خسرت «الجزيرة» غسان بن جدو، ولم تكسبه قناة «الميادين»، والتي بدلاً من أن تنافس «الجزيرة»، انضمت لتشكّل ثلاثياً لحزمة معتبرة من قنوات عدم التوفيق؛ «المنار»، و»العالم». فهل الأمر راجع إلى أن الإيرانيين ليسوا موفقين في إعلامهم، شأنهم في ذلك شأن إعلام «الشركة المتحدة» في مصر، أم هي لعنة «الجزيرة»؟!
فقد خسرت الجزيرة عباس ناصر، ولم تربحه أي محطة تلفزيونية أخرى، ومن «التلفزيون العربي» إلى «الغد»، رغم اختلاف السياسة الإعلامية للقناتين، ولم يعد أمامه إلا أن يترأس قناة «الطفل»، التي وعد أحمد المسلماني بإطلاقها من ماسبيرو، ليتأكد أن الأمر لا علاقة له بقدراته المهنية، التي تأكدت بتجربته مراسلاً للجزيرة من بيروت. وإذا فشل في قناة «الطفل»، يكون قد تبين أنها لعنة «الجزيرة»؟!
الأمر نفسه يسري على صاحب الحضور الطاغي للجزيرة، أو وحش الشاشة، حافظ المرازي، كما يسري على بطل الأفلام الوثائقية يسري فودة، الذي ذهب بعيداً، إلى قناة الضياع في ألمانيا، لكن بدا أن لعنة «الجزيرة» صاحبتهما في الحل والترحال!
وقد أصبحت لحافظ قناة على «يوتيوب»، يقدّم من خلالها مقابلات مهمة، وإن تواضعت إمكانياتها، فإن «الشاطرة تغزل برجل حمار»، كما يقول المستشرقون. فحتى مقابلته مع توفيق عكاشة حازت على اهتمامي فشاهدتها كاملة، فقد صنع بحضوره من الفسيخ شربات. وددت لو نجح في إخراج يسري من القمقم، ليوجه إليه أسئلة عن نهاية رحلته في القاهرة، فقد كان يقدّم برنامجاً من هناك، وكان من الأذرع الإعلامية التي مهّدت للانقلاب العسكري، وقرأت خبر تعرضه لحادث سير خارج القاهرة، وكيف أن القوات المسلحة أرسلت له طائرة لنقله لإحدى مستشفياتها، بشكل يؤكد أن العلاقة كانت جيدة، فماذا جرى جعله يغادر مصر في بداية توهج هذا الانقلاب؟!
الأمر نفسه يسري – بدرجة أو بأخرى – على حافظ المرازي، الذي كان يقدّم برنامجاً على إحدى الشاشات المصرية في هذه الفترة. وهي مرحلة من تاريخ الإعلام ليست مسجلة، فقد كنا في حالة سيولة جعلتنا لا نهتم بكثير من التفاصيل!
لعنة الفراعنة وهروب أردوغان إلى ألمانيا:
ما علينا، فقبل الثورة المصرية كتبت في هذه الزاوية مقالاً عن لعنة الجزيرة، التي تشبه لعنة الفراعنة. مع أن هذه أو تلك من الأساطير، إلا أن هناك وقائع غذّت هذا الاعتقاد، فبعد اكتشاف البريطاني كارنارفون وفريق عمله مقبرة «توت عنخ آمون» سنة 1922، توفي بشكل مفاجئ في العام التالي بلدغة بعوضة، وانطفأت في ليلة وفاته الأنوار في القاهرة، وانتشرت أمراض غامضة في فريق العمل، حصدت أرواح بعضهم.. فأُرجع هذا كله إلى لعنة الفراعنة. فهل أصابت غسان بن جدو وإخوانه لعنة «الجزيرة»؟!
لقد استيقظت من نومي على خبر من قناة «الميادين» يتم الترويج له على نطاق واسع لدى المصريين، وهو هروب الرئيس السوري أحمد الشرع وأسرته، ومقتل وزير الدفاع السوري. وهرعت إلى «الجزيرة»، لأجد الأمور رتيبة، وتقريراً لموسيقار السودان فوزي بشرى عن مفهوم القوة لدى نتنياهو!
من الطبيعي أن تناصب «الميادين» التجربة السورية العداء، لكن ليس لدرجة أن تجعل من الأمنيات الغالية خبراً يتم تداوله. وقد تذكرت أننا في شهر يوليو/تموز، وكم من المصائب وقعت في هذا الشهر، فهو في مصر شهر الانقلابات العسكرية؛ يوليو/تموز 1952، ويوليو/تموز 2013، وربما الحدث الوحيد المبهج فيه أنني من مواليد هذا الشهر الفضيل!
وفي هذه الأيام يتم التذكير بالمحاولة الفاشلة للانقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عندما أعلنت قناة «سكاي نيوز عربية»، في تلك الليلة الليلاء، نجاح الانقلاب وهروب الرئيس إلى ألمانيا، وبعد قليل كان الرئيس يطل عبر هاتف صحافية تركية معارضة، يعلن أنه في طريقه للمطار، وأن على الجماهير أن تواجه الانقلاب. وكان وضع الصحافة المصرية أكثر بؤساً من «سكاي نيوز»، لأن الطباعة تتم ليلاً، وفي الصباح كانت عناوين الصحف جميعها عن سقوط نظام أردوغان وهروبه، وكان خبر إحباط الانقلاب قبل ساعات يعلم به الكافة.
وقامت «سكاي نيوز عربية» بحذف كل الأخبار التي ظلت لليلة كاملة تنشرها عن نجاح الانقلاب وفرار الرئيس، لكن موقع «العربية نت» والمنصات الأخرى للقناة ظلّت تحتفظ بهذه الأخبار المسخرة، ربما إلى الآن. فأيهما تكون «الميادين»؟!
رحم الله أخي غسان بن جدو، فلا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى.
إعادة التدوير… وتدوير المدور
أعلنت «الشركة المتحدة»، المالك الرسمي والوحيد لعموم القنوات الخاصة، عدا «صدى البلد»، و«تن»، عن الاستغناء عن خدمات لميس الحديدي، فرقصت منصات التواصل الاجتماعي على أنغام أغنية «الليلة عيد»!
ليس معلناً ما هي الأسباب التي دفعت الشركة لهذا التسريح بإحسان، فحسب المعلن أن الانفصال تم بالتراضي، وقالت لميس إنها في صدد الانتقال إلى تجربة إعلامية أخرى. فهل تذهب إلى القناة السعودية «أم بي سي مصر»؟
قبل عودتها الأخيرة، قيل إنها عائدة عبر القناة السعودية هذه، لكنها أطلت علينا من واحدة من إقطاعيات الشركة المتحدة، ومهما يكن، فإن العودة لن تكون الآن، فهذا موعد الإجازة السنوية للأسرة، وعمرو أديب أعلن توقف برنامجه بشكل مؤقت، وأنه في إجازة صيفية، ولا أعتقد أن المشاهدين في عجلة من أمرهم، فلتعد وقتما تعود!
هناك من أرجعوا الاستغناء عن الخدمات إلى منشور للميس الحديدي، سألت فيه عن مصير التحقيقات التي أُجريت حول حريق «سنترال رمسيس»، وما نتائج هذه التحقيقات، ولماذا لم تعمل وسائل الإطفاء الذاتي؟ وفوجئت بأنني كتبت رأياً كهذا، لا أعرف من منا سبق الآخر، لكني كنت أرد على أبواق أرجعت الحريق إلى قوى معادية، فلماذا يُترك أمر كهذا بيد الإعلاميين، دون إعلان رسمي من جهات التحقيق؟! طبعاً لا أقصد بهؤلاء الإعلاميين ما قاله الإخواني المنشق مختار نوح عبر قناة «تن»، بأن الإخوان سكبوا الزيت فأشعلوا هذه السلسلة من الحرائق بجانب حوادث الطرق!
لا أعرف من سبق فينا الآخر، لكنه توارد خواطر، ويُلاحظ أن خاطرة لميس كتبتها عبر حسابها على منصات التواصل الاجتماعي، ولم تذعها في برنامجها، لأنها أسئلة قاسية. لكن هناك من يرجعون هذا الاستغناء إلى الفشل، كما استغنت قناة «القاهرة والناس» عن إبراهيم عيسى، فتحول إلى مناضل!
ليست هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها إحالة لميس للاستيداع، فقد حدث هذا مرة أو مرتين منذ الانقلاب العسكري في 2013، ولميس ليست أماني الخياط، أو منى الشاذلي، مثلاً، إنها الأكثر مهنية، لكن نجاحها لم يكن مرتبطاً بالمهنية، ولكن بممارسة الردح ضد الرئيس محمد مرسي. ومشكلة بعض هؤلاء أنهم ظنوا الشراكة في الانقلاب، فذهب توفيق عكاشة بعيداً، وقادت لميس حملة في قناة «أون تي في» على غلق المجال العام، وتم التخلص من هذه المجموعة تباعاً، بمن فيهم إبراهيم عيسى!
وأمام العجز عن مجابهة قناتين يتيمتين في الخارج: «مكملين» و»الشرق»، تمّت عودة المحالين للاستيداع، ظناً ممن بيده عقدة النكاح أنهم قادرون على التفوق، لكنهم بدوا كمذيعي الذكاء الاصطناعي، يفتقدون للروح، فهذه مرحلة يخشى الواحد أن ينتقد فيها ولو موظفاً بسيطاً، خوفاً من أن يكون رجل الأجهزة الأمنية!
ومع التأكد من الفشل، تكون إعادتهم لدكة الاحتياط، فالنظام الحالي – وعلى مدى اثني عشر عاماً – لم يصنع ذراعاً إعلامياً واحداً، ولهذا تتم العودة إلى إعلاميي نظام مبارك ونجله جمال. يقولون إن محمود سعد سيعود، وربما عاد فعلاً.
إنها أزمة سلطة عاقر!
صحافي من مصر