أخطأنا عندما سميّناه ‘الإسلام الجهادي’. قصدنا به الحركات الإسلامية التي تدعو الى استخدام العنف، احياناً العنف الاعمى، في وجه اعدائها ‘الكافرين’، مسلمين وغير مسلمين، عسكريين ومدنيين، بلا تمييز ولا رحمة.
ارى اليوم ان ‘الإسلام الجهادي’ مصطلح غير دقيق، لأن ثمة حركات إسلامية تدعو الى الجهاد في وجه اعداء قوميين وسياسيين، من دون دمغهم عشوائياً بالكفر، ومن دون استخدام العنف بالضرورة ضد المدنيين.
لعل ‘الإسلام القاعدي’ مصطلح أدق واكثر وفاء للمعاني والأغراض والوسائل التي ينطوي عليها النهج الميداني والإعلامي للحركات الإسلامية ‘الجهادية’ التكفيرية الملتزمة فكر تنظيم ‘القاعدة’ العالمي والخاضعة، بدرجات متفاوتة، لقيادته المركزية المتجسدة، على ما هو متداول، بخليفة اسامة بن لادن والدكتور ايمن الظواهري.
بعد فترة هجوع مؤقت انتهت بإعلان الولايات المتحدة رسمياً تصفية بن لادن في باكستان، ونثر رماد جثمانه في البحر، عاد تنظيم ‘القاعدة’ الى الظهور إعلامياً والنشاط ميدانياً بالتزامن مع صعود ظاهرة ما يسمى ‘الربيع العربي’. هذه الظاهرة اتسمت بصعود حركات اسلامية شتى، ابرزها الاخوان المسلمون، في مختلف بلدان عالم العرب وعالم العجم، ولاسيما في بلدان القفقاز داخل روسيا الاتحادية وفي جمهوريات آسيا الوسطى، التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي اواخرَ القرن الماضي.
لعل الظهور الافعل لـِ’الإسلام القاعدي’ تجلّى اكثر ما يكون في العراق، مع انحسار الاحتلال الامريكي اواخرَ العام 2011، وفي سورية مع عسكرة ‘الثورة’ خلال العام 2012. لكن، بالتزامن مع احداث العراق وسورية الدموية، فجّر ‘الإسلام القاعدي’ ‘ثورات’ مماثلة، اقل فعالية، في اليمن والجزائر ومالي وسيناء وتونس، وبَنَت حركات اسلامية منتمية اليه وناشطة تحت رايته حضوراً ملموساً لها في شمال لبنان وشرقه، كما في بعض مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
ثمة حقيقة راسخة مفادها ان للولايات المتحدة الامريكية وبعض حلفائها الاقليميين دوراً في تنشيط حركات ‘الإسلام القاعدي’ وتمويلها وتسليحها، خاصةً في العراق وسورية، وذلك في سياق مواجهة نظـاميهما المواليين، في تقديرها، لإيران. وقد نجح تنظيم ‘الدولة الإسلامية في العراق’ او كاد في السيطرة على محافظة الأنبار المترامية الأطراف في بلاد الرافدين، كما في استنزاف قوات الجيش والامن الداخلي في عدة محافظات اخرى. وفي سورية، تمكّن تنظيم ‘الدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’، بالتعاون مع تنظيم ‘جبهة النصرة’، من السيطرة على مناطق من ارياف محافظات ادلب وحلب ودير الزور. ويبدو ان ‘داعش’ منهمك، في هذه الآونة، في جهود موصولة للسيطرة على المواقع والمناطق التي يهيمن عليها ‘الجيش السوري الحر’، وقد نجح في حملته هذه بشكل ملحوظ.
فعالية حركات ‘الإسلام القاعدي’ ونجاحها الميداني، ولاسيما في العراق وسورية، اقلقا الولايات المتحدة وحلفاءها الاقليميين، تحديداً تركيا والسعودية، بالإضافة الى روسيا التي تعاني عمليات ‘اسلامية’ عنيفة داخلها، كما في جمهوريات القوقاز التابعة لها. وكانت روسيا، ازاء عمليات دموية نُسبت الى تنظميات اسلامية راديكالية في داخلها، كما في جمهوريات الشيشان وداغستان وتترستان وغيرها، قد اجرت تعديلات جذرية على القانون الجنائي الروسي، تُعاقب على المشاركة في تشكيلات مسلحة غير شرعية في اراضي دولة اخرى. وقــد أُقرت التعديلات على خلفية توجّه روس مسلمين، قيل ان عددهم يربو على 400، الى سورية للقتال ضد قوات النظام.
لا غلوّ في القول إن ‘الإسلام القاعدي’، من بين تحديات اخرى تواجه الولايات المتحدة في الشرق الاوسط والعالم، بات الحفّاز الاول لدفعها الى التوافق مع روسيا، ومن ثم مع ايران، بغية مواجهته ومنعه من تعطيل سياسة امريكا والإساءة الى أمن حلفائها وحتى خصومها.
لعل للتحفيز على التوافق بين القطبين العالميين محاور ثلاثة: سورية والعراق وفلسطين. هذه الدول متكاملة استراتيجياً في نظر الولايات المتحدة، بمعنى ان سيطرة ‘الإسلام القاعدي’ في إحداها يؤثر بالضرورة على الأُخريين. لذلك تقارب واشنطن الازمات القائمة في كلٍ من الدول الثلاث بالتزامن مع بعضها بعضاً. فهي تعالج المسألة السورية بالتعاون مع موسكو، من خلال التمسك ببيان مؤتمر جنيف -1 والعمل لإنجاح مؤتمر جنيف -2. وتعالج المسألة العراقية بدعوتها رئيس الحكومة نوري المالكي لمقابلة الرئيس اوباما والتباحث مع سائر المسؤولين الامريكيين في كل ما من شأنه محاصرة ‘الإسلام القاعدي’ والحؤول دون امتداد تأثيره الى الدول المجاورة، ولا سيما سورية. وتعالج المسألة الفلسطينية برعاية المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و’اسرائيل’، رغم حساسية هذه الاخيرة إزاء الحوار الناشط بين مجموعة دول 5+1 وايران وتخوّفها من صفقة امريكية ايرانية تكون على حساب امنها.
اللافت انه في الوقت الذي يقول وزير الخارجية الامريكي جون كيري للكونغرس إن تشريع عقوبات اضافية ضد ايران قد يفسد المفاوضات معها، وربما يؤدي لاحقاً الى حرب، يقف الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في مناسبة عاشوراء ليحذّر العرب والعجم من ان البديل من التسوية النووية بين الغرب وايران هو الحرب.
هاجس الحرب على ايـران من ‘اسرائيل’ او على ‘اسرائيل’ من ايران، خاصةً اذا ما اساءت الولايات المتحدة التصرف مع سورية، هو ما يقضّ مضاجع القادة الامريكيين. اجَـل، الامريكيون، مسؤولين ومواطنين، لا يريدون الحرب لأنهم عانوا كثيراً من التكاليف الباهظة، بشرياً واقتصادياً، للحروب السابقة، ويتهيّبون كثيراً من تكاليف الحروب اللاحقة التي قد تنزلق اليها الولايات المتحدة في سورية وايران وربما في فلسطين ايضاً.
اللاحرب هو مطلب الامريكيين، كما الاوروبيين ولاسيما البريطانيين والالمان والايطاليين، وهو ما يدفع ادارة اوباما الى مجابهة ‘اسرائيل’ وحلفائها الضمنيين في المنطقة، كما مجابهتها في قلب الكونغرس الامريكي لتفادي حربٍ قد تتأتى عن افسادها مفاوضات مجموعة دول 5+1 مع ايران.
‘الإسلام القاعدي’ بما هو الطرف المسؤول عن توفير ظروف الاحتكاك السياسي والامني بين امريكا وروسيا في سورية والعراق، هو نفسه الحفّاز لتعاون القطبين العالميين من اجل محاصرة ظروف الاحتكاك من جهة، وتطويق احتمالات الحرب على ايران ‘النووية’، بما هي ذريعة خوف وتخويف من طرف ‘اسرائيل’ وحلفائها الضمنيين في المنطقة من جهة اخرى.
لعل تعاون امريكا وروسيا ضد ‘الاسلام القاعدي’ هو المتغيّر الافعل والاقوى في مشهد علاقات القوى الدولية في العقدين الثاني والثالث من القرن الواحد والعشرين. أليس كذلك؟
‘ كاتب لبناني