شكّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ظاهرة غير مسبوقة لم يألفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، أو لنكن أكثر تحديداً بعد رحيل الزعيم النازي أدولف هتلر. فثمة بين الرجلين جملة من القواسم المشتركة، التي استرعت انتباه هينك دي بيرغ أستاذ الأدب الألماني بجامعة شيفيلد، وهو المتخصص في الدراسات الثقافية والأدبية، والتحليل النفسي، والخطاب السياسي، كما التلاعب بالإدراك العام. ومن الجزئية الأخيرة نلج الكتاب الذي نشر مؤخراً بعنوان «ترامب وهتلر: دراسة مقارنة في الكذب» 2024، وفيه يجترح الباحث بنية مقارنة بين الزعيم النازي والرئيس الأمريكي.
البنية المفاهيمية
ينهض الكتاب على بنية مفاهيمية تتصل ببناء الصورة الذاتية للقيادة السياسية، فعلى الرغم من اختلاف أيديولوجيات الزعيمين، وسياقاتهما التاريخية، غير أن كليهما أدركا قوة الأداء السياسي، عبر تشييد هالة الزعامة التي تجمع بين القرب والبعد في آن واحد، من أجل تعزيز جاذبيتهما التي تنهض على الكاريزما المصحوبة بأداء مسرحي، وبذلك يمكن النظر إلى هذا النهج على أنه سلطة – كما أشار عالم الاجتماع ماكس فيبر- فكلا الشخصيتين خلقتا انطباعاً لدى أتباعها بوصفهما متفردين واستثنائيتين، ونتج عن ذلك ما أطلق عليه والتر بنيامين الهالة، غير أن هذه الكاريزما ليست طبيعية، أو موهبة بمقدار ما هي صناعة اعتمدت استراتيجيات دعائية، ومنها الإيماءات الجسدية، والنظر في العيون، أو التحديق بالكاميرا، كما إحراج الخصوم، ناهيك عن طريقة المشي، والملابس، ونموذجه ملابس الزعيم النازي العسكرية، في حين اعتمد ترامب ربطة العنق الطويلة مع شيء من الأداء المسرحي الذي قد يثير الغثيان، أو عدم الراحة عند البعض، أو ربما قد يثير إعجاب البعض الآخر تبعاً لثقافة المشاهد وعمقه.
غير أنّه من المستهجن تقبل ذلك في أروقة النظام السياسي الأمريكي، الذي عرف عنه التزامه ببروتوكولات محددة، غير أنّ ترامب حمل معه ظاهرة الأداء المسرحي: والحشود والموسيقى والاستعراض الإعلامي، كي تكون أداة من أدوات التأثير، بما في ذلك ادعاء الغضب الزائف، وهي الاستراتيجية التي اعتمدها هتلر من قبل، والآن ترامب من أجل تحقيق الأهداف المرجوة، غير أن بيرغ يرى أن أهم سمة للقادة الشعبويين رفضهم الاعتراف بالخطأ، أو حتى التراجع؛ بداعي إيمانهم بذاتهم العليا، مع شيء من اليقين المطلق، فلا عجب أن تنزع الشرعية عن القضاء والإعلام، مع التشكيك بالفعل المؤسساتي عند بروز خطأ ما.
يذكر الكتاب أن كلا الزعيمين أتقنا دور المحتال السياسي، بمعنى القائد، أو المخلص الوحيد لأمته، فقد تقمص هتلر أدوار الزعيم الصارم والأب الحنون، في حين أن ترامب قدّم نفسه على أنه رجل الأعمال المناهض للمؤسسة السياسية، والمعني بالدفاع عن الأمريكي المنسي، غير أن مفهوم الأمريكي يبقى جزءاً من معضلة التعريف، فهل قصد دي بيرغ «الأمريكي الأبيض»! فكلا الرجلين – من وجهة نظري – كان ينطلق من عنصرية استعلائية، وعلى الرغم من ذلك فإن الباحث يرى أن كلا الرجلين لم يعكسا شخصيتهما الحقيقية إنما كان هذا النهج أقرب إلى قناع.
