في خضم المحاولات المستمرة للبحث في إمكانية وجود نظرية نقدية عربية، بادرت جامعة بجاية الجزائرية قسم اللغة والأدب العربي، ومخبر التأويل وتحليل الخطاب، إلى عقد ملتقى وطني حضرته ثلة من الوجوه النقدية الأكاديمية لمناقشة الموضوع تحت عنوان «المنجز النقدي الجزائري وتعليمياته/نحو إمكانية المساءلة الجذرية».
الفاعل النقدي والتواصل التاريخي مع الحياة:
يحيل العنوان إلى الهاجس الذي يتشاركه الوعي النقدي العربي، الذي وصل درجة الإشباع المعرفي في ما يتعلق بالنقد المبرمج تحت مظلة المقولات النقدية الغربية، ولكن ما يعتبر قيمة مضافة هو محاولة البداية من عتبة «المحلي» أو بتعبير الملتقي «الجزائري»، وهنا في اعتقادي تبدأ الإشكالية التي تؤرق العقل المعرفي المهموم بالمساءلة، ولعل الإشكال أحدثه الجابري في مقولة «العقل العربي»، فهل هناك «عقل وطني» ينفصل بخصائصه عن «العقل العربي»؟ يفض اليامين بن تومي الإشكال عن طريق ورقته المعنونة «الممارسة النقدية الجزائرية»، باعتبار أن إضافة الجزائرية إلى «المدرسة النقدية، يمثل بعدا هوويا للمساءلة النقدية». ما ارتبط بالهوية النقدية، لا محالة يحيل إلى المسار التاريخي لإنتاجات وتحولات المفاهيم والأفكار التي تتعلق بأطروحة نقدية في حيز جغرافي معين. يكشف التعيين الجغرافي عن البعد التاريخي، أي عن العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية، تلك التي أشار إليها اليامين في تناوله الارتباط العضوي بين تطور الجنس الأدبي وشكل العمران، في إشارة دالة إلى ابن خلدون الذي أكد أن «الحال في الأقطار من اللسان». فالسياق التاريخي يكشف عن حركة الإنسان في الفضاء الجغرافي، أي الأثر الذي يخلفه ويستمر في التاريخ، وتبدو العلاقة وثيقة بين الرقعة الجغرافية وما ينبثق فيها من محدثات ثقافية ولغوية وفكرية.
الفاصل في هذه العملية هو النسغ الثقافي الذي يرتوي به النص، من خلال معايشة الفاعل النقدي لمحيط يشاركه في إنتاج مفردات حركته اليومية، فالنقد عند هذا المفصل هو العملية التي تصل الفاعل النقدي بالحياة.
التراكم المنتِج وأهمية المتابعة (القراءة):
سادت الملتقى لغة تحمل في عمومها نبض «الناقد» وليس الأكاديمي، كما فرّق بينهما لونيس بن علي في مداخلته، حيث تطرق إلى الناقد الراحل بختي بن عودة، خصوصا كتابه «ظاهرة الكتابة في النقد الجديد». تحدث عن ثلاثة عناصر لمسها في هذا الكتاب الذي هو بالأساس مذكرة ماجستير، العمق والرؤية والأطروحة، وهو ما تفتقده الدراسات الحالية، ومن هذه العتبة يميز بين الناقد الذي يمتلك رؤية، مشروع يمتد في الزمن، والأكاديمي الذي له وظيفة، بمعنى أنه يلقي مجموعة من المعلومات على الطلبة وفي آخر الشهر يتقاضى أجرةً. ذكر المحاضر أن الكثير لا يعرف بختي بن عودة، واعتبره سببا من أسباب غياب ملامح المدرسة، لأن الاعتقاد السائد هو الاستفاقة على الفكرة النقدية موسومة بنظرية ومنسوبة إلى فلان، وننسى أو نتناسى فعل «التراكم»، الذي يجب ان يخضع للقراءة الحافرة في المعنى، والباحثة عن جذر أصولي لفكرة تتطور وتتنامى بفعل التكرار القرائي والتوظيف العملي، وبهذا السلوك المعرفي التطبيقي تظهر معالم المدرسة والممارسة النقدية الوطنية، التي على ركائزها تتأسس النظرية النقدية العربية.
إن التمييز بين الأكاديمي والناقد يعتبر مفصلا ثقافيا في تحديد طبيعة النقد المتداخل مع الحياة، فالنص في مجمله نتاج سياق مجتمعي، ولا بد لهذا السياق من تمظهرات تلتقي عند ممارسة الناقد لما يمكن تسميته «مهمة الحياة»، ومنه يجد مفهوم «الجامعة المفتوحة» المعنى العميق في ضرورة اكتساب الأكاديمي معنى الدرس الجامعي، المحايث لما هو مجتمعي، بمعنى ما يحتاجه المجتمع من فعاليات أساسها «النظرية» وتمظهراتها «الحركة في الحياة»، ولعل هذا ما قصدته من عنوان مقال لي «النقد لحظة حياة» حول تجربة الأكاديمي مخلوف عامر.
جدل النقد بين الأكاديمي واللاأكاديمي:
ترسم الناقدة آمنة بلعلى رؤية لطبيعة الفضاء النقدي انطلاقا من مفهوم الأكاديمية، التي ترى أننا لم نبلغه بعد، ولهذا علينا أن نكف عن المطالبة بما بعد الأكاديمية، لأننا لم نصل بعد درجة الأكاديمية، وبهذا تصل إلى أن المشكلة ليست في أن نكون أكاديميين أو لا نكون! انطلاقا من هذه الرؤية تنبثق محددات الفعل النقدي المتعالق مع الحياة، لأن آمنة بلعلى ترى أن مشكلة الأكاديمي أنه منفصل عن الواقع الثقافي، ولا تتوقف هنا، بل تنظر إلى الناقد اللاأكاديمي – وتراه أقلية ـ الذي يفترض أنه مندمج في الوسط الثقافي، لكنه يفتقد إلى المنهجية التي تمنحه المفاهيم والمصطلحات. إشارة ذكية في الجمع بين الناقدين الأكاديمي واللاأكاديمي، فربما وبقليل من الجزم، القول بعدم تطور أي حركة نقدية فاعلة دون اللقاء بين الفاعليْن النقدييْن، لأن لقاءهما بالضرورة منتج لبؤرة ثقافية، والتواصل المعرفي ينشأ على قاعدة تواصلية حوارية تكشف عن الثقافة النقدية لدى كليهما، ومن ثمة تنبني التصورات التي ترفد النظرية والمنهج بنسغ الحياة والواقع، كما أنها تحقن في واقع الثقافة والحياة بذور المنهج والتجلي الرؤيوي.
يحيل هابرماس في إتيقا المناقشة إلى «الوضع التواصلي» وهو قابلية كل شيء للمناقشة، وضمن خريطة المناقشة تحيل آمنة بلعلى إلى مفهوم أخلقة النقد، أي ضرورة القول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت دون حساسيات، هذه اللغة المتعالقة والواقع المجتمعي والثقافي منحت الملتقى صدقيته في البحث عن سردية نقدية وطنية. تدعو آمنة بلعلى إلى «انتفاضة معرفية فاعلة، مقاومة.. تيمنا بالمقاومة الفلسطينية». كمتابع للحركة النقدية الوطنية والعربية، ألمس نَفَس إدوارد سعيد النقدي الثقافي في إلغاء الحدود الفاصلة بين المعرفة والهم الوطني أو القومي، وهو ما يعطي للنقد أو الدرس المعرفي عمقه وتواصله، مع ما يحدث في سياقات الممارسة الواقعية للحياة بتمظهراتها العملية والثقافية كافة.
الواقع المجتمعي والأفق الثقافي:
عدم الإدراك العارف لعناصر الواقع وإهمال عناصر الواقع التاريخي يؤديان إلى افتقاد نوع من الحوارية التي تعتبر الأساس الجوهري لما يمكن تسميته «ثقافة». هذه التسمية هي التي تمنح الوجود هويته المسائلة والمتسائلة، وضمن هذا المعنى بُنيت فكرة «الناقل الثقافي» لدى محمد الأمين بحري، حيث اعتبر الناقد ناقلا لمعرفة وقبل ذلك فهو حامل لمعرفة والسؤال الذي يطرح هو ماذا يحمل هذا الناقد؟ وهو السؤال نفسه الذي يطرح على الكاتب لأي نص، ماذا يحمل إلينا هذا الكاتب؟
هذه الأسئلة جد مهمة، ربما لأنها تدخل في صميم ما هو جذري، الذي يناقض ما هو واقعي، برؤية جان بودريار، فالواقع قد يختفي تحت ظلال البنى المحيطة، ويبقى السؤال دائرا بين نقل المعرفة وحملها، أو بمفهوم أصيل نقد المحمولات والمنقولات، التي لا يمكن إلا أن تكون ثقافية، بالمفهوم الأنثروبولوجي، وبالتالي يصبح «الحوار» هو أساس التعرية المطلوبة لكشف طبقات التغطية المزيفة، التي تزين في غفلة من الوعي وجه حقائق النص والكلام.
يتأسس فيصل الأحمر ضمن خريطة مساءلة المنجز النقدي بين الناقد الذي لا يعتقد أنه سينزعه عنه ولا يريد، والروائي، وسؤاله هو: هل يمكننا التفكير نقديا من داخل الرواية، وأين يقع الروائي من الناقد، وهو يؤلف روايته، وأين يقع الناقد من الروائي وهما يتداولان جملة، أو صفحة أثناء كتابة رواية؟ أسئلة مبررة إبداعيا، والتبرير ليس بمعنى الهامش الموحد الذي يجب اتباعه، العكس، إن هذه الأسئلة تخترق السائد، لكي تضع الروائي والناقد كلاهما في بؤرة النص واقعة عليهما مسؤولية رؤية المجتمع كما هو، لا كما يجب أن يكون. وردت على لسان الأمين بحري جملة لكليفورد غيتس يدعو «إلى قراءة المجتمع كنص على أكتاف ممثليه»، لأن مسألة «كما يجب أن يكون» تنبثق مما يحدث، واجتماع الناقد والروائي في تركيب النص، أو تفكيكه هو اجتماع الأداة والإحساس، اجتماع العقل الفاحص والعين اللاقطة، ومنه يُنسج النص على منوال المأدبة التي تختلف إليها الأذواق رغم خضوعها لمعايير الإنضاج نفسها.
يسائل طارق بوحالة الدراسات الثقافية والنقد الثقافي باعتباره «موضة» كما أطلق عليه، فلقد تناوله الكثير من المقالات والمذكرات والأطاريح الجامعية، وهذه الموضة يجب أن تُساءَل لأسباب، منها ما هو منهجي ومنها ما هو علمي معرفي ومنها ما هو أخلاقي. يؤكد طارق بوحالة على فكرة التوطين وإنتاج دراسات ثقافية، انطلاقا من الحالة التي يتحرك ضمنها المجتمع، ويضرب مثلا بالنسوية التي أصبحت من الدراسات الثقافية الكندية، وهونغ كونغ التي تتطور فيها الدراسات الثقافية المتعالقة مع اقتصاد السوق والاستهلاك، معرّجا على الغذامي الذي ليس بالضرورة أن مقولاته تحقق الكفاية الإجرائية. أشار إلى مفارقة أن النقد الثقافي هو نقد الهامش نشأ متطورا من خلال حركة المجتمع، وليس مُمَأسسا في الجامعة التي ينطلق منها عندنا.
كاتب جزائري