بين عامين: معرض القاهرة والقراءة

يحل الآن معرض كتاب القاهرة الدولي.. عام مضي بين المعرض السابق والحالي، انشغلت فيه بقراءات لكتب كثيرة كتبت عنها كلها تقريبا. لا أكتب عن كتاب سيئ. فالكتابة عن أي كتاب إضافة له، فلماذا تضيف الي كتاب سيئ؟ رغم أن السوشيال ميديا الآن تفتح الأبواب للكتابة عن كل سيئ. ثلاثون مقالا أو أكثر كتبتها عن كتب رائعة، كثير منها تم نشره هنا. امتد الأمر إلى توقفي عن الادلاء برأيي في القضايا الثقافية السيئة. آخرها ما جرى في حفل توزيع جائزة ساويرس الأخير، من تفسير الشاعر جرجس شكري، أحد أعضاء لجنة التحكيم، لعدم منح الجائزة الأولى لأحد في القصة القصيرة للأدباء الشباب، لسوء القصص ونقص في معرفتهم بها.
كنت في الحفل كما تعودت كل عام جالسا بين الحضور، خرجت بعد الكلمة استنشق هواء في الفضاء، لأني أعرف أن من جواري وخلفي وأمامي، سيسألونني عما سمعت، خارج قاعة إيوارت للجامعة الأمريكية حيث يتم الاحتفال، وقفت في شارع محمد محمود، فوجدت أكثر من كاتب قد خرجوا غاضبين من كلمة جرجس شكري. وقفت لا أعلق. ما أجمعوا عليه هو إنه من حق لجنة التحكيم أن تحجب أيْ جائزة، لكن ليس من حقها إهانة المتقدمين، واعتبارهم غير ناضجين، ولا مدركين ما جرى للقصة القصيرة من تطور.

كنت أعرف أن السوشيال ميديا ستنفجر بالمسألة، وسينسى الناس قيمة جائزة ساويرس الرائعة، كعمل جميل من المجتمع الأهلي، له دوره الكبير في تشجيع الكتاب، وفتح آفاق أرحب للكتابة في مجالات كثيرة، من رواية وقصة قصيرة وسيرة ونقد وسيناريو وكتابة للأطفال، هذا ما حدث، شغل الأمر السوشيال ميديا والمواقع الصحافية، ونسي الجميع الجائزة نفسها وصناعها. لم أشارك في الأمر وإن أخذني إلى السؤال الأكبر وهو، هل حقا لدينا أزمة في القصة القصيرة؟ الحقيقة ومن واقع ما أقرأ فالإجابة لا. لدينا الكثيرون يبدعون فيها أجمل إبداع. للقصة القصيرة تاريخ لا ينسى من التطور منذ محمود تيمور، ثم يحيى حقي وبعدها يوسف إدريس ويوسف الشاروني، ثم الستينيات وما بعدها وهذا حديث طويل. كل ما جرى هو انتشار مقولة زمن الرواية وتأثيرها الكبير، الذي قد يكون إيجابيا على الرواية، لكنه سلبي على تلقي القصة القصيرة والشعر، بينما فيهما أجمل إبداعات. عن نفسي كثيرا ما شعرت بالظلم الواقع على قصصي القصيرة، بسبب الروايات التي أكتبها، ومن ثم كنت سعيدا وحريصا، على حضور رسالة دكتوراه منذ سنوات، في جامعة عين شمس عن قصصي القصيرة. أتذكر كل ليلة كتبت فيها قصة قصيرة، كيف اتسع بي العالم، خاصة أن وراء الكثير منها رؤى وجودية، تتجلى في أحداث يقوم بها شخص عادي، لا يعرف ما الفلسفة. أتذكر كيف كانت قصصي القصيرة، هي طريق المعرفة بي، بين الكتاب في القاهرة في بداية السبعينيات، بعد أن تنشر مجلات كـ»الطليعة» أو «الهلال» قصة لي، وأسافر إلى القاهرة لأتقاضى أجري، وألتقي الكتاب في مقهى ريش، فأجدهم جميعا قد قرأوا قصتي، ومن ثم صار لي مكان بينهم.