أدوات وإجراءات
يبحث الكتاب دور الفساد المادي، كما استغلال الموارد والشبكات المالية لتعزيز السلطة، غير أنه يتوقف لبيان التناقض بين شعارات محاربة الفساد، التي رفعها كل من ترامب وهتلر، والممارسات الفعلية التي أثبتت تورطهما كما أنصارهما في أشكال متعددة من الفساد، فالأنظمة الشعبوية قد عرف عنها أنها الأكثر فساداً في التاريخ، ومن ذلك استغلال النظام النازي للتبرعات، وهذ لا يختلف عن ترامب الذي عزز أعماله التجارية عبر تحقيق الأرباح، حتى بعد توليه الرئاسة، كما أخفى مصادر ثروته عن مكتب الضرائب؛ مما يعني تضارباً صارخاً في المصالح. ضمن تساؤل منطقي كيف يمكن لفرد أن يتمكن من تحقيق ذلك ما لم يكن محاطاً بشبكة من الأفراد تسعى إلى التكسب عبر تلقي الهدايا والاستفادة من الاعفاءات واستغلال المنصب، ولكن تبقى القيمة الأهم العلاقات التي نسجها الزعيمان من أجل الحصول على تمويلات، فهتلر حصل على تمويلات الصناعيين الأمريكيين، وأهمهم رجل الأعمال فورد، في حين أن مصادر تمويلات ترامب كانت غير معلنة، أو موجهة، وربما هذا ما يدعونا، على مستوى شخصي، إلى تفهم موقف ترامب المؤيد للصهيونية بداعي الوعود التي قطعها للبعض.
يدرس الفصل الثالث نظريتي العدو المصطنع، والمؤامرة ومنها، استخدام كبش الفداء بوصفها أدوات سياسية، حيث يجادل هينك دي بيرغ بأن الزعماء الشعبويين غالباً ما يعمدون إلى خلق أعداء واضحين يُلقى اللوم عليهم في المشكلات الاجتماعية والاقتصادية؛ بهدف حشد الجماهير خلفهم، ففي حالة هتلر كان اليهود مصدر شرور العالم، بينما يرى ترامب العدو في المهاجرين والديمقراطيين، بالتوازي مع إبراز البعد التناقضي الذي ينهض على تصوير العدو على أنه قوي وخطير، ومع ذلك فهو ضعيف، ويمكن هزمه بقيادة الزعيم فقط. تتخذ نظرية المؤامرة دوراً في تمكين هذا النهج، فترامب يرى أن الدولة العميقة تتآمر عليه، كما تآمر اليهود على هتلر، وبذلك تصبح المؤامرة وسيلة اختزال لأية مشكلة بدلاً من الاعتراف بالخطأ، أو الأزمة، فثمة على الدوام عدو خفي، وفي حالة ترامب كانت الدولة العميقة هي التي تسعى إلى إقصائه، في حين يُلقى باللوم في أي أزمة اقتصادية على الآخر، ونعني اليهود في زمن هتلر، والمهاجرين والصين في زمن ترامب، غير أن تغذية العدائية تحتاج إلى وسائل إعلام، أو أذرع خاصة لتحقيق ذلك، بالتضافر مع مهاجمة النخب المثقفة التي تنتقد هذا السلوك، في حين ينبغي نزع الصفة الإنسانية عن الخصوم، كما فعل هتلر مع اليهود، وكما يفعل ترامب مع الصحافيين، الذين يصفهم بعدو الشعب، بيد أن المفارقة التي لم يذكرها الكتاب الإشارة إلى أن دولة الكيان الصهيوني تنزع نحو استعمال الأدوات عينها، فهي تعتمد التضليل الإعلامي لتمثيل دور الضحية مقابل نزع الصفة الإنسانية عن الشعب الفلسطيني الذي ترى فيه شعباً إرهابياً، على الرغم من أنه يقاوم محتلاً ضمن التصور القانوني.
من الاستراتيجيات التي استعملها كلا الزعيمين شيطنة الآخر، والتشكيك بالقيم، فالمؤسسات والنخب والخبراء ينبغي تقويضها عبر نزع شرعيتها من خلال الادعاء أن هذه المنظومات تعمل لصالحها الخاص، أو لصالح التوازنات الدولية كونها تتنكر للمصلحة الوطنية، أو قيم المجتمع التقليدي، في حين تُنتقد الديمقراطية في حال كانت نتائجها مخالفة لتوقعاتهم، وبذلك تعتمد العاطفة لا الحقائق – كما فعل هتلر، ويفعل ترامب – غير أن الملاحظ أن الكتاب لم يوضح الخلل الذي يحيط بالمجتمع، من حيث عدم إدراك الشعوب لهذه الوسائل، وإذا كان يمكن تفهم هذا في نموذج هتلر نتيجة سياقات معنية، فإنه من المستهجن أن ينساق الشعب الأمريكي الذي يعدّ نفسه شعباً متحضراً، وتتربع جامعاته على قمة تصنيف جامعات العالم وراء هذه النماذج من القيادات.
