«برج الماس» لربا أبو طوق… خصوصية النسج الجمالي في بناء القصيدة

حجم الخط
0

ما تزال محاولةُ استقراء جماليات القصيدة، أمرا ينتابه الكثير من وجهات النظر المتعددة: من أي زاوية يمكن استقراء الجمال الإبداعي في النص الشعري؟ إن السياق النصي بما حققه من تقدم هائل في مجال السيميائيات والألسنيات الحديثة ما زالَ يُضفي ظلاله على أي محاولة استقرائية لأي نص أدبي، صحيح لم تعد السيميائية أو النصيّة وحدها معياراً قائماً بذاته، بل صارت يدمج بهما العديد من النظريات الأخرى، لكن يبقى مفتاح القصيدة هو نصها المكتوبة به، ومن هذا المنطلق نتحاور نصياً مع ديوان ربا أبو طوق، الذي يحفل بكثيرٍ من الظواهر اللافتة للنظر، تلك الظواهر التي تشكل معاً بنيةً ذات خصوصية لنص القصيدة، و«بناء القصيدة هو النظام أو النسق أو القانون القائم بين عناصر القصيدة وأجزائها، وهو الخيط الناظم لتلك العناصر والأجزاء، وهو النسيج الجمالي الذي تنتظم فيه مفاصل النص في مستوياتها السردية والذهنية بعلاقات تشابكية منسجمة ومؤولة تركيبياً ودلالياً».
أول ما يلفت النظر، العتبات النصية، سواء العتبة الأولى أو الداخلية في ثنايا الديوان، فالعنونة بـ« برج الماس» تحيل إلى معطيين، كل منهما يحمل معناه الدلالي المميز منفرداً، ثم معنى مركباً، فالبرج يحيل إلى العلوِّ والارتفاع، ويحملُ مخزوناً تاريخياً من العزلةِ أحياناً، أو النظر للناس من علٍ، وفي الوقت نفسه يصبح صعود الأبراج وتحدي ارتفاعاتها أحد الطموحات المغرية، فالاختيار هنا تم بمفردة دلالية لها أبعاد معجمية ومخزون كبير، والماس مقترن بمعاني الثراء، والمعادن النفيسة، والأشياء القيمة، وعند إضافتهما معا تختلط معاني السمو والارتفاع بمعاني القيمة والثراء، ومن ثم يحيل برج الماس إلى قيمة الديوان، وقيمة الكلمة الشعرية الواردة به من ناحية، ويحيل إلى وعي الكاتبة ورغبتها في تقديم محتوى شعري فارق ومتمايز، ومن ثم فإن مسألة القيمة الشعرية هي إحدى القضايا الجوهرية المطروحة هنا، والتي يتم التأكيد عليها منذ العتبة النصية الأولى للديوان. ما إن نمضِ في الديوان ومع الإهداء الذي يجيء على النحو التالي:
إلى ماسة (الكوهينور)
بغموضها وأساطيرها
وحروبها وصراعاتها…
تلك الماسة التي تشير إلى الصراع الاستعماري بين بريطانيا والهند والدول التي استعمرتها، حيث نقلت «شركة الهند الشرقية» البريطانية هذه الماسة إلى لندن عام 1850، ومنذ ذلك الحين يتم استخدامها في التاج البريطاني كرمز للقوة ونفوذ الإمبرطورية، هنا يكتسب معنى الماس الذي تم تقديمه في العنونة معنى آخرَ غير معاني السمو والقيمة النفيسة، إنه معنى الصراع بين القوى والسيطرة والهيمنة، وسننظر في التشكيلات المعنوية في ثنايا الديوان، وقد أبدعت الشاعرة في اختيار عناوينها الداخلية، فهي تأتي على النحو التالي: هل كنت تهذي؟/ أهل الشام/ جل جماله/ سلاف نيسان/ أزمة ثقة/ بنت الشآم/ على باب الحبيب/ وأعلنُ أنَّني الأولى/ عزلة/ من الشام إلى بيروت/ أشواق ناعمة/ قل للخواتم/ ياقوت الحب/ القصيدة لا تزال في جيبي/ شعر ونثر/ استفتِ قلبك/ أمَّة اللوم/ همسة وعد/ رفقاً بالقلوب/ ومضى وحيداً/ رؤى الكلمات/ يا فؤادي/ أنثى الحمل/ غرير الفكر/ طبل نرسيس/ يجافيني/ وشاية ودع/ ما كان عدلاً/ لمَّا رأت جبلاً/ هان الهوى/ لولا عيونك/ وأحبُّه/ لا مساس/ آخر العشاق/ حجر عاطفي/ لا لم نعد/ عيد الحبّ/ جوى كانون/ حوار الصمت/ كأس البطولة/ المدينة الفاصلة/ امرأة خطرة/ كرامة الذكريات/ نجمك البرّاق/ ملَك الليل/ متى نرتاح/ كنتَ في صدري حريقاً/ هريسة ورد/ أنا وأنت لوحدنا/ برج الماس».
ونلاحظ وفرة القصائد، بما كان يكفي – في تصوري- أن تصدر في ديوانين وليس ديواناً واحداً، هناك أيضاً تنوعٌ غير عادي في الموضوعات المقدمة هنا، وهو ما يعني أن الشاعرة تعزف بنفسها منفردةً عن فكرة الوحدة الموضوعية للديوان وللقصيدة المعاصرة، والقصيدة المعاصرة مصطلح أصبح أكثر المصطلحات الشعرية دوراناً منذ حديث نازك الملائكة في كتابها عن قضايا الشعر العربي المعاصر، وما دار حوله من حوارات أدت إلى إعادة التفكير بشأن إيقاع ووزن القصيدة، وكذلك بشأن موضوعها أيضاً، ومن ثم فقد صار من النادر تلقي ديوان للشعر العمودي في أيامنا هذه.
تجمع ربا أبو طوق بين «العمودي» و»التفعيلة» في الديوان ذاتهِ، وتنوِّع تنوعاً كبيراً في الدفقات الشعورية، وبالطبع هذا من حقها في التأليف والإبداع، لكننا نشعر بأننا تجاه تأسيس شعري جديد يميل إلى زمن الرصانة والفصاحة، وتجمع في ديوانها فيضاً شعورياً يؤدي إلى استيعاب يتجاوز حدود الواقع المحلي وفق تعبير طه وادي، وتطرح فيه من القضايا الكثير والكثير، مما يدل على إلمامها بالتحديات والسمات العالمية التي نعيشها في عصرنا الراهن.
نبدأ من قصيدة «برج الماس» تلك القصيدة التي منحت الديوان عنوانه، وتضعها الشاعرة في خاتمة الديوان، وكأنها قصيدة هيمنت بمعنوياتها وجمالياتها على مناحي القصائد الواردة في النص كافة، وعلى الرغم من كثرة القصائد العمودية مقارنة بقصائد التفعيلة الواردة في الديوان، إلا أنها آثرت أن تكون القصيدة المهيمنة من شعر التفعيلة وليس العمودي، رغم أن غالبية القصائد جاءت عموديةً، في نغم وإيقاع متمايز. تقول في مطلع قصيدة «برج الماس»:
«في مرآتي شكلُ امرأةٍ
لا يحجبُها زيُّ الشرقِ
ولا يُغريهَا نَمَطُ الغَربِ
ولا حتى يُعجِبُها عَصرٌ
موضتهُ أوراقُ التوتْ
في مرآتي وَجهُ امرأةٍ
يُشعِلُ فوقَ حريرِ المرمرِ زهرَ النارْ
يطعمُ في عينيكَ البصرَ
الجائعَ دوماً للإبحار
يجعلُ من ضِلعِكَ مزماراً»
مثلما أشارت الكاتبة في الإهداء إلى أبعاد عالمية، تطرح هنا فكرة الشرق والغرب، متحدثة عن نفسها كامرأة، بما تحتويه كلمة امرأة من معانٍ دلالية في الثقافة الشرقية، فهناك ـ شئنا أم أبينا ـ هيمنة ذكورية على الثقافة العربية، ومن ثم فبدءُ الحديث عن المرأة هو حديث عن المسلوبة حقوقهنّ بداءةً، وهذه المرأة لها خصوصيتها المتمردة على الشرق والغرب، فهي لا يعجبها هذا النمط ولا ذاك، وفي إيقاعية نغمية تمضي عبر إشاراتٍ لانكشاف العورة التي لا يداريها إلا ورق التوت، وإشارة إلى بصر الرجل الجائع دائماً إلى المرأة، وإلى النظر إليها، تمضي في كل ذلكَ مُشيرةً إلى الصعوباتِ التي تُواجِهُها المرأةُ، ويلاحِقُها الذئبُ، ويهددها بالأوراقِ وبالأختامِ، ثمَ في نَقلةٍ نوعيةٍ ندخلُ إلى نمط آخر من التعبيرات الشعرية.