كانت قصصي القصيرة ممهدة الأرض لي، للحياة الدائمة في القاهرة منذ عام 1974. نال جرجس شكري ما ناله من انتقاد لم أساهم فيه، ولأني أعرف أن الصديق محمود الورداني هو رئيس لجنة القصة القصيرة فرع الشباب، حدث ما توقعته من بيان لمحمود الورداني، أنه هو المسؤول عن كل ما قيل. قررت الصمت إلى النهاية، ليس لأن بيننا صداقة عمر فقط، ولا لأن محمود الورداني له تاريخ رائع في كتابة القصة القصيرة، بيننا نحن من أطلقوا علينا جيل السبعينيات. بدا لي محمود الورداني يريد أن يتحمل المسؤولية وحده، كما قال، لكن الجميع يعرفون أن قرار أيْ لجنة ليس قرار رئيسها وحده. المهم. ما يشغلني أن ما جرى صرف الجميع عن الحديث عن قيمة الجائزة وصناعها، وقيمة الأعمال في المجالات الأخرى.
أعود إلى بداية المقال وأتذكر أني سأذهب إلى معرض الكتاب القائم الآن، لأعود بعدد كبير من الكتب الفكرية، وهي ما يشغلني أكثر، كما قلت أكثر من مرة. أتابع المنشورات على فيسبوك، فأجد كثيرا جدا من الكتب تستحق الاهتمام، في التاريخ والمجتمع والسياسة والمدن والفنون بأنواعها، خاصة السينما. كثيرون يتحدثون عن المعرض وما يجب أن يكون عليه، لكنني لا أشغل نفسي، فلكل شيء إذا ما تم نقصان. كانت سعادتي ملء الفضاء بافتتاح متحف الفنان فاروق حسني، الذي أقامه بجهده وأمواله في الزمالك، لكن أسفي كان أكبر لأني لم أستطع الحضور. أنظر حولي إلى الكثير مما يقدمه مثقفون على صفحاتهم من جهد فكري وثقافي رائع، وتكاد تقفز السياسة، خاصة ونحن في يناير الذي شهد الكثير من الانتفاضات والثورات، وأكاد أبحث عن فيديو التونسي الشهير، الذي قال فيه، إن بن علي هرب، بعد انطلاق الثورة في تونس في نهاية 2010 وبداية 2011. أتذكر حديث من قالوا إن مصر ليست تونس وكيف كتبت «لقد فتحت عزيزة باب السجن ليونس» ولا أندم على أي شيء فعلته مع الثورة، أو الثوار انتظارا للأمل.

حقا صار الأمل مثل «جودو» لا يأتي، وأنظر حولي وأتذكر قامات عظيمة وراء جدران السجون، لمجرد رأي، لكني اكتفي بما كتبته وأكتبه. فقط يحزنني ما حدث أخيرا، من أن شاعرا استثنائي الموهبة، مثل سعدني السلاموني قد انضم إليهم، وإن لم يصدر قرار نهائي بحقه حتى الآن. أعرف سعدني السلاموني منذ وفد إلى القاهرة في منتصف الثمانينيات من قريته، وكانت بيننا أيام جميلة. وأعرف إنجازه في شعر العامية الفارق، وكيف أن له أكثر من عشرين كتابا شعريا تستحق كل احتفاء، وأعرف أنه في حياته لا يفرق بين الحقيقة والخيال. ومن هنا جاء القبض عليه. أعرف أنه قد أفرجت عنه النيابة، لكن أحاديثه جعلتهم يشعرون بأنه مرتبك عقليا، فأحضروا طبيبا نفسيا قابله وأقرّ بذلك، ومن ثم قد يتم تحويله إلى مصحة نفسية. لن يدرك أحد إنه على طريقته في كتابة الشعر، كان يجيبهم من الخيال، وأن هذه هي حياته. انتظر في شغف يوم إطلاق سراحه، وأتمنى أن يتم قبل موعد نشر هذا المقال. وأتابع الاهتمام الرائع من الكتاب، وأقول قد يشفع له جهده العلمي أيضا إلى جوار جهده الأدبي، فهو راعي مشروع عظيم هو «محو الأمية البصرية»، يضم كوكبة من أهم أساتذة الجامعات، وكتب فيه كتبا ومقالات رائعة، وهذا أكبر دليل على صحته العقلية. لكن فليسامحني السعدني الآن، فأنا لا أتوقف عن النداء لإطلاق سراحه على صفحتي في فيسبوك، وأعود إلى معرض كتاب القاهرة الحالي. القوة الناعمة التي يفسدها كل حديث سياسي.

من المؤكد أن الكتب الرائعة التي أقرأ عن صدورها، تفوق عشرات المرات قدرتي على القراءة والاستيعاب، لكني لست القارئ ولا الكاتب الوحيد. هل من الخطأ أن أقول، إن من أجمل ما سأعود به من المعرض، نسخا من روايتيَّ الأخيرتين المطبوعتين خارج مصر، واللتين لم تصلا إلى القاهرة بعد. بالطبع لا. هذا شعور كل كاتب يجد أبناءه في الفضاء فيعيدهم إلى بيته. لماذا لا أتحدث عمن يمكن أن أقابلهم في المعرض من الأحباء. لأن فيسبوك جعلنا نرى بعضنا كل يوم، فعشنا في كذبة اللقاء وهو افتراضي وليس حقيقيا.
لا أحيّر نفسي في ما سأقتنيه من كتب، وما سأكتب عنه في ما بعد. لكني في كل الأحوال لا أقصد التفرقة بين كاتب وآخر، حين أكتب أو لا أكتب. فقط هو اللاشعور يذكرني بما أنسى، وأقول ضاحكا لكل من يسألني لماذا لم أكتب عن كتابه الذي أهداه لي، عليك أن تسأل اللاشعور فذاكرتي هي النسيان.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية