منذ عام 2011، مرّت تونس بتحوّلات سياسية معقدة، في طريق استيعاب مفهوم الدولة باعتباره شرطا أساسيا وجوهريا يفضي إلى تمثّل مهمّات الإصلاح الحقيقية بروح وطنية صادقة. ولكن طريق التأسيس لمشهدية سياسية جديدة مرّ بمطبّات كثيرة، وما زالت تونس تواجه تحديات جمّة على المستويات السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية. أمام كل هذا، لا يمكن للبلاد أن تستمر في تجاهل الأسئلة المصيرية حول استقرار النظام السياسي والوضع الاقتصادي والحريات العامة. فالإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في 25 تموز/يوليو 2021، والتي شكّلت نقطة تحوّل جوهرية في المسار السياسي للبلاد. من خلال تجميد البرلمان، وإقالة الحكومة، وتعديل الدستور، وتوسيع صلاحيات الرئاسة، أعادت إلى الأذهان بعض سمات النظام السياسي ما قبل الثورة، ما أثار قلقًا داخليًا وخارجيًا بشأن مصير الديمقراطية في تونس. في هذا السياق، تبرز أسئلة جوهرية حول آفاق المسار السياسي في البلد ومستقبل الحريات المدنية والسياسية. هل سيمكن لتونس أن تعيد ترتيب أوراقها السياسية بما يضمن استقرارا ديمقراطيا حقيقيًا؟ أم أن البلاد ستواصل الانزلاق نحو تآكل المكتسبات الديمقراطية؟ هذه الأسئلة محورية لفهم الاتجاهات المستقبلية لتونس، لا سيما في ظل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها.
مشهد سياسي
جديد أم انتكاسة للديمقراطية؟
المسار الذي تسلكه البلاد الآن يشهد تحولًا ملحوظًا بعد الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في 25 تموز/يوليو 2021، والتي وصفها البعض بالانقلاب على مؤسسات الدولة، ويرون الأمر قد آل إلى انحسار واضح للحريات في الوقت الذي يتعاظم فيه الارتباك السياسي والاجتماعي، ويواجه التونسيون مزيدا من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. في المقابل يعتبرها آخرون ضرورية لإصلاح الوضع السياسي المتأزم. على قاعدة أنه بقدر ما تحترم الثوابت الكبرى في علاقة بحقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية، فإنها تدفع إلى التشاركية المواطنية في أقصى درجاتها سواء في علاقة بالحكم أو بمحركات التنمية الاقتصادية، تجسيدا لرؤية جديدة في التنظيم السياسي في تونس تقوم على مركزية المجتمع المدني، أو ما يسمى التنظيم الذاتي للحشود في صناعة القرار السياسي. طيلة العقد الماضي، ساد منطق الحكم الذي يقوم على المحاصصة والتمكين. وانتهى التفكير الغنائمي، والرغبة في السيطرة على مؤسسات الدولة إلى خلق هوّة سحيقة بين شرائح الشعب الواسعة ومكوّنات المجتمع السياسي، الذي لم يتفاعل بجدية مع الشأن العام واستحقاقات الثورة. تفاقمت الازدواجية الحزبية والانقسامات السياسية، فأضعفت مؤسسات الدولة وأثّرت سلبًا على أداء الحكومات. وتزامن الصراع السياسي مع تدهور الوضع الاقتصادي، حيث ارتفعت معدلات البطالة والفقر، وهو ما عزز مشاعر الإحباط لدى التونسيين. هذه المشهدية أوصلت إلى إجراءات 25 تموز/يوليو، الخطوة التي أحدثت جدلا واسعا بين مؤيدين ومعارضين، حيث رآها البعض ضرورية لتصحيح مسار الثورة، بينما اعتبرها آخرون خروجا عن المسار وتحريفا لأهدافه.
تداعيات الأزمة وضرورات الإصلاح
تدابير 25 تموز/يوليو التي مثلت رجة للأحزاب السياسية مجتمعة، وترجمت حالة السخط الشعبي إزاء أداء المنظومة السياسية التي كانت تقودها حركة النهضة والأحزاب المتحالفة معها. وإن كان البعض يرى في هذا المسار رؤية جديدة في التنظيم السياسي في تونس تتويجا لنضالات طيف سياسي واجتماعي على امتداد العشرية الماضية، ورحب بهذا المسار باعتبار أنه رفع شعار