بوذا العمارتلي

عاش في مدينتي في أوائل القرن الماضي مطرب خنثى؛ أنثى في إهاب رجل، اسمه مسعود العمارتلي، لكنه كان يحسب نفسه ذكراً، في زيّه وفي طريقة عيشه بين الناس، حتى إنه طلب امرأة للزّواج، ويُقال إنه تزوّجها، ثم انفصلت عنه عندما تيقّنت من طبيعته الجنسية. كان مسعود يقوم بتأليف الكلمات وتلحينها والعزف على الرّبابة والغناء، كلّ هذا في آنٍ. ثم اهتدت إليه شركة طيسفون للأسطوانات، وأطلقت أغانيه التي ظلّت خالدة إلى الآن. منها: خدري الجاي خدري، ذبّي العبايه، سوده شلهّاني، كصّت الموده، وأغنيات أخرى تسلّمها مطربون عديدون، قاموا بتسجيلها بأصواتهم ونُسبت لهم، لكنها تعود في الأساس إلى مسعود العمارتلي.
يُعَدُّ شيخ القبيلة في الرّيف العراقي أباً للجميع، فهم يدعونه «بُويَهْ» بواو مخفّفة، أي أبي. إحدى أغاني العمارتلي كانت في عِتاب الشّيخ عن ظلم سافر صدر بحقّه، وعليه الإذعان. الشّيخ هو محمد العْرِيْبي: «بويه محمد يا محمد/ بكتلي (قتلي) ليش تتعمّد/ يا محمد خاف من الله/ يا محمد مو هذا الله…»، أي هل أنت لا تخاف الله القريب منك ومني ومن الجميع؟ «يا محمد شنهو (ما هو) ذنبي/ بين إعْداي (أعدائي) وترميني..».
الساعات الحرجة في حياة المرء هي التي تعيد ترتيب الأمور بينه وبين العالم الخارجي، وبينه وبين السماء. اسم الإشارة قبل لفظ الجلالة في الأغنية «مو هذا الله» أضفى على صاحب العزّة نوعاً من الاغبرار الأرضيّ، وأنزله من علياء سمائه إلى الواقع، في تجربة مشابهة لما يقوم به المتصوّفة الذين يشطّ بهم الخيال، فيدّعون أنهم بلغتهم نفحة من النبوّة، واتّصلوا بالرّبّ مباشرة أو بواسطة الوحي. اجتاز العمارتلي بهذه الطريقة الحدّ الفاصل بين (الله) الذي يخافه ويؤمن به عامة القوم، البسطاء والفقراء والمتديّنون بالفطرة والتربية السليمة، وبين جلّ جلاله وهو يجلس على كرسيه في السماء، مثلما يلهج باسمه رجال الدين ـ كأن هناك شيئاً خبيثاً وغير إنساني في ما يدعوننا إليه، بواسطة أفكارهم المتشدّدة، حيث يتمّ تطوير كراهية جديدة للحياة وللبشر كل يوم.
الدين ممارسة إنسانية عملية تندمج فيها الذات الحرة مع الحياة، غرضها التفريق بين الحق والباطل، والسعي الصادق إلى عمل الخير. والزّيادة في التديّن كالنقصان. ابتكر مسعود العمارتلي إلهاً يتصل به بواسطة النّداء المباشر، مثلما لو كان صديقه أو أخاه، يعرفه منذ زمن طويل ولا يُخفي عنه شيئاً. الخلاص الذي قدّمه بهذه الوسيلة يشبه كثيراً ما كان يعتقد به بوذا؛ جاءنا بتعاليم عن إله عظيم يراقبنا بكلّ اهتمام، ويعاقبنا تبعاً لأعمالنا، دون الحاجة إلى تأدية الفرائض الخمس. هو (الله) العلماني والدنيوي، نؤمن به عن طريق التأمل والاعتبار، ونراه بالعقل المتفتح لا بالقلب الثّمل بالإيمان وحده. إله بوذا وإله مسعود تجمعهما رابطة مباشرة بالإنسان، يمكن مخاطبته باسمه القريب: هذا، فيجيبه الربّ عندها بكلام مشابه: يعاقبه على سوء أعماله في أثناء حياته، ولا ينتظر -شأنه شأن مربّ يتمنى الصلاح لبَنيه- حلولَ الآخرة البعيدة، حيث يحين وقت الحساب. في القرآن الكريم كلام يذهب مع ما جاءنا به بوذا: «من يعملْ مثقالَ ذرّة خيرًا يَرَهُ. ومن يعملْ مثقالَ ذرّة شرًّا يَرَهُ»، وهو جوهر ما يدعى بالكارما في الديانة البوذية، وما تدين به المجتمعات في البلدان التي اختارت العَلمانية نظاماً ودستوراً في الحياة.
في الماضي القريب، كان الفلاحون في الريف العراقي يقسمون بما يدعونه (الحظّ والبخت). بحثتُ في مصادر عديدة عن فحوى هذا القسم، وتبين لي أنه ليس سوى خطّ متعرّج وضبابي يرتحل بين (الله) الذي يقصده العمارتلي في الأغنية، وبين ما ندعوه بالقدر: المسؤول الرئيسي عن الأماكن التي نعيش فيها والأشخاص الذين نلتقيهم فيصوغون بالتالي نظامنا الأخلاقي، بالإضافة إلى ارتباطه المباشر بالوقائع التي تمرّ بنا، وهذه حقيقة ثابتة منذ القِدم، حتّى الأزل. ومثل من لا يؤمن بوجود الإله مطلقاً، وندعوه ملحداً، هناك من لا يعتقد بشيء اسمه القدر. يقول نوفاليس: «القدر وشكل العقل عبارتان لشيء واحد»، يؤيّده في ذلك الرّوائي هيرمان هيس: «وحده البطل يجد الشّجاعة لتحقيق قدَره». يساورني شعور بأنّ هذه الكلمات ليست صادقة مع نفسها، إذا ما أخذنا في الحُسبان ما يعتقد الإنسان بأنه يعرفه في ما حوله. ليس بإمكان أحد ليّ أرجل القدَر الذي يأتينا بوقائع تفتح أبواب السعادة للبعض، وبأحداث تُفجع القسم الآخر، لتحلّ عليهم كوارثُ تبدأ بالفقر والسجن والمرض ومصائب أخرى، وكل ما يستطيع الإنسان فعله هو أن يتقبّل الأمر، ثم يواسي نفسه بطريقة أو بأخرى.
أنت تلتزم بقواعد السلوك الأخلاقية والقانونية، وحياتك تسير بهدوء، وعملك ممتاز، وسمعتك يُضرب بها المثل. ثم تحلّ ساعة يُطيح الحظّ فيها بك ـ أتعرف ذلك، من بإمكانه عندها مساعدتك؟ بإمكان الحظّ العاثر أن يقلب حياتك بنسبة تقرب من مئة بالمئة، وكل هذا يحصل بسرعة لا تُلحظ. تنهار عندها، تتهشّم وتتحوّل إلى حطام، وليس هناك أمل بالنجاة. يُحكى عن رجل كانت حياته جميلة وسعيدة، إلى أن حلّت ساعةٌ عبَس في وجهه قدرٌ مخيفٌ، وسدّ عليه محيط عيشه. جرّب جميع الحلول، وطرق الأبواب كلها دون فائدة. في بيته حديقة وشجرة توت. درّب الرّجلُ دجاجاتِه أن ترقد في مكانها على أغصان الشّجرة. وفي تلك اللّيلة علّق نفسه بحبل ربطه على الغصن الذي تنام عليه الدجاجات. لم تصرخ ولم ترفرف، بل لم يُسمع لها أي صوت مهما كان صغيراً. في الصّباح قالت الابنة للشّرطة: قمت من فراشي عند الفجر أطمئن على أبي، ولم أجده في فراشه. كان معلّقاً بالحبل والدّجاجات نائمة، يلمع البيض بينها في ضوء القمر. الدّجاجات التي ربّاها الرجل ودرّبها على الصّعود إلى غصن الشّجرة، لم تسمح له أن يزعج نومها بانتحاره، وأتمّت عمليّة وضع البيض، كالعادة.