«كيف نُبارك للمحتلّ وللكذاب؟»، هكذا تنقل مستوى الحوار إلى الحديث عن الاحتلال، وعن الصراعات العالمية، ثم تنتقل من الحديث عن الصورة إلى الحديث عن الصوت، وتقارن بين هذا الصوت وأثر الصورة، إنها تقول لنا إن قصيدتها محاولةٌ لإسماع الصوت، وتوصل الرسائل المسكوت عنها، ثم تتحدث عن فراق الأوطان، وتنتقد التقسيمات العرقية أو المذهبية أو الدينية، تقول: «يروي أن البشر اخترعوا/ أفيوناً يُدعَى طائفةً/ وتعاليم ليست تحملُ في الميزان»، بهذه الطريقة الرقيقة تعبر عن خطر الانقسامات، وما قد تؤدي إليه من مشكلات تهدد الحياة والوجود، وتوجه دعوة «كن إنساناً/ ابدأ بالعمران»، وهو ما يدلل على أن المحور الأساسي للديوان، رغم الحديث المتعدد وبصورٍ متعددةٍ عن العشق والهيام والغرام والوصال، وما إلى ذلك من أغراض، إلا أن الغرض الأساسي هو التسامح، حياة الإنسان كإنسان، وفي القلب من هذه الدعوة الرفق بالمرأة، ومعاملتها معاملة إنسانية، فالأنثى أجمل ما وهب الملكوت، كيف نظن أنها مجرمة لمجرد كونها أنثى، وبهذه الكيفية من المشاعر الرقراقة والتعبيرات المنسابة تقدم لنا قضية الإنسانية وفي القلب منها قضية المرأة.
لقد التفت كثيرٌ من النقاد إلى المعاني الكامنة خلف الإلحاح في التعبير الشعري، وفي خضمِّ عددٍ كبير من القصائد يعد الإلحاح إحدى التقنيات الشعرية التي تستخدمها ربا أبو طوق، فتعيد تقديم بعض الأفكار بطرق مختلفة، وبتعبيرات جديدة، مما يعد إلحاحاً شِعرياً، ويقدمُ إمتاعيةً إبداعيةً كَبيرةً، وأكثر ما تلح عليه الشاعرة في ديوانها هو الحب والمعاني السامية للإنسانية، وعندما تتطرق القصائد إلى الحبيب تميل لتصوير العاشق والمعشوق بمفردهما باعتبارهما الكون كله، يصبح الكون مختزلاً في امرأة ورجل يحب أحدهما الآخر، فالكون لا يرى إلا حكاية العاشقين، ذلك الحب القادر على أن يولد من الصخر زهراً تنشق له الصخور، ويتوالى التكرار والإلحاح على المعنى عندما تقول:
«ماذا يضيرُ الشمسَ
لو هبطَ المساءُ بلا وداع؟
ماذا يضيرُ البحرَ
لو عبرَ الحَمامُ بلا شِراع»
وتداعب معاني الوصال برقةٍ إبداعيةٍ خَفيةٍ، تقولُ: «صدري بساتينٌ وحانَ قِطافُها/ كُل ما تشاءُ من البراعِمِ في الرخام» وهكذا في انسيابيةٍ مُميَّزةٍ.
في القصائدِ العمودية لا نشعر بغرابة في التعبير، فالعذوبة اللافتة التي تمتلكها الشاعرة في قدرتها على توصيل المعنى، تنسي القارئ أنها تتبع النهج العمودي في الوزن والإيقاع، فهي تدمج الوزن مع التوالي المنساب للكلمات، وكثيرا ما تلجأ لحالة من حالات التناص مع القصائد الشهيرة، التي تجعل القارئ يشعر بأنه أمام نوع مألوف من التعبير، رغم تمايزه، والتناص يأتي ضمناً، وكذلك يأتي صراحةً، دون تردد من الشاعرة في التنويه عنه، مذكرة إيانا بحالة النقائض والمعارضات التي كانت موجودة قديماً، من أمثلة هذا التناص الواضح والصريح، ما تقوله في قصيدة «هل كنت تهذي»، تقول:
كم كان وصلك في الحنايا لامعا
يا ليتني كذّبته يا ليتني
وكلت نجما في السما يشدو له
(يا من هواه أعزه وأذلني)
هكذا تأتي بالتناص بين قوسين، دونَ ترددٍ في ذكره، بل كان الوزنُ المكافئُ له هو المهيمن على القصيدة، وهو ما يعني أن مخزوناً كبيراً من الشعرية العربية في خلفية هذه القصائد.

شاعر وناقد مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية