشاغبون” [الإرهابيون] لعادتهم كما هي الحال دائماً. وإذا تبين وجود اتفاق في قطاع غزة، فمن المؤكد أنهم سيحاولون إشعال تصعيد أقسى في الضفة بهدف إحباطه.
ليست مجرد عملية أخرى
في السنتين الأخيرتين، التقيت مع العقيد أ. مرتين، وهو طيار مقاتل وقائد لإحدى قواعد سلاح الجو. جرى اللقاء الأول في ذروة الاحتجاج ضد الانقلاب النظامي، حيث كان سلاح الجو ممزقاً من الداخل إزاء تصريحات رجال الاحتياط بأنهم سيتوقفون عن التطوع للخدمة احتجاجاً على خطوات الحكومة. في نهاية أيلول الماضي، التقينا ثانية: كان سلاح الجو في ذروة موجة هجمات واسعة في لبنان، التي تم فيها (كما تبين لاحقاً) تدمير جزء كبير من قدرة حزب الله. بعد أسبوع من ذلك، دخلت القوات البرية الإسرائيلية جنوب لبنان، وبدأت في تطهير تحصينات حزب الله في الطريق إلى النصر.
حدثت أمس مذبحة أخرى خطيرة، الثانية في غضون أسبوع، نفذها نشطاء الإرهاب اليهودي في قرية كفر مالك الفلسطينية قرب مدينة رام الله. هذه المرة، كان هذا تصادماً مباشراً مع لواء احتياط في الجيش الإسرائيلي، الذي تمت مهاجمة جنوده برئاسة قائد كتيبة، بالضرب والحجارة
جرت المحادثات معه هذه المرة بعد 12 يوماً من الهجمات في إيران، التي شارك فيها هو وآلاف رجال القاعدة، من الطواقم الجوية ومروراً بالطواقم الأرضية وحتى رجال الاستخبارات. أ. وهو طيار مخضرم نسبياً، كان مشاركاً أيضاً في تحضيرات سابقة لهجوم في إيران، الذي لم يتحقق، في بداية العقد الماضي.
“بعد 7 أكتوبر، عندما عرفنا أن إيران تمسك بالخيوط، بدأنا نتحدث عن ذلك بجدية أكبر. في تشرين الأول 2024 أصبحت الفكرة حقيقية. وفي نصف السنة الأخيرة، انتقلنا إلى إجراءات المعركة قبل الهجوم. يجب معرفة أن هذه ليست عملية أخرى خاصة، بل معركة. عندما وجهت الضربة الأولى وأحدثت خللاً في توازن الطرف الثاني، أصبح هذا الحدث متسلسلاً. لا شخص أو وحدة في سلاح الجو إلا وشارك في ذلك. ليسوا هم فقط، بل جميع الأجهزة الاستخبارية، والتكنولوجيا، والتنصت”.
رغم تقديره أن الإعدادات ستنتهي بالهجوم في هذه المرة “ظل الأمر مرهقاً لحظة حدوثه. كنا نستعد لسيناريوهات أخرى، وكنا مستعدين لدفع تكلفة مختلفة كلياً. الأمر فاجأني في الأيام الأولى. لا أعتقد أنني شاهدت تنفيذاً قريباً جداً من الخطة الأصلية. المسؤولون عن العمليات والاستخبارات كانوا يعرفون كيفية إبلاغنا بالضبط، وكيف سيبدو الأمر. كنا متشككين كثيراً في البداية. في لحظة ما، كنا نفكر: مهلاً، هذا يسير بسلاسة مفرطة. الأمر متكرر، سلسلة من الإجراءات. لقد كنا نعد لذلك منذ أشهر. لا يمكن تنفيذه في لحظة”.
-كيف يتساوق هذا مع جيش 7 أكتوبر؟
“الإجابة المطلوبة قبل أي شيء آخر هي أنه لا شيء يمكن فعله حتى نهاية حياتنا قد يغطي على فشل 7 أكتوبر. هنا فشلنا تماماً. للأسف، سلاح الجو يرى هذا الأمر موضوعاً واضحاً كلياً. إذا أعددت نفسك مسبقاً ف فستكون قادراً تقريباً على كل شيء، وإلا فإن البعد الزمني أمر حاسم. عندما اخترق 1200 شخص من النخبة الأوائل الحدود ووصلنا بعد ساعة أو ساعتين، فإن ما قمنا به لم يكن مهماً حينذاك. لا أبحث عن أعذار: لم نكن بحاجة إلى كثير لنوقفهم، ولكن كنا بعيدين جداً عن هناك.
“الموضوع الثاني قيمي واستراتيجي. عملنا وفقاً لمقاربة الصد، هذا هو الفرق بالضبط. المستويات العليا كان يمكنها إرسالنا إلى هناك، بل كان يمكنها الامتناع عن ذلك بسبب الثمن الذي سندفعه. لكن إسرائيل 2025، بعد المذبحة، لا تتنازل عن هذه الفرصة، ولا تبقيها للنوبة القادمة”.
-ماذا كانت صعوبة الهجوم الأساسية؟ هل هي المسافة؟ ألا تشبه الهجمات في اليمن؟
“اليمن غير مشابه، هو في الواقع أبعد من بعض الأهداف في إيران، لكن التحدي مختلف. الجزء الأصعب هو الضربات الموجهة للجبهة الداخلية. أنت تقوم بعمل جيد، وتقصف قواعد إطلاق الصواريخ هناك، لكن هذا لا يكون على لا شيء دائماً، ودائماً هناك انحراف للصواريخ التي تسقط في الجبهة الداخلية. الطلعات نفسها بالطبع طويلة، ولكنك تكون متوتراً جداً. الجزء الأقسى هو رحلة العودة. كلما ابتعدت عن إيران يقل التوتر، لكن ما زال أمامك رحلة طيران ساعة ونصف ساعة نحو الغرب”.
-كم من الجهد بذلتم لضمان استمرارية العمل في القاعدة تحت النار؟
“نفذنا عملية قتالية استمرت أشهراً لنتجنب أي اختناقات، ونضمن سير الأمور بسلاسة. كلما تمكنت من اختراق عقل العدو، زادت قدرتي على تجنب إصابة نقاط الضعف التي يعتقد أنها قابلة للإصابة. نحرص بقدر الإمكان على إبقاء الطائرات المقاتلة متحركة، وهو ما يصعّب ضربها. في النهاية، أمام الطرف الآخر 11 دقيقة بين الضغط على الزر ووصول الصاروخ إلينا، في الـ 11 دقيقة يمكنك إنجاز الكثير”.
-بعد هذا النجاح، ألا تخشى من أن يقول الأشخاص في السلاح: لقد وصلت إلى الذروة، ويمكنني الآن مغادرة الخدمة الدائمة؟
“سأقول قبل أي شيء، إن لنا 49 أخاً وأختاً في غزة. أضف إلى ذلك الأصدقاء الذين يعملون هناك، وحادثة حاملة الجنود المصفحة للواء الهندسة (القتلى السبعة في انفجار خان يونس)، الطائرات تخرج للهجوم في غزة طوال الوقت، حتى عندما هاجمت طائرات أخرى في إيران. هذه معركة أولى أمام الإيرانيين أنفسهم.
“يجدر الافتراض بأن هذا ليس مجرد ضربة واحدة وانتهى الأمر، بل هو الفصل الأول. الآن، نبدأ سباق تعلم أمامهم، ويفضل ألا نتجمد في مكاننا. بخصوص إبقاء الأشخاص، آمل أن يكون هذا الأمر على عاتق المجتمع الإسرائيلي كله. علينا المحاربة من أجل هؤلاء الأشخاص، كل رجال الخدمة الدائمة لدينا، مع التأكيد على المهنيين ورجال الأرض. يجدر ألا ينقصهم شيء. هم يقومون بعمل مقدس”.
هآرتس 29/6/2025