في الفصل التالي إشارة إلى الفوضى بوصفها وسيلة لتحقيق الأهداف، حيث يسهم عدم الانضباط الإداري، وتجاهل المؤسسة، والقفز على التقاليد، والتخلي عن المسؤولية، بالتوازي مع خلق هياكل متنافسة في تركيز السلطة في ذواتهم، فكلا الرجلين لا يعير قيمة للعمل المكتبي، والتقارير، إنما يعتمد على العناوين أو الملخصات، وبهذا تبقى الكاريزما الموجه الحقيقي للسياسة لا الكفاءة، وعند حدوث طارئ يُسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين، في حين أن إدارة الدولة تنهض على رؤية ترى المؤسسات مشروعا شخصياً، فترامب ينظر إلى كل شيء على أنه نموذج عقاري، وبهذا يؤكد دي بيرغ أن أسلوب القيادة غير المنظم الذي اتبعه كل من هتلر وترامب، لم يكن نتيجة فشل إداري بقدر ما كان استراتيجية متعمدة.
أثر الخطاب
يدرس الكتاب الصيغ والنماذج الخطابية التي اعتمدها كلا الزعيمين بوصفها استراتيجيات، ومن ضمنها بناء سرديات محددة، أو ذات طابع شعبوي عبر تبني أساليب التبسيط والتكرار، بالإضافة إلى اعتماد لغة عاطفية.. كل ذلك يأتي ضمن أداء مسرحي لا تخطئه العين عند كلا الرجلين، حيث كانت تصمم ضمن مبدأ العروض المدروسة بعناية. ففي إشارة طريفة وعميقة يرى دي بيرغ أن مفهوم الكذبة الكبيرة كانت جزءاً من هذا النهج، حيث أوضح أنّ الناس يميلون لتصديق كذبة ضخمة، وغير معقولة بدلاً من تصديق أكاذيب صغيرة، كونهم لا يستطيعون تصديق أن أحدا قد يجرؤ على الكذب بهذا الشكل العلني.
استخدم ترامب مقولة الكذبة الكبرى في انتخابات 2020، حين زعم أنها قد سُرقت منه، ما يقودنا إلى مفهوم الحقيقة السردية، فالناس لا يحكمون على صحة المعلومات بمقدار ما يرغبون أن تتوافق مع رؤيتهم الخاصة، في حين نقف على ملحوظة شديدة الأهمية تتعلق بمبدأ الكذب، حيث يعلم الجميع أو المناصرون أن بعض أو كل ما يتفوه به الزعيمان ما هو إلا محض كذب، غير أن الناس على قناعة أن خلف ذلك ثمة حقيقة أعمق، وهذا ما أطلق عليه الكتاب مصطلح «الحقيقة الاتجاهية» من منطلق أن هذه الخطابات تجسد إحساسهم بالمظلومية والخطر، وبهذا فإن الأمر يتعلق برمته باستثمار الخطر النفسي، أو المخاوف.
تعقيب
على الرغم من أن المقارنة تجمع بين زعيمين يفصل بينهما تقريبا قرن، غير أنهما اتصلا بنسق معين، وتبنيا تقريبا النموذج عينه – كما يخلص مؤلف الكتاب- وقوام ذلك النموذج الخطابي العاطفي والشعبوي بغية تفكيك أدوات السلطة للسيطرة على الوعي، غير أن المؤلف لا يدعي أنه قد ساوي بين الرجلين؛ فثمة سياقات مختلفة، غير أن النتيجة كانت واحدة، ولكن فعل المقارنة يبقى ضمن حدود الذات؛ من منطلق أن هتلر كان ينتمي إلى نظام شمولي فاشي، في حين أن ترامب كان شعبوياً داخل نظام ديمقراطي، وعلى الرغم من أن هتلر كان مسؤولاً عن إبادات جماعية وحروب عالمية، غير أن الكاتب تجاهل مساهمة الأنظمة الديمقراطية بارتكاب إبادة جماعية في فلسطين من خلال الدعم السياسي والعسكري والمالي كما يفعل النظام الأمريكي؛ بغض النظر عمن يوجد في السلطة، بل إن الرئيس ترامب يسعى إلى تهجير شعب بأكمله، وتملك أرضه دون سند قانوني، وبذلك فنحن إزاء نموذج جديد قد ينتج عن ممارساته تداعيات كارثية على العالم.
وختاماً يستهدف الكتاب في بنيته الكلية البحث في النهج أو الأدوات الموظفة من أجل التلاعب وخلق واقع زائف، غير أن استخدام الأدوات والأساليب نفسها التي استعملتها سابقاً الأنظمة الشمولية من قبل أنظمة معاصرة قد يؤدي إلى تهديد النظم الديمقراطية، ولكنني أرى أن الإشكالية تتجاوز هذا التهديد إلى ما هو أسوأ، بل قد يصل إلى الإجهاز على العالم كما نعرفه، ولاسيما حين تُحارب الأنظمة الديمقراطية المحكمة الجنائية الدولية، أو تسعى إلى تقويض مؤسسات الأمم المتحدة، وبذلك فإن العالم قد يقترب من أن يكون غابة يكون البقاء فيها للقوي فقط.
كاتب أردني فلسطيني