بيروت ـ «القدس العربي»: هي واحدة من أجمل بلدات قرى قضاء البترون بطبيعتها الخلابة وينابيعها وشلالاتها الهادرة التي تختزن الكثير من المعالم الطبيعية الساحرة. واحة من البساتين والحقول والأشجار الخضراء الممتدة على مد العين والنظر، محج الأدباء والشعراء والنقاد والرسامين، إنها بلدة بيت شلالا الساحرة بطبيعتها التي جعلتها قبلة أنظار السياح صيفا وشتاء نظراً إلى جماليتها ورونقها ومياهها الصافية وطراز بيوتها التراثية ومعالمها الأثرية.
تسميتها وموقعها
بيت شلالا قرية هادئة رابضة في أعالي قضاء البترون في شمال لبنان، بلدة الشلال والسهل الأخضر المزروع والمترامي على ضفاف نهر الجوز الذي يفصل بينها وبين قرية كفرحلدا، ولا يعكر صفوها إلا هدير هذا النهر المتدفق بقربها. تبعد عن العاصمة بيروت حوالي 82 كيلومتراً وعن مدينة البترون مركز القضاء 23 كيلومتراً وعن عاصمة الشمال مدينة طرابلس 38 كيلومتراً، يمكن الوصول إليها إما على الخط السريع الذي يصل البترون بدوما أو عبر الطرقات التي تصل أميون بالبترون عبر كفرحلدا، ولمن يريد أن يقصدها من قضاء الكورة، فيصل إليها من بزيزا – دير بلا – كفرحلدا على مسافة 11 كلم.
ترتفع بيت شلالا عن سطح البحر نحو 750 متراً، ولقبت ب «بيت شلالا» في أيام الأمير يوسف الشهابي الذي أراد أن يهب أرض البلدة للزراعة لأفراد عائلة شلالا الذين كان لديهم مزارعهم ومنازلهم قبل 250 عامًا، ومن هنا اتخذت البلدة تسمية بيت شلالا.
يبلغ عدد السكان حوالي 1500 نسمة وهو عدد قليل نسبياً نظراً لهجرة معظم أبنائها إلى بلاد الاغتراب ومنها أمريكا وأستراليا وأوروبا وأفريقيا.
مزروعاتها وتربتها الخصبة
تحتل المساحات الخضراء حوالي 60 في المئة من مساحة بيت شلالا وهي مساحات طبيعية شاسعة جعلت مناخها منعشاً وجميلاً على مدار السنة، وتتميز بيت شلالا بتربتها الخصبة والمياه الصافية التي تكونت بفضل الينابيع والأنهار التي تسقي البلدة وتروي مزروعاتها ما جعلها واحة بساتين زراعية يترعرع فيها الكثير من أنواع الأشجار الحرجية مثل السنديان، واللزاب والعفص والجوز.
القرية غنية بخيراتها الطبيعية وتربتها الخصبة ووفرة محاصيلها الزراعية التي تعد من أجود أنواع المحاصيل على صعيد لبنان لانها تروى من ينابيع البلدة الغزيرة والعذبة مباشرة، وتتنوع زراعاتها وأشجارها المثمرة بين الجوز والزيتون والسفرجل والتفاح والأجاص والعنب والخوخ على جميع أصنافه، كما تنشط فيها زراعة الخضار على أنواعها ومنها البطاطا والبصل والطماطم والخيار وسواها من أنواع الخضار التي يتم زراعتها في الصيف والشتاء ناهيك عن زراعة الأزهار المنوعة.
وبسبب وفرة محاصيلها وخيراتها، اشتهرت بيت شلالا بأجود أنواع المونة اللبنانية اللذيذة حيث تقوم سيدات البلدة بصناعة المربيات على أنواعها ولاسيما منها مربى التفاح والتين والمشمش والسفرجل ناهيك عن إنتاج وصناعة الكثير من المخللات من خيار ومقته، والزعتر البري والزوبع والكشك الذي يصنع يدوياً وباحترافية عالية.
معالمها الطبيعية والسياحية
لا يمكن لأي زائر من لبنان أو الخارج قام بالمجيء إلى بلدة شلالا أن ينسى تلك البلدة المترامية الأطراف نحو تلةٍ أو وادي، باحثًا، عاشقًا، مستطلعًا، وأكثر ما يستوقفه في القرية هو سحر وجمال نهر الجوز الذي يعد من أجمل المناظر الطبيعية السياحية الخلابة في منطقة البترون والذي تنتشر على ضفته المقاهي والمطاعم التي تجذب السياح من لبنان والخارج. ويتمتع نهر الجوز بجمال فريد من نوعه رسمته يد الخالق، وهو يمر عبر بيت شلالا وقرية كفرحلدة الساحرة والمعروفة أيضًا باسم بساتين العصي حيث توجد أجمل الشلالات في لبنان، وهناك يمضي الزائر لحظات ممتعة إذ يخيل اليه وكأنه في الجنة بعد أن يجد نفسه في مواجهة الماء والخضار والشلالات المتدفقة. ونظراً إلى ما يتمتع به نهر الجوز من جمالية فريدة من نوعها أدرج وزير البيئة في 24 شباط /فبراير1998 هذا النهر كموقع تراثي وطني وتاريخي.
وفوق نهر الجوز، الذي أطلق عليه هذا الاسم بسبب أشجار الجوز التي تمت زراعتها بكثرة على ضفافه، تعلو الجسور منذ الأيام العثمانية حيث كانت الطواحين المائية تعمل على ضفاف النهر. وفي خطوة لافتة، قامت بلدية بيت شلالا برئاسة أسعد النخل بانشاء دروب سياحية على ضفاف النهر خاصة برياضة الـ«Hiking» بين بلدتَي بيت شلالا وتنورين لمسافة 6 كلم بالتعاون مع السفارة الألمانية في بيروت، كما ساهمت بتنفيذ مشاريع استقطبت أكبر عدد من السياح والزائرين من خلال تجميل زوايا الضيعة الواقعة على ضفاف النهر واعتماد نشاطات سياحية ورياضية منها رياضة تسلق الجبال والتسلق على الحبال فضلاً عن مساهمتها بتطوير طريق درب الجبل المؤدية إلى تنورين ودوما وكفور العربي وبساتين العصي وشاتين. وقد دأب رئيس البلدية على تحويل عيد مار الياس في 20 تموز/يوليو إلى مناسبة سنوية تقليدية تلتقي فيها بضيافته وجوه سياسية وفنية بارزة في المجتمع اللبناني.
وأعرب أحد السياح عن سعادته بزيارة بلدة بيت شلالا لأكثر من 100 مرة، والاستمتاع باستكشاف نهرها من جذوره إلى جانب الوادي، واصفاً إياه بأنه مكان سماوي حقًا، واعتبر أن أجمل الأوقات هو في موسم الخريف حيث تملأ الأوراق المتساقطة النهر المتدفق إلى الوادي.
ينابيع ومطاحن
تمتاز بيت شلالا بينابيعها التي تتسم بالغزارة والنقاء على مدار السنة، ومن أبرز الينابيع في البلدة نهر الجوز وهو من أهم وأشهر الأنهار الموجودة في بيت شلالا وأطلق عليه هذا الاسم بسبب أشجار الجوز التي تمت زراعتها بكثرة على ضفافه وهو يفصل بين بلدتي كفر حلدا وبيْت شلالا، ويتدفق نهر الجوز من أعماق الجبال اللبنانية من ينبوعي عين الدالي والفتاح فوق تنورين مقابل دوما، ويستمر النهر في التدفق من حوالي 2150 م إلى شاطئ البحر في قرية كوبا بين مدينة البترون وقرية حامات، ويبلغ طوله ما يقارب من 38 كلم من أعلى تنورين وصولاً إلى شاطئ البحر، ويمر النهر أسفل غابة الأرز في وادي تنورين عبر عدة قرى مثل بيت شلالا، كفرحلدا، وادي الكفور العربة، وكفتون إلى حامات وكوبا، كما يوجد نبع دلّة الذي ينبع من أعالي مغارة الغويط الكبيرة ويقال إن أصل النبع من اليمونة، ويُعد نبع دلة مصدر المياه الأساسي للبيوت، وتملأ ضفاف كل من نهر الجوز ونبع دلّة الكثير من المطاعم والمقاهي التي تقدم ألذ واشهى الأطعمة اللبنانية وسط مناخ رائع صيفاً شتاءً.
وتختزن بلدة بيت شلالا سبع مطاحن قديمة يصعب الوصول إليها سيراً على الأقدام، وتعد هذه المطاحن التي كانت تعمل عن طريق المياه من المعالم الأثرية والتراثية في البلدة والتي أصبحت عبارة عن مبان حجرية من صخور طبيعية تستقطب الزوار والسياح بعد أن توقفت آخر مطحنة فيها عن العمل منذ 23 سنة تقريباً.
بيوتها ومعالمها الدينية
تألقت بيت شلالا بمنازلها الجميلة للغاية وهي بيوت أثرية وتراثية قديمة متناثرة على جميع جوانب القرية وتميزت بحجر العقد والسقف المصنوع من التراب وبعمارتها الفريدة وبقرميدها وقناطرها ذات الفن المعماري الجميل والأبواب والمداخل القصيرة لأنها عادة مأخوذة من العثمانيين لمنع دخول الناس مع خيولهم إلى داخل المنزل.
وتمتاز بيت شلالا بكنائسها العريقة الأثرية، ما يجعلها موئلاً نموذجياً للسياحة خصوصاً السياحة الدينية، ومن بينها كنيسة مار يوسف التي شيّدت على معبد باقي من العصور القديمة في عام 1860، وتم هدم سقف الكنيسة وإعادة بنائه من حجارة البلدة من دون الاستعانة بأي بلدة أخرى.
كنيسة سيدة المعونات كانت مهدمة لغاية عام 1958، وأعيد بناؤها وترميمها بناء على حلم أحد المواطنين في البلدة الذي شاهد السيدة العذراء في منامه وهي تطلب منه بناء كنيسة لها في البلدة، وهذا ما حصل فعلاً نقلاً عن لسان أحد أبناء البلدة.
ومن المعالم الدينية التي تختزنها البلدة مزار «سيدة البزيزات» الشاهد على شفاءات السيدات، اللواتي يصعب عليهن إرضاع أطفالهن، فيأتين للتضرع والصلاة والدعاء من السيدة العذراء التي تستجيب لطلباتهن، وعليه يأتين لايفاء نذوراتهن.
ومن الأديرة العريقة الأثرية في البلدة دير مار نقولا الذي يقوم إلى جانب عين مار نقولا وهو دير أثري قديم جدا وبيت شلالا على صلة حميمة بدير ماريوحنا المعروف بماريوحنا دوما إضافة إلى الصليب الكبير الذي قدمته بلدية بيت شلالا وتم إنزاله بجهود أبناء البلدة وبمساعدة الجيش اللبناني الذي قامت مروحية تابعة له بإنزال هذا الصليب العملاق الذي يبلغ ارتفاعه نحو سبعة أمتار وتثبيته في أعالي البلدة على إحدى التلال احتفاء بعيد الصليب في الرابع عشر من أيلول/سبتمبر.
مميزاتها ورجالاتها
لمعت بيت شلالا في سماء الثقافة والعلم والفن حتى باتت محج الأدباء والشعراء والنقاد والرسامين والفنانين الذين امتازوا ببصماتهم الإبداعية، ومن بينهم الحكواتي طانيوس الخوري شلالا وهو راو بارع وشغوف يحكي وكأنه يدوّن ويكتب على الرغم من أنه يصعب عليه إمضاء إسمه. وسيزار الخوري شلالا الذي نال جائزة نوبل للكيمياء في عام 1971.
ومن الشخصيات دونا شلالا، وكانت وزيرة الصحة الأمريكية في عهد الرئيس بيل كلينتون بين 1993 و 2001 وهي أول امرأة من أصول عربية تتبوأ منصباً وزارياً في الحكومة الأمريكية. إضافة إلى الفنانة والناقدة التشكيلية ريما النخل التي مثلت لبنان في المعارض الدولية وحصدت العديد من الجوائز العالمية عن الفن التشكيلي اللبناني.
إنجازات البلدية
على عتبة الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، ماذا فعلت بلدية بيت شلالا؟
تتحدث المسؤولة الإعلامية في البلدية ريما النخل عن النشاطات الفنية والاجتماعية التي تتميز بها البلدة سنوياً في الموسم الصيفي ولاسيما في عيد مار الياس في 20 تموز/يوليو حيث تقام حفلة ضخمة يشارك فيها مجموعة من ألمع الفنانين في لبنان ومن بينهم معين شريف، وسام الأمير، عامر زيان، مادونا، وفارس اسكندر، غابي حويك، وشادي مارون وسواهم من الفنانين الذين يلبون سنوياً دعوة رئيس البلدية أسعد النخل للمشاركة في هذه المناسبة السعيدة.
وتطرقت المسؤولة الإعلامية إلى المشاريع التي نفذتها بلدية بيت شلالا التي استحدثت في عام 2016 وهي تضم تسعة أعضاء برئاسة أسعد النخل، فأعلنت «أن البلدية، وعلى الرغم من الأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة الماضية والتي شلت البلد بأكمله نتيجة الأزمة المالية والاقتصادية المستفحلة إلى جائحة كورونا وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية الأخيرة، تمكنت من تجميل مدخل البلدة لجهة أوتوستراد البترون ـ تنورين عبر وضع صخرة كبيرة على شكل خريطة لبنان ويتوسطها إسم بيت شلالا، وضع لافتات مُرشدة وإشارات ضوئية، كما تم وضع لافتات عدة ترشد الزوار والسياح للوصول إلى البلدة من جهة قضاءي البترون والكورة».
وأشارت إلى «أن البلدية ساهمت أيضاً بتعبيد أوتوستراد البترون تنورين ضمن النطاق الجغرافي لبلدة بيت شلالا، فضلاً عن تعبيد وتجميل الطرقات الداخلية للبلدة».
ومن المشاريع المهمة التي نفذتها البلدية أيضاً «إنشاء الجور الصحية في البلدة، وبناء الحواف للطرقات الداخلية وتوسعتها لتسهيل مرور السيارات وعملية التجاوز، وبناء أرصفة ووضع عواميد كهرباء جديدة، فضلاً عن الدروب السياحية على ضفاف نهر الجوز خاصة التي تشهد زحمة سياح من داخل لبنان وخارجه، بمعاونة دليل سياحي معهم من قبل البلدية، وثمة مخطط قريب لوصل هذه الدرب بالدروب السياحية لبلدتَي دوما وبشعله المجاورتين. ومن بين المشاريع تزيين البلدة وإضاءتها في عيدَي الميلاد ورأس السنة، ومساهمتها في تثبيت صليب كبير على جبل مطل على البلدة قامت مروحية تابعة للجيش اللبناني بنقله ووضعه على الجبل».
ختاماً، نفّذ رئيس البلدية حديقةً عامة تجمع العائلات. أما في ما يخص الكهرباء التي غابت عن إضاءة بيوت البلدة كما كل لبنان، فقد قام وعن طريق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية «USAID» بتأمين مولّد يعمل على مد البلدة بالتيار الكهربائي مع تجهيزها بالإنارة كاملاً.