تونس- «القدس العربي»: قال مجدي الكرباعي، النائب التونسي السابق والناشط المتخصص في قضايا الهجرة، إن تصنيف تونس دولة آمنة من قبل الاتحاد الأوروبي يسهّل إجراءات إعادة المهاجرين إليها، منتقدًا تكتم السلطات الإيطالية على أعداد المهاجرين المرحّلين أسبوعيًا إلى تونس.
واعتبر، من جهة أخرى، أن غياب المراقبة وانتشار الفساد الإداري في تونس يشكّلان بيئة خصبة تجذب عددًا من زعماء المافيا الإيطالية، لافتًا إلى أن بعضهم أُوقف خلال السنوات الأخيرة في إطار تعاون أمني بين سلطات البلدين.
فساد الإدارة وغياب آليات المراقبة في تونس وفّر بيئة خصبة للمافيا الإيطالية
وكانت وزارة الداخلية الإيطالية قد أكدت انخفاض عدد المهاجرين القادمين من تونس إلى الربع خلال عام واحد، وتزامن ذلك مع إدراج الاتحاد الأوروبي تونس ضمن قائمة الدول الآمنة.
بلد آمن لاستقبال المهاجرين
وقال الكرباعي، في حوار خاص مع «القدس العربي»: «الأرقام التي قدّمتها وزارة الداخلية الإيطالية أظهرت انخفاضًا كبيرًا في أعداد المهاجرين القادمين من تونس مقارنة بالعام السابق. كما تُبيّن بيانات نقلتها مصادر صحفية أن عدد التونسيين الذين وصلوا إلى إيطاليا سنة 2025 بلغ 1828 شخصًا، مقابل 7677 خلال الفترة نفسها من عام 2024، وهو ما يعكس تراجعًا ملحوظًا في تدفقات الهجرة من تونس إلى إيطاليا. وهناك أيضًا تقارير واسعة تشير إلى تراجع الهجرة من تونس بنسبة كبيرة خلال عام 2025، بما يعكس استمرار الانخفاض في سنتي 2024 و2025 على حدّ سواء».
تصنيف تونس كبلد آمن يسهل إجراءات ترحيل المهاجرين إليها
وحول العلاقة بين تصنيف تونس «بلدًا آمنًا» وتراجع عدد المهاجرين القادمين منها، قال الكرباعي: «وضع الاتحاد الأوروبي تونس ضمن لائحة الدول المصنّفة كدولة آمنة في إطار سياسات الهجرة واللجوء الأوروبية، ما يسمح لإيطاليا وبلدان أخرى بإعادة طلبات اللجوء أو رفضها بسهولة أكبر، ويُستخدم هذا التصنيف كأداة لتشديد إجراءات الهجرة. وغالبًا ما يُفسَّر ذلك، في التحليلات، على أنه محاولة لتقليص تدفقات الوافدين عبر البحر، من خلال تعزيز سياسات الطرد والحد من القدوم، بالتوازي مع اتفاقيات شراكة للهجرة بين دول أوروبا وتونس».
طرد جماعي وظروف غير إنسانية
وحول تأثير هذه السياسات على أوضاع المهاجرين الأفارقة في تونس، قال الكرباعي: «منظمات حقوقية كبرى، مثل منظمة العفو الدولية، وثّقت تدهورًا خطيرًا في أوضاع المهاجرين الأفارقة داخل تونس، حيث كشفت تقارير عن انتهاكات واسعة بحق اللاجئين والمهاجرين، وعمليات طرد جماعية، وتراجع في حماية حقوقهم. ومع تضييق الحدود وارتفاع خطر الترحيل، يتعرض كثير من المهاجرين الأفارقة لظروف إنسانية صعبة، وقد يُحتجزون أو يُعادون إلى مناطق خطرة».
مع تضييق الحدود وارتفاع خطر الطرد، يتعرض كثير من المهاجرين الأفارقة لظروف إنسانية صعبة td تونس
ومن جانب آخر، أكد الكرباعي عدم توفّر بيانات رسمية دقيقة صادرة عن وزارة الداخلية الإيطالية أو عن الضامن الوطني لحقوق المحتجزين، تتعلق بعدد التونسيين الذين تم ترحيلهم فعليًا إلى تونس خلال العام الماضي. واعتبر أن «هذا الأمر مثير للريبة، إذ جرت العادة نشر أعداد المرحّلين، لكن السلطات الإيطالية امتنعت منذ فترة عن تقديم هذه الأرقام، وتحديدًا منذ تصاعد الغضب، خلال السنة الماضية، ضد السلطات التونسية بسبب عمليات الترحيل، ما دفع الرئيس قيس سعيّد إلى الخروج وتكذيب وجود اتفاقيات مع إيطاليا، وقد يكون هناك تفاهم غير معلن بين البلدين لتخفيف الضغط على الرئيس».
واستدرك بالقول: «مع ذلك، تشير تقديرات إعلامية إلى أن عمليات الترحيل القسري لمهاجرين تونسيين ما زالت تتواصل بوتيرة أسبوعية من قبل السلطات الإيطالية، غير أن الأرقام الدقيقة والكاملة غير منشورة في البيانات الرسمية المتاحة».
وتابع الكرباعي: «خلاصة القول إن الانخفاض الكبير في أعداد الوافدين التونسيين إلى إيطاليا مرتبط بتشديد السياسات الأوروبية، بما في ذلك تصنيف تونس دولة آمنة، واعتماد سياسات الطرد والترحيل، وهو ما أثّر في خطط الهجرة. غير أن هذه السياسات أسهمت أيضًا في زيادة الضغط على المهاجرين الأفارقة الموجودين في تونس، في ظل غياب حماية لائقة لهم».
نفايات تتحول إلى ملابس مستعملة
وكان الكرباعي قد كشف في وقت سابق عن وجود تحقيقات في إيطاليا تتعلق بملف فساد يشمل تورط أطراف إيطالية في تصدير نفايات إلى تونس على أنها ملابس مستعملة.
وأوضح ذلك بقوله: «الملف محل متابعة قضائية وبرلمانية، لكن إلى حدّ الآن لا توجد معطيات أو مستجدات جديدة. فالتجارة في الملابس المستعملة في إيطاليا وتصديرها إلى دول أفريقيا تُعدّ نشاطًا تجاريًا شائعًا».
وأكد، في المقابل، أنه «لا توجد مؤشرات رسمية صادرة عن هيئات قضائية تونسية أو عن منظمات دولية تفيد بوجود متابعة جدية من قبل السلطات التونسية لقضية تصدير ملابس مستعملة بطريقة قد تشكل خطرًا على الصحة العامة. كما لا توجد بيانات منشورة حول تقييم المخاطر الصحية على المستوى الوطني، وهو ما يُعدّ فضيحة واستهتارًا بصحة المواطنين في تونس».
نشاط للمافيا الإيطالية في تونس
وكشف الكرباعي عن وجود «نشاط للمافيا الإيطالية في تونس»، مؤكدًا وجود «تقارير غير رسمية تفيد بوجود أفراد مرتبطين بعصابات إيطالية داخل البلاد، من بينهم من تم اعتقالهم خلال السنوات الماضية من قبل الأجهزة الأمنية التونسية بالتعاون مع السلطات الإيطالية، على غرار أنجيلو سيلفاتوري ستراكوزي (Stracuzzi)، الذي أُوقف في تونس، ويُنسب إلى تنظيم مافيوي وفق السلطات الإيطالية».
وفسّر تفضيل بعض زعماء المافيا لتونس بقوله: «التحركات الدولية للمافيا مرتبطة بفرض النفوذ في أسواق جديدة والتخفي من الملاحقات القضائية في بلدانهم الأصلية. وقد يرى بعضهم أن دولًا ذات أطر قانونية أقل تشددًا تشكّل بيئة أقل مراقبة، خاصة في حال نشاط شبكات عابرة للحدود في تجارة غير مشروعة أو استثمارات واجهة. وقد وجدوا في تونس ملاذًا مناسبًا، مستفيدين من انتشار الفساد الإداري وغياب آليات المراقبة».
ما علاقة شقيق الرئيس بالمافيا؟
وطالب الكرباعي السلطات التونسية بتوضيح أسباب ورود اسم نوفل سعيّد، شقيق الرئيس التونسي قيس سعيّد والخبير الدستوري، في سجلات شركة محاماة إيطالية ورد اسمها في تحقيقات صحفية مرتبطة بالمافيا.
السلطات التونسية مطالبة بتوضيح سبب ظهور اسم شقيق سعيد في سجلات مكتب استشارات قانونية للمافيا الإيطالية
وقال: «يثير ظهور اسم نوفل سعيّد، شقيق رئيس الجمهورية، في سجلات مكتب الاستشارات القانونية الإيطالي Studio Legale Giambrone، تساؤلات مشروعة، خاصة في ضوء المعطيات الصحفية المنشورة حول هذا المكتب. إذ تُعدّ Giambrone & Law شركة محاماة دولية لها مكاتب في روما وميلانو وتونس ولندن ونيويورك، وقد ورد اسمها في تحقيق استقصائي نشره موقع الكتيبة (Alqatiba)، أشار إلى حكم صادر عن محكمة استئناف بريطانية بتاريخ 2 آب/أغسطس 2017، قضى بإلزام الشركة بدفع تعويضات لمستثمرين بريطانيين بسبب فشلها في تقديم استشارة قانونية سليمة بخصوص مشروع عقاري في إيطاليا يُعرف بـ«جوهرة البحر»، وهو مشروع كان محل تحقيقات تتعلق بشبهات غسل أموال لفائدة المافيا الإيطالية».
وأضاف: «في السياق نفسه، ذكر موقع Africa Intelligence أن نوفل سعيّد شغل صفة مستشار قانوني لمجموعة Giambrone في تونس، قبل أن يتم لاحقًا حذف اسمه من المحتوى المتعلق بالمكتب من دون تقديم أي توضيح رسمي، مع رفض مكتب Giambrone الإجابة عن الاستفسارات بشأن أسباب هذا الحذف. كما أشار تحقيق الكتيبة إلى شبكة من الحرفاء المنسوب تعاملهم مع نوفل سعيّد، من بينهم مجموعة بوخاطر الإماراتية، وعبد العزيز فريحة صاحب مشروع صفاقس (سيفاكس)، إضافة إلى شركة تالنيت».
واعتبر الكرباعي أنه «رغم عدم صدور أي إدانة قضائية بحق نوفل سعيّد، فإن تلاقي هذه المعطيات الصحفية، إلى جانب غياب التوضيحات الرسمية ورفض الإجابة عن الأسئلة المطروحة، يجعل من حق الرأي العام التساؤل عن طبيعة هذه العلاقات وأدوارها المحتملة، في إطار المطالبة بالشفافية وكشف الحقيقة، خاصة في ظل الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار النزاهة والطهورية في إدارة الشأن العام»، وفق تعبيره.