المقاومة النوعية وحتمية الانتصار

حجم الخط
0

تزامناً مع بدء العمليات العسكرية في رفح واحتلال معبرها، استمراراً لمجازر الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، ومع دخول الحرب شهرها الثامن، تواصل المقاومة بكل فصائلها صمودها الأسطوري، وتصديها البطولي للعدوان الفاشي الصهيوني .
وفي الوقت الذي أحرجت فيه الإدارة الأمريكية، وقادة الاحتلال بإعلان موافقتها على مقترح الوسطاء لوقف إطلاق النار، وعقد صفقة تبادل الأسرى؛ اتخذت المقاومة قراراً بتصعيد العمليات ضد قوات الاحتلال. وفي هذا السياق، تخوض المقاومة اشتباكاتٍ ومواجهاتٍ ضاريةٍ من مسافة صفر في شارعي 8 و10 في حي الزيتون، ومخيم جباليا، وبيت لاهيا، ويأتي استهداف مدينة بئر السبع وعسقلان وسيدروت، ومستوطنات الغلاف برشقات صاروخية، ودك تحشدات وتجمعات جنود وآليات قوات الاحتلال في محور نيتساريم ومعبر كرم أبي سالم، حيث تتركز الاستعدادات لمهاجمة مدينة رفح موقعةً خسائر فادحةً بالأرواح، من بينها إصابة الجنرال نائب مراقب المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وإصابة نحو 65 جندياً وضابطاً خلال يومين، حسب اعتراف الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، فضلاً عن مقتل عددٍ آخر، ما شكل مفاجأة وصدمة لقادة الاحتلال.

المقاومة النوعية أكدت أن تفوق الإمكانات بالعتاد والآليات وعدد الجنود لا يحقق نصراً، أمام قوة وإرادة وصمود مقاتلين نذروا أنفسهم للدفاع عن وطنهم المغتصب وقضيتهم العادلة

دلالات ومعان

لقد أظهرت هذه المقاومة النوعية العديد من الدلالات والمعاني التي سترسم ملامح المشهد المقبل في المنطقة. في المقام الأول، أكدت قدرة المقاومة على التكيّف مع ظروف المعركة، باستخدام عنصر المفاجأة، واستغلال نقاط ضعف العدو الذي كان يستعد لاجتياح رفح. في المقام الثاني، دلّلت على المهارة الميدانية للمقاومة في عمليات الاستطلاع والمراقبة، ورصد تحركات قوات الاحتلال، وأماكن تموضعها. وفي المقام الثالث، أوضحت هذه العمليات الأخيرة أن المقاومة هي من تملك اليد العليا في الميدان، والمتحكم في مجريات المعارك، وهي التي تمسك زمام المبادرة وانتقاء الأهداف، وفرض إيقاع المعركة. ورابعاً، أظهرت أن للمقاومة غرفة عمليات وهيئة أركان مشتركة من كل الفصائل، تدير المعركة باقتدار، وفي كل الجبهات ومحاور تقدّم وتوغّل قوات الاحتلال. وأن لكل محورٍ وجبهةٍ تكتيكها المناسب، حسب ظروف العمليات العسكرية والوضع الميداني. وهذا بدوره يؤكد قدرة المقاومة على القيادة والتنظيم والتخطيط وتوزيع المهام واتخاذ القرار. وهذا ما أكده نتنياهو بقوله: «نواجه تحديات لا يواجهها أي جيشٍ حديث». وخامساً، أكدت قدرة وجرأة المقاومة على استدراج العدو والإيقاع به من خلال تعدد أشكال المقاومة، كنصب الكمائن والأفخاخ، وزرع الألغام والعبوات الناسفة، وعمليات قنص الجنود، على الرغم من تعقيدات وخطورة الظروف الميدانية؛ وهذا بدوره يؤكد استمرار الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي. وسادساً، قدرة المقاومة على إعادة تنظيم قواها، والعودة بقوة إلى المناطق التي انسحب منها العدو، وإجباره على التوسع الجغرافي العملياتي، وبالتالي استدراجه إلى توسيع المعركة بإعادة فتح جبهات جديدة، كما حدث في حي الزيتون وجباليا وبيت لاهيا، بعدما أعلن وزير الحرب غالانت في وقت سابق عن انتهاء العمليات في هذه المناطق، بزعمه تحقيق أهدافه، وتفكيك كتائب المقاومة هناك؛ ما أزعج قادة ومسؤولين آخرين، وهددوا بالاستقالة. وأهم هذه الدلالات، أن القدرات الصاروخية للمقاومة، ما زالت في زخمها كما كانت في أيام الحرب الأولى، مكاناً وتوقيتاً وعدداً ومدىً، وأن ما تقوم به المقاومة من ترشيد في رشقاتها؛ إنما هو تكتيك تعتمده لإيصال رسائل سياسية للأطراف كافة، كذلك استعدادها لخوض حرب استنزاف طويلة المدى. وآخر هذه الدلالات، أن المقاومة النوعية أكدت المؤكد، بأن تفوق الإمكانات بالعتاد والآليات وعدد الجنود لا يحقق نصراً ولا يحقق أهدافاً، أمام قوة وإرادة وصمود مقاتلين نذروا أنفسهم للدفاع عن وطنهم المغتصب وقضيتهم العادلة، على الرغم من اختلال موازين القوى مع العدو.

نتائج ومآلات

لقد حملت العمليات النوعية للمقاومة أبعاداً سياسيةً موجهةً إلى الشارع الإسرائيلي الغاضب، والعواصم الغربية؛ أفضت إلى تقوية موقف المقاومة في المفاوضات، كما أظهرت أنه ما زال لديها المزيد من الخيارات، بينما ليس لدى قوات الاحتلال خيارات سوى تدمير المباني والبنى وارتكاب مجازر الإبادة. ومن النتائج أيضا، أن هذه المقاومة النوعية كشفت أن إدارة الحرب ما هي إلا إدارة فاشلة عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، مقابل نجاح المقاومة في عدم تمكين العدو من تحقيق أيٍ من أهدافه، وتعرية وفضح جرائمه، وهزيمة جيشه معنويا ومادياً ونفسياً، وإسقاط سرديته المزيفة، وزيادة عزلته الدولية. ولا يخفى على أحد أن فشل هذه الإدارة أدى إلى إحداث مزيدٍ من الانقسامات والخلافات في الشارع الإسرائيلي، ودوائر القرار، تحديداً بين أعضاء مجلس الحرب، وتهديد بعضهم بالاستقالة أمثال غانتس وآيزنكوت، وما أدلُّ على ذلك من استقالة نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي والمسؤول عن رسم السياسات الاستراتيجية. وهذه الخلافات ازدادت بين قادة الجيش والحكومة بعد إدراك هؤلاء أنه لا يمكن إحراز أي نجاح أو صورة نصر في ظل استمرار هذه القيادة، وعلى رأسها نتنياهو الذي يُصرّ على المضي بالحرب لدوافع شخصية محضة رافعاً شعار «أنا أقاتل أنا موجود». وفي السياق ذاته، أبطلت هذه المقاومة النوعية، استراتيجية قادة الاحتلال في معركة رفح، من خلال استدراجهم إلى توسيع المعركة، وتجاوز الخطوط الحمر التي رسمها الرئيس الأمريكي بايدن لنتنياهو؛ وهذا يعني عسكرياً تشتت قوات العدو وألوية النخبة العاملة هناك، مما يضاعف من خسائره، وسياسياً يعني اتساع الهوة والتباين مع الإدارة الأمريكية، التي تزعم أنها أوقفت شحنات القذائف والقنابل التي تقتل المدنيين، وإذا صح مثل هذا؛ فإنه قد يؤدي إلى مزيدٍ من وقف شحنات الأسلحة من قبل دول أخرى حليفة لدولة الكيان. ومن أبرز مآلات هذه المقاومة النوعية؛ أنها ببسالتها وصمودها الأسطوري أسقطت هيبة ومكانة الجيش الذي يحتل من حيث القوة المرتبة الرابعة في المنطقة والمرتبة الثامنة عشرة على مستوى جيوش العالم، أمام مقاومة ذات إمكانيات متواضعة وفي ظل حصار مستمر منذ نحو 17 عاما.
وآخر هذه النتائج، تزايد قناعة القادة الإسرائيليون بأن هزيمة المقاومة غير ممكن، وأن الجيش وصل إلى طريق مسدود، وعلى القيادة السياسية الإسراع إلى استثمار ما تزعم أنه إنجاز تكتيكي في غزة. في نهاية المطاف، إن المزيد من الصمود والضغط العسكري في هذه العمليات النوعية وتعدد أشكالها، والاستمرار في مخاطبة العالم بمنطق مشروعية نضال ومظلومية شعبنا، وفضح جرائم الاحتلال من إبادة وتدمير، وببراعة التفاوض والثبات على المبادئ، كل ذلك سيزيد من تأثير وضغط الشارع، سواءً الإسرائيلي أو العالمي لوقف الحرب العدوانية الإجرامية، وحتمية الانتصار.
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية