الرباط ـ «القدس العربي»: تبدأ قصة الرشوة بمبلغ صغير جدا في مستشفى أو إدارة محلية مقابل خدمة عابرة وعادية، لكن صاحب الغرض قد يرفض الوقوف في الطابور الطويل، لذلك فإن ورقة مالية من فئة 20 درهما (ما يناهز دولارين) أو 50 درهما (حوالي 5 دولارات) قد تريحه من عناء الانتظار، بيد أنها في الوقت نفسه تلتهم حقّ مواطن آخر تجشّم عناء الحضور باكرا وانتظار دوره.
حكايات الرشوة
الحكايات تتناسل في الأوساط الشعبية، بين غاضب لأن حقه ضاع، وبين من يستعرض سرعة قضاء غرضه باستعلاء ويحسب نفسه صار مقرّبا من تلك الإدارة. لكن الواقع أن من يتسلّم رشوة بمبلغ صغير فهو في أسفل السلم الإداري، ولا يملك سوى التحايل وتقديم شخص على آخر.
حوادث متفرقة تتناقلها ألسن المواطنين لعراك نشب بسبب «طلب» الرشوة أو ضياع حقّ مواطن بعد تقديم شخص آخر عليه. وقد تتخذ الرشوة أشكالا متعددة، منها المحسوبية، وتحضر هنا حكاية فنانة شهيرة رحّب بها موظفو إحدى البلديات بشكل مبالغ فيه، ولم تكن من الرافضين لهذا السلوك التمييزي، فتقدّمت الطابور بكل ثقة. لكن وقع ما لم يكن في الحسبان: مواطنة رفضت ذلك وتصاعدت حدّة النقاش وانتهى بضربة رأس أرسلت «النجمة» إلى المستشفى بأنف مكسور.
ومن طرائف هذه الآفة أيضا: شاب كان ينتظر دوره في الطابور من أجل استخلاص وثيقة، لكن المساعد الإداري المكلّف بالحفاظ على النظام قدّم رجلا أنيقا في مكانه. فما كان من الشاب إلا أن سأله عن غرض هذا المواطن، فكانت الإجابة أنه يريد شهادة إدارية معقدة. لم يتأخر ردّ الشاب، فأعطاه درهما واحدا وقال له: أريد فقط شهادة ميلاد.
العديد من الجلسات الحميمية بين أصدقاء في المقهى تتناقل حكايات الرشوة، منها ما كان يُقدِم عليه البعض في الأرياف، مثل زيارة المسؤول المعين حديثا وهم يحملون معهم هدايا قد تكون خروفا أو عجلا. تلك هي البداية: إعلان النوايا من طرف بعض السكان، خاصة الأعيان منهم، أما البسطاء فيكتفون بأسفل السلم الإداري لقضاء ما تيسّر من مآرب.
العديد من تلك الزيارات لا تنتهي بما يرضي «المهنئين» حين يرفض المسؤول قبول تلك الهدايا، فيعودون بخفّي حنين، وهو إعلان بأن القانون هو القانون ولا يمكن تجاوزه، سواء تعلق الأمر بشهادة الميلاد أو شهادة السكنى أو ترخيص للبناء أو لاستغلال محل تجاري.
الخط الأخضر والخط المباشر
الانزلاقات واردة جدًا في حالات معينة، لكنها لا تنتهي على خير، خاصة بعد إطلاق «الرقم الأخضر للتبليغ عن الرشوة» من طرف وزارة العدل سنة 2015. ورغم الحماس عند الإطلاق، لم يحقق هذا الرقم النتائج الكبيرة المرجوة، وتفيد بعض التقارير الصحافية بأنه بعد حوالي 30 شهرا، كان عدد الملاحقات 36 فقط.
هنا جاء قرار رئاسة النيابة العامة في 2018 القاضي بإحداث آلية بديلة ومتكاملة تتمثل في «الخط المباشر»، يشرف عليه القضاء مباشرة، ومزوّد بعناصر تحقيق، ومكلّف بمعالجة البلاغات وتحويلها إلى محاكمات عند الاقتضاء، بهدف رفع سقف الجدية، وضمان سرعة التدخل، ومحاسبة مرتكبي الفساد.
كانت النتائج مبهرة حقا، إذ مكّن هذا الخط، الذي يُعدّ وسيلة فعالة لتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات العدالة، من الكشف عن عدد مهم من حالات التلبّس، وأسهم في تغذية المسار القضائي المتعلق بالجرائم المالية بمزيد من القضايا.
وبحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن النيابة العامة، فقد استقبل الخط المباشر إلى حدود 31 كانون الأول/ديسمبر 2023 ما مجموعه 77 ألفا و507 مكالمة، عبّر المواطنون خلالها عن حالات يشتبه ارتباطها بالرشوة أو سوء استغلال النفوذ أو تجاوزات إدارية تمس المال العام. ومن بين هذه المكالمات، نفذت تدخلات أفضت إلى ضبط 299 حالة تلبس بالرشوة بين 2018 ونهاية 2023، وهي حصيلة وصفتها النيابة العامة بأنها تعكس ارتفاعا ملحوظا في قابلية المواطنين للتبليغ وفعالية المتابعة القضائية.
وارتفعت حصيلة الخط المباشر في سنتي 2024 و2025، وشهد دينامية أقوى، إذ أدت إلى ضبط 407 أشخاص في حالة تلبس نتيجة للتفاعل السريع بين المبلغين والنيابة العامة والشرطة القضائية.
تمثل هذه الحصيلة مؤشرا واضحا على توسع استعمال الخط وارتفاع مستوى التجاوب مع المواطنين، خاصة في الملفات المتعلقة بالإدارات العمومية والبلديات وبعض القطاعات ذات الاحتكاك المباشر مع المواطنين.
وتشير تقارير المحاكم إلى أن أقسام الجرائم المالية عبر مختلف الدوائر القضائية استقبلت خلال سنة 2024 وحدها 436 قضية فساد مالي، ضمنها ملفات رشوة واختلاس وتبديد المال العام واستغلال النفوذ والغدر وغيرها من الجرائم المرتبطة بالوظيفة العمومية أو صرف المال العام. وبحلول منتصف 2025، صدرت 249 حكما قضائيا في هذه القضايا، بنسبة إنجاز تجاوزت 71 في المئة، ما يعكس سرعة أكبر في البت في الملفات وتعزيزا لدور المحاكم المتخصصة.
ويجمع فاعلون حقوقيون وقانونيون على أن «الخط المباشر» أسهم في تعزيز ثقة المواطنين بآليات التبليغ عن الفساد، خصوصا مع ضمان سرية المكالمات وتدخل النيابة العامة في الزمن الحقيقي، ما يقلص مخاطر التراجع أو الضغط على المبلغين. كما يشكل هذا الخط أداة داعمة للسياسات العمومية الرامية إلى تخليق الحياة العامة، وإعطاء إشارة واضحة بأن الرشوة لم تعد تمر من دون مساءلة.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، يرى مختصون أن هذه الأرقام ـ على أهميتها – لا تعني بالضرورة تراجعا عاما في معدلات الرشوة، بل تعكس زيادة في التبليغ وتطورا في آليات الكشف، في انتظار تقييم شامل يربط بين هذه التدخلات والمؤشرات العامة حول الفساد في البلاد.
المواطن والإدارة.. من الثقة إلى الشك
ويقارب الباحث المغربي عبد الهادي مزراري موضوع الرشوة في المجتمع من زاوية انعكاساتها على علاقة المواطن بالإدارة ودور الأفراد في إعادة إنتاج الظاهرة، معتبرا أنها «من أبرز المعضلات البنيوية التي تقوّض سيرورة التنمية في المجتمعات، خصوصا تلك التي تعرف تحولات اقتصادية واجتماعية سريعة».
ويوضح الباحث، في تصريح لـ «القدس العربي»، أنه «وفق المنظور السوسيولوجي، لا تمثل الرشوة مجرد فعل فردي معزول، بل هي منظومة متشابكة تنتجها بنية ثقافية واقتصادية وإدارية تسمح بامتدادها. إنها ظاهرة تتجاوز حدود المخالفة القانونية لتصبح ممارسة اجتماعية تعيد تشكيل علاقة المواطن بالمؤسسة وتعيد تعريف مفهوم الحق والواجب».