جميع أبطال القصص والرّوايات يخضعون صاغرين لألاعيب القدر، وجميع النّاس الذين عاشوا قبلنا، والذين سوف يولدون في المستقبل. يقول جورج سيفيريس: «قدرنا رصاص مُراق وليس بالإمكان تغييره». لا يمكن لكائن تغيير ذاته، أو الإفلات من قدَره، بخيره وشرّه، فهو مدسوس في كلّ ما يحيط بنا، إذ يوجد في الهواء الذي نتنفّسه ونعتاش عليه شيء غير الهواء، هو الحظّ والبخت، وهو القدر أيضاً، مع إله مسعود العمارتلي، فيكتملُ الثّلاثي الغامض الذي يعطي معنى للحياة، أو أنّه يعطيها عبثها ولا معناها. يسير الكون وفق قوانين الرّياضيات والفيزياء والهندسة، لكنّ حياة الإنسان، سواء في الخيال أم في الحقيقة، لا تخضع لقوانين المنطق. والمعادلات الهندسيّة والرياضية بأنواعها لا تصحّ في الواقع. حاصل جمع 2 + 5 =7، لكنّ الناتج في حياتنا اليومية هو 17 مرة، و36 في المرة القادمة. ولك أن تتخيّل جميعَ الأرقام أنها تكون حاصل الجمع، لن أبالغ وأقول: إلا النّاتج الصّحيح. كيف يمكنك أن تحيا إذا قرّرت أن تتجاهلك علوم الرّياضيات والهندسة والمنطق؟ آه، كم يبدو ذلك جنوناً وغريباً، ومسلّياً في الوقت نفسه؟! عن الفيلسوف والأديب العراقي مدني صالح: «قل ما تشاء عن الحياة، لكنها تبقى مسألة حظّ». يفوز بعضنا بعلبة الحظّ ممتلئة، فيما يجد آخرون أنفسهم على منحدر زلق، والعلبة في أيديهم فارغة. وعندما يقسو معك قدَرك يكون ردّ فعل الجميع، إلا فيما ندر، مشابهاً لما قامت به الدّجاجات مع الرّجل المنتحر.
بسبب ثقل كلمة «القدَر» ندعوه عندنا «الدّهر»، وهما اسمان لمعنى واحد، الأوّل فصيح والآخر عامّي. ومن «الدّهر» صاغوا فعلاً فقالوا «اندهر فلان». عندما «يندهر» المرء يبدو للآخرين شفّافاً على نحو تامّ، يتفرّجون على ما في داخله من قهر ويأس ووجع، وهو صامت وهيئته تدعو إلى الشّفقة؛ ليس هذا الصّمت المألوف الذي نعرفه، بل صمت لامع وصاكّ وخارق للطّبيعة. (اندهر) بدر شاكر السياب بمرضه وفي غربته، وكان أكثرَ ما يخشاه أن يُقال عنه «خطيّه»، المفردة الأكثر تعبيراً عن الرّثاء للحال في اللّهجة العراقيّة: «بين العيون الأجنبيَّهْ/ بين احتقارٍ وانتهارٍ وازورارٍ أو (خطيَّهْ)/ والموت أهون من (خطيَّهْ)/ من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبيَّهْ/ قطرات ماءٍ… معدنيَّهْ!». تحوّل الصّمت اللامع لدى شاعرنا إلى قصيدة «غريب على الخليج»: وعند مسعود العمارتلي صار أغنية «بُويه محمد يا محمد»، أعاد غناءها كثيرٌ من أهل الغناء، عراقيّون وعرب وأجانب، دليلاً على صدقها وأصالتها والإعجاز فيها، يؤدّونها في حفلات الزّواج وأعياد الميلاد وفي السّهرات بصورة عامّة، وتغنّيها المرأة مع نفسها في البيت وفي محلّ العمل، ويطرب لها الرّجال في كلّ وقت، كأنّها آية قدسيّة غايتها نقل رسالة إلى البشر في جميع الظّروف، وفي كلّ مكان.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية