لم تكن هناك مفاجآت حقيقية في مباريات كأس الأمم الافريقية، التي تختتم اليوم بالمباراة النهائية بين صاحب الضيافة والأرض المغرب مع المتألق السنغال، وسارت كل النتائج تقريبا بحسب التوقعات، ولهذا فان المنطق يقول أن «أسود الأطلس» هم على موعد حتمي مع اللقب.
كلنا نعرف أن كرة القدم لا تخضع الى المنطق، وأي شيء قد يحدث خلال 90 دقيقة، فمجرد بطاقة حمراء او خطأ متسرع يفضي الى ركلة جزاء، قد يغير كل أفكار المدربين وخططهم ويؤثر على جهد اللاعبين، لكننا سنبقى أوفياء الى المنطق والتحليل الواقعي، لأن البطولة حتى الآن سارت بهذا الشكل. ورغم أن المنتخب المغرب حتى الدور ربع النهائي والفوز بشق الأنفس على تنزانيا المتواضعة (1-0)، كانت ثقته مهزوزة وسهام الانتقادات موجهة من كل حدب وصوب الى المنتخب وتحديدا الى مدربه وليد الركراكي، لكن الأمور انقلبت «رأسا على عقب» بعد عرضين رائعين في ربع النهائي ونصف نهائي. وأطاح «أسود الأطلس» بالكاميرون ونجمها بريان مبومو من ربع النهائي بالطريقة والنتيجة المعهودتين، ثنائية نظيفة من دون أي تهديد أو فرصة لـ«الأسود غير المروضة». ثم أطاحوا بنيجيريا، صاحبة المشوار المثالي (5 انتصارات متتالية)، وقوتها الهجومية الضاربة (14 هدفا) بقيادة فيكتور أوسيمين (4 اهداف) وأديمولا لوكمان (3) وأكور أدامز (2). وعلى غرار الكاميرون، لم تهدد «النسور الممتازة» مرمى ياسين بونو سوى مرتين بتسديدتين، واحدة منهما كانت على المرمى، لمهاجم أتالانتا الايطالي لوكمان، وكان لها بالمرصاد حارس مرمى الهلال السعودي الذي فرض نفسه بطلا في سلسلة الركلات الترجيحية بتصديه لاثنتين.
ولهذا انقلب حال الركراكي، من مدرب تنهشه سهام الانتقاداته من كل حدب وصوب، الى البطل المنقذ حيث استقبلته وسائل الاعلام بالتصفيق الحار لحظة وصوله الى المؤتمر الصحافي عقب الاطاحة بنيجيريا، ولم تغب تهنئته على إنجاز بلوغ النهائي الثاني في تاريخ المغرب والاول منذ 22 عاما عندما كان لاعبا في نسخة تونس، في جميع الاسئلة التي وجهت إليه، وكان أحدها ما إذا كان انتقم لنفسه بهذا التأهل والاقتراب من اللقب الذي طال انتظاره. ورد الركراكي بالنفي «لا على الإطلاق، لا يتعلق الامر بالانتقام او رد الاعتبار او إسكات المنتقدين أو الحقد. صراحة، كانت حملة قاسية ولكنني لم أتاثر بها، لكن لا بأس، قبلنا ذلك وواصلنا العمل لأنني بطبعي كذلك وفي حياتي الشخصية وليس كرة القدم، أنا إنسان مؤمن وديني لم يعلمني الحقد والانتقام، ومبادئي وقيمي وتربية والدتي ووالدي ايضا. كل ما يهمني هو تقدير الذات، وهذا ما أقوله للاعبين أيضا». وأردف قائلا: «لا أنتظر من الناس أن تقول إنني مدرب جيد أو سيئ، ولهذا يعتبر البعض ذلك غرورا، وذلك لاننا في المغرب لم نترب نفسيا على ذلك، وجئت بمبادئي والقيم التي غرسها والداي فيّ». وأكد أن إيمانه بقدراته الشخصية لا يتأثر بأحكام الآخرين، مضيفا «هناك من يقول أنا ابن عامل بنّاء ولم أحلم ويجب أن أتوقف، وأقول لنفسي أنا ابن عامل بناء وقادر على فعل شيء حتى لو قال لي أحدهم إنني غير قادر. هذه الأمور لا تمنعني من العمل ومن الثقة بنفسي». وتابع إن مسيرته وإنجازاته السابقة لا يمكن أن تُمحى بسبب نتيجة واحدة، «حتى لو خرجنا من الدور الأول، لا يمكن لأحد أن يمحو ما حققته سابقاً. اليوم لن أقول إنني الأفضل، لا أحد منحني شيئا سوى الله. الأهم أن المغرب في نهائي كأس أمم إفريقيا، وربما الضغط الذي تعرضت له هو ما جعلني أركز وأقوم بأشياء غيّرت المنتخب».
وكان واضحاً مدى الروح الكبيرة التي يلعب بها أفراد المنتخب المغرب، الذين استمدوا ذلك من الجهاز الفني بقيادة الركراكي، وبالتأكيد من الجماهير الغقيرة التي آزرتهم بكل ما أوتوا من قوة، وحظوا باشادات النجوم الذين اعتبرتهم «اللاعب رقم 12».
أنا على ثقة بأن الشعب المغربي لن يكون وحده يقف خلف «أسود أطلس» اليوم، بل سيحظى المنتخب بتشجيع كل الجماهير العربية، حتى تلك التي أقصيت منتخباتها من الادوار السابقة، وستستمر حقبة ذهبية في تاريخ الكرة المغربية في كل الفئات السنية ومن الجنسين (الرجال والسيدات)، لتتشكل حالة، أو ميزة ستبقى ملتصقة بمنتخبات المغرب، حيث أوضح الركراكي: «يجب أن نغيّر حمضنا النووي. يجب أن نعتاد على لعب نصف النهائي. كلما كنا أكثر انتظاما، زادت فرصنا في الفوز بالألقاب»، حيث فعلها المغاربة في السنوات الأخيرة باحراز الألقاب أو الوصول الى مستويات غير مسبوقة على غرار مونديال 2022 وكأس العالم للشباب 2025، عدا عن إنجازات الأندية، فكيف الحال منطقياً عندما يكون في أرضه وبين جماهيره وبينه وبين الكأس 90 دقيقة فقط، فمن المؤكد سيمضي المغرب مدفوعا بمجموعة متماسكة، وجمهور متجدد، ومدرب حافظ على المسار رغم الانتقادات، وبدعوات ملايين العرب.