لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالًا للمعلق إيشان ثارور، طالب فيه بالنظر بعناية والفحص الدقيق لاستراتيجية إدارة دونالد ترامب في اليمن، بعيدا عن انشغال العاصمة واشنطن بالكشف عن خطط كبار مسؤولي ترامب لقصف أهداف في اليمن عبر تطبيق مراسلة تجاري.
وقد استغرق التقرير المفاجئ لرئيس تحرير مجلة “ذي أتلانتك”، جيفري غولدبيرغ، الذي دُعي إلى الدردشة بالخطأ، يوما كاملا من جلسات الاستماع في الكونغرس. وهاجم المشرعون الديمقراطيون تهور كبار أعضاء الحكومة – بمن فيهم نائب الرئيس، وزير الدفاع، وزير الخارجية، مدير الاستخبارات الوطنية، ومديرة وكالة المخابرات المركزية – بالإضافة إلى مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، الذين شاركوا جميعا في الدردشة عبر تطبيق “سيغنال”، حيث تبادلوا تفاصيل حول خطط لضرب أهداف تابعة للحوثيين في اليمن.
وفي الوقت الذي ينصب فيه النقاش في واشنطن على لياقة وأخلاقيات كيفية تعامل كبار المسؤولين مع مناقشاتهم، والتي يبدو خلالها أنه تم تداول بعض المعلومات السرية عبر منصة غير آمنة، يطالب الديمقراطيون بالاستقالات، بينما تجاهل مسؤولو البيت الأبيض وبعض أعضاء مجلس الوزراء الفضيحة، قائلين إن المشاركين لم يتبادلوا معلومات سرية (وهو ادعاء قد لا يُصدق إذا تم الكشف عن النص الكامل)، وأن المحادثة نفسها تجسد نقاشا داخليا متطورا حول مزايا ما تزعم إدارة ترامب أنه عملية ناجحة.
وقد تم تبرير الهجمات الأمريكية، التي بدأت في 15 مارس/آذار واستمرت في الأيام التي تلت ذلك، كإجراء عقابي لوقف هجوم الفصيل اليمني المسلح على السفن البحرية وسفن الشحن في البحر الأحمر. ويتحالف الحوثيون، الذين يسيطرون على مساحة كبيرة من اليمن الذي مزقته الحرب بعد سنوات من الصراع الداخلي، بشكل فضفاض مع إيران، وقد صوروا أفعالهم على أنها مقاومة لحملة إسرائيل القاتلة في قطاع غزة.
ومنذ بداية العام الماضي، شنت إدارة بايدن ضربات على الحوثيين، وهي جهود لم تُسهم في ردع الحركة بشكل كامل ومنعها من تهديد الملاحة البحرية العالمية.
وفي دردشة جماعية، أعرب أحد المشاركين، الذي يبدو أنه نائب الرئيس جيه ديه فانس، عن مخاوفه من توريط الولايات المتحدة أكثر في صراع آخر بالشرق الأوسط، لكنه اختار الرضوخ لرأي مشارك يُعتقد أنه وزير الدفاع بيت هيغسيث. وقد حدد الأخير “الرسالة” اللازمة للضربات: “أولا، بايدن فشل، وثانيا، إيران مولت”، أي أن ترامب سيحقق مكاسب سياسية محلية من الضربات، وأن الإدارة ستشدد على صلات الحوثيين بالنظام في طهران كجزء من حملة ضغط جيوسياسية أوسع.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو على التلفزيون قبل أسبوعين: “إننا نقدم خدمة للعالم أجمع بالتخلص من هؤلاء الأشخاص وقدرتهم على ضرب الملاحة البحرية العالمية. هذه هي المهمة هنا، وستستمر حتى يتم تنفيذها”.
ولكن الواقع أكثر تعقيدا، كما يقول الكاتب، إلا أنه لا يعدو كونه دورا هامشيا في المعارك السياسية الدائرة حاليا في واشنطن. ولأكثر من عقدين، شنت الولايات المتحدة غارات جوية على اليمن – أولا ضد أهداف لتنظيم القاعدة، ومؤخرا لدعم الجهود الإقليمية لمحاربة الحوثيين.
وأشار غريغوري جونسون، المدير المساعد لمعهد الصراع المستقبلي في أكاديمية القوات الجوية الأمريكية والباحث في الشؤون اليمنية، على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن رؤية إدارة ترامب المتطرفة لتحييد الحوثيين كانت متهورة. وكتب على منصة إكس: “يبدو أن التفكير الأمريكي الحالي هو أنه لتحقيق هدفها الوحيد، ستحتاج إلى هزيمة الحوثيين، ولهذا ستحتاج الولايات المتحدة إلى أكثر من مجرد الغارات الجوية. لكن الولايات المتحدة لا تريد استخدام القوات البرية، والسعودية والإمارات غير مهتمتين بالانخراط بشكل أكبر في اليمن، والتحالف [المحلي] المناهض للحوثيين يعاني من عدد من المشاكل”، بما في ذلك الاقتتال الداخلي بين الفصائل وانعدام الشعبية على نطاق أوسع.
قبل عقد من الزمان، شن تحالف يضم بشكل رئيسي السعودية والإمارات، مزودا بتدفق مستمر من الأسلحة الأمريكية، حربًا للإطاحة بالحوثيين من السلطة في العاصمة اليمنية، صنعاء. ولكن، على الرغم من إراقة الدماء المروعة وحملة القصف المتواصلة والحصار الذي أدى إلى حالة المجاعة وانتشار الأمراض، لم تسفر تلك الجهود إلا عن طريق مسدود هش.
واليوم، تخضع مناطق جنوب اليمن لسيطرة وكلاء السعودية والإمارات، بينما يسيطر الحوثيون على شمال البلاد. وقد اتفقت الأطراف المتحاربة على هدنة هشة في مارس/آذار 2022.
ولا تزال تفاصيل تأثير الموجة الحالية من الضربات الأمريكية على الحوثيين غامضة، على الرغم من أن السلطات المحلية تقول إن العشرات من الأشخاص قُتلوا في هجمات ضربت مدنًا تعتبر مراكز سكانية رئيسية.
وقال مايكل والتز، مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض الذي دعا غولدبيرغ إلى دردشة سيغنال، خلال عطلة نهاية الأسبوع إن الولايات المتحدة قد قضت على قادة الحوثيين الرئيسيين. وقال والتز لبرنامج “واجه الأمة” على شبكة “سي بي إس” يوم الأحد: “لقد ضربنا مقرهم الرئيسي، ضربنا شبكات الاتصالات، ومصانع الأسلحة، وحتى بعض منشآت إنتاج المسيرات”.
ومع ذلك، يشكك معظم المحللين في أن الغارات الجوية يمكن أن تهزم الحوثيين تماما.
وفي ندوة عبر الإنترنت استضافها معهد الشرق الأوسط هذا الشهر، أشارت ندوى الدوسري، وهي زميلة مشاركة في مركز الأبحاث الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، إلى أن الغارات الجوية “ستؤدي فقط إلى إبطاء” و”لن تقلل من التهديد” الذي يشكله الحوثيون.
وقال جوزيف فوتيل، الجنرال المتقاعد والقائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، في نفس المحادثة إن الحوثيين “تعلموا الكثير لحماية أصولهم” و”حماية مواردهم” خلال سنوات من الصراع.
وقد تتضاعف المخاطر التي تشكلها حملة مستدامة. أشار أسامة الروحاني، من مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، إلى أن “الدمار الواسع النطاق والإصابات المدنية من شأنها أن تثير غضبا عارما، وهو ما يمكن للحوثيين استغلاله لحشد المزيد من الدعم”. وأضاف: “بدون نهج شامل يعرقل تهريب الأسلحة وقطع الغيار من إيران، ويعالج العوامل السياسية والاقتصادية التي تمكّن الحوثيين، فإن قصف هذا الأسبوع يهدد بإطالة معاناة اليمنيين”.
ويعلق ثارور أن هذه المعاناة حادة بالفعل، فقد تم تدمير جزء كبير من البنية التحتية المدنية للبلاد، وأصبحت المدارس والمستشفيات أنقاضا. وقد أدى انهيار اقتصاد البلاد إلى أزمة نقدية، مما يعني أن الاحتياجات الأساسية كالغذاء والماء والرعاية الصحية قد تصبح بعيدة المنال بالنسبة للعديد من اليمنيين. ويعاني حوالي 17 مليون شخص في البلاد، أي ما يقرب من نصف السكان، من انعدام الأمن الغذائي.
وأدى قرار إدارة ترامب بإعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية إلى تعقيد عمل الوكالات الإنسانية التي تسعى لمساعدة المجتمعات المحلية التي تعيش في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ووفقا لمنظمة أوكسفام الدولية، فإن هذا القرار يضعف تدفق التحويلات المالية الأساسية من اليمنيين في الخارج إلى عائلاتهم التي تعاني من شح السيولة النقدية. كما أعربت أوكسفام عن أسفها للصعوبات التي فرضها الحوثيون أنفسهم على أعمال الإغاثة، حيث عرقلوا العمليات الإنسانية واحتجزوا العاملين في المجال الإنساني.