ويرى مزراري أن «العلاقة بين المواطن والإدارة في ظل انتشار الرشوة تتحول من علاقة قائمة على الثقة والشرعية إلى علاقة متوترة يسودها الشك والارتياب»، لأنه «حين يصبح الحصول على خدمة عمومية مشروطا بدفع مقابل غير قانوني، يشعر المواطن بأن الدولة فقدت وظيفتها الأساسية كضامن للعدالة والمساواة. ويؤدي ذلك إلى تآكل رأس المال الاجتماعي وتراجع شعور المواطن بالانتماء، إذ تتحول الإدارة إلى فضاء تقدّم فيه الامتيازات بدل الحقوق، ويفضّل فيه (من يدفع أكثر) على (من يستحق). وهكذا تتعطل مبادئ الاستحقاق والكفاءة، مما ينعكس سلبا على جودة الخدمات العمومية وعلى ثقة المواطن في المؤسسات».
ويشدد الباحث المغربي على أن «المسؤولية لا تقع على الجهاز الإداري وحده، فالمواطن نفسه يشارك، بوعي أو بدون وعي، في إعادة إنتاج الظاهرة. فمن خلال قبول الرشوة باعتبارها (حلا عمليا) لتسريع الإجراءات أو تجاوز التعقيدات الإدارية، يساهم المواطن في تحويلها إلى ممارسة طبيعية. كما يرسّخها بخطاب تبريري يعتبرها (ضرورة اجتماعية) أو (تقليدا معمولا به)، مما يمنحها شرعية رمزية داخل النسيج الاجتماعي».
وهنا ـ يوضح مزراري ـ «تتجلى إحدى المفارقات السوسيولوجية: فالمواطن، بوصفه ضحية للرشوة، يتحول أيضًا إلى فاعل في استمرارها، فيعيد تدويرها داخل المجتمع ويمنحها حياة جديدة».
وفي رأي الباحث، فإن «مواجهة الرشوة تتطلب، إلى جانب السياسات العمومية والاستراتيجيات المؤسساتية ـ مثل تلك التي أطلقتها هيئة محاربة الرشوة في المغرب ـ تحولا ثقافيا عميقا. فلا يمكن استئصال الظاهرة دون ترسيخ وعي جماعي بأن الرشوة ليست مجرد (تسهيل)، بل هي ممارسة ناسفة للتنمية، تعطل المساواة وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص وتقوض مصداقية الدولة. ويبدأ هذا التحول من خلال تمكين المواطن، وحمله على رفض الرشوة والمطالبة بحقه المشروع والاحتكام إلى القنوات القانونية».
وباختصار ـ يقول مزراري ـ «فإن الرشوة ليست مجرد فساد إداري، بل هي ظاهرة اجتماعية معقدة تتطلب إصلاحا مؤسسيا وثقافيا يشارك فيه الجميع، دولة ومواطنين، من أجل بناء مجتمع يقوم على العدالة والنزاهة والكفاءة».
سرطان في جسد المجتمع
الموضوع ليس هيّنًا، يوضح بعض المراقبين، بل هو سرطان يتوجب العمل الدؤوب لعلاج جسد المجتمع منه. فرغم التبليغ والقضايا في المحاكم، فإن مظاهر الرشوة التي يُصطلح عليها محليًا بـ «قهيوة» تتواصل، لأن هناك من هو مستعد لدفعها لأجل غرض عابر أو كبير، وهناك في الجهة المقابلة من هو مستعد لتسلمها، بل يعتبرها من مغانم «الوظيفة» التي يمكن أن تغير حياته، ولا يعرف أنها قد تسوء بمكالمة واحدة.
عموما، وقبل الخط المباشر، كان المواطن يعيش بين فكي ملقط: إما الانتظار لساعات طويلة وربما لأيام قبل استخلاص وثيقة أو قضاء غرض إداري، أو الدفع مقابل السرعة والتعجيل والعودة إلى بيته في أقرب وقت.
الرشوة ليست مجرد مواطن يضيع حقه بسبب ورقة مالية قد تكفي فقط لشرب فنجان قهوة، بل في كون كونها من أبرز الإشكالات التي تقوّض مسار التنمية في المغرب، إذ تكشف المعطيات الحديثة عن استمرار الظاهرة بنسب مقلقة، وتأثيرها العميق على الاقتصاد والخدمات العمومية وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. وتشير تقارير واستطلاعات عدة إلى أن الرشوة باتت تشكل عبئا حقيقيا يهدد فعالية السياسات العمومية ويعمّق الفوارق الاجتماعية.
استطلاعات الرأي
بحسب استطلاعات للرأي، يؤكد حوالي 95 في المئة من المغاربة أن الرشوة منتشرة في البلاد، فيما اعترف 31 في المئة من المستجوبين بأنهم دفعوا رشوة للحصول على خدمة عمومية خلال السنة الماضية. كما يعتقد أغلب المواطنين أن «الوساطة» واستعمال العلاقات الشخصية أصبحتا آليتين واسعتي الانتشار للحصول على حقوق يفترض أن تكون مكفولة من دون مقابل.
وعلى المستوى الاقتصادي، تظهر التقديرات الرسمية أن كلفة الرشوة والفساد تصل إلى حوالي 50 مليار درهم سنويا، أي ما بين 3.5 في المئة و6 في المئة من الناتج الداخلي الخام. ويعد هذا النزيف المالي أحد أهم المعوقات أمام جاذبية الاستثمار، ورافدا لتقويض تنافسية الاقتصاد الوطني، خاصة في القطاعات التي تنتشر فيها الممارسات الريعية أو تتأثر بضعف الشفافية في الصفقات العمومية.
ولا يقتصر أثر الرشوة على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى جودة الخدمات العمومية. ففي قطاع الصحة مثلًا، أكد نحو 17 في المئة من المواطنين أنهم اضطروا لدفع رشوة للحصول على خدمات طبية. كما تؤثر هذه الممارسات على الأداء الإداري اليومي، إذ يرتبط بطء المساطر وتضارب المصالح واستغلال النفوذ ارتباطا وثيقا بفقدان الثقة في المؤسسات وتراجع الشعور بالعدالة والإنصاف.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن الفساد في المغرب أصبح ظاهرة «تتكيف» و«تتطور» مع التحولات الإدارية والرقمية، وتنتقل من «الرشوة الصغيرة» المرتبطة بالأغراض اليومية إلى أشكال أكثر تعقيدًا تشمل التلاعب في الصفقات والتهرب المالي وتبييض الأموال.
ومن جهة أخرى، يتسبب انتشار الرشوة في إضعاف التماسك الاجتماعي، إذ يشعر المواطن بأن الحصول على حقه مرهون بالدفع أو الوساطة، ما يؤدي إلى تآكل الثقة في مبدأ تكافؤ الفرص.
وتبرز هذه المعطيات مجتمعة أن مكافحة الرشوة ليست مجرد ورش إدارية أو تقنية لتحديث المساطر، بل هي معركة قيمية وتنموية تتطلب تغييرًا في العقليات، وتقويةً لدور المؤسسات الرقابية، وتعزيزًا لآليات الشفافية والامتثال في القطاعين العام والخاص. كما تحتاج إلى وعي مجتمعي يُدرك أن الفساد يستنزف ثروات البلاد، ويحد من فرص الشباب، ويعطل المسار التنموي للمغرب.
الهيئة الوطنية للنزاهة
إلى جانب جهود رئاسة النيابة العامة، يبرز عمل «الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها» (مؤسسة دستورية)، من خلال لقاءات وندوات وتقارير تبرز حجم الفساد والرشوة، ولا تنفك تطرح الاقتراحات لمكافحة هذه الآفة. أحدثها تقديم معالم استراتيجيتها الخماسية الجديدة (2025–2030)، معتبرة هذه المرحلة محطة مفصلية لبناء نموذج وطني متجدد للنزاهة والشفافية وتعزيز ثقة المواطن في المرفق العمومي.
وقال رئيس الهيئة محمد بنعليلو، في كلمة خلال مؤتمر صحافي بالرباط لتقديم الاستراتيجية، إن المرحلة الجديدة تقوم على الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي لمواجهة مظاهر الفساد، التي لم تعد، حسب قوله، مجرد اختلالات فردية، بل ظاهرة متحولة تتكيف مع التحولات الرقمية وتشابك المصالح الاقتصادية والمالية. وأضاف أن الفساد يمسّ جوهر التنمية، ويؤثر على تنافسية الاقتصاد وجودة الخدمات وثقة المواطن.