من طنجة، أدشن عهدا كتابيا جديدا غائصا في معالم الذاكرة يجعلني، بادئا ذي بدء، استرجع الجو المغربي بنظامه الخاص وحتمياته. أجد تاكيدا لذكرياتي البعيدة التي باتت تلاحق ذاكرتي عندما كانت تحضرني شوارع قلب المدينة الصاعدة والهابطة، مضفية على المدينة خصوصية لم أعهدها في بقية المدن المغربية التي عرفتها.
لأول مرة أردت أن يطول بي المقام في طنجة لفترة، وما انفكت منذ أن غادرت طنجة، بعد إقامة قصيرة وبعيدة في الزمن معا، تطاردني سمعة المدينة، غير الجديدة عندما نتحدث عنها بوصفها منارا للإبداع الثقافي، لكن الجديد عليّ منذ ان شرع المقاولون يتقاطرون على منطقتها الموصوفة بالحرة، فضاعفوا من صيت طنجة الطليقة الحرة فكريا، بسياسة اقتصادية جاءت لتعضده.
ياقوتة البوغاز التي لا تتأخر في عرض مباهجها على من يستفيق تحت سمائها، لا يفوتها أيضا إغداق المتجول في شوارعها ليلا، وإن تعمد أن تظل الجولة عفوية بسيطة بلا هدف معين، بنتف من رصيدها التاريخي المتجسد، مثلا، في «الكافيه دوفرانس» المدرج على لائحة التراث الإنساني لليونسكو.
الاستثنائية هي السمة الرئيسية التي تميز طنجة، المدينة التي جعلت من الاستثناء «دستورها»
فلا غرابة في أن تاصلت طنجة في تلك البوتقة المعروفة عنها، التي أكسبتها وضع «المدينة الدولية»، تسمية تدرك بمجرد سماعها أن التنوع الثقافي المنشود للأسف من باب نظري أكثر من اللازم، قد يلاقي ترجمة ملموسة واقعة، في جو نصيبه من الاستثنائية أوفر من كل نصيب. الاستثنائية، تلك السمة الرئيسية التي تميز طنجة، المدينة التي جعلت من الاستثناء «دستورها»، لأن التاريخ والجغرافيا والتعطش للمعرفة وحب الحياة معا شكلت روافدها منذ ولادتها. فلا تستغرب من ان الامبراطور الألماني Guillaume الثاني جرّب حظه في الصراع الحاد الذي تعاركت فيه القوى الاستعمارية لاقتسام «الكعكة»، التي تسابقت على إعدادها لتطبيق ما تواضعت على تسميته بعهد الحماية، ولكنه فشل. متطلعا إلى تلك المدافع التي لا تخطئها عين الزائر عندما يصعد الشارع الرئيسي في قلب المدينة، أتذكر كيف يذكرني صديقي الذي يرافقني أنه لا يعرف في العالم مدينة تحظى بهذا «الوضع الدولي»، حينها اتفهم كيف يحدثني صديقي نصف مازح، في غيرة طنجوية شمالية في محلها، وبنبرة لا تخلو من بساطة الاستنتاج المنطقي، أن المدافع هذه لم يكن منها بد… للدفاع !فلتكن طنجة الدولية مصونة للأبد.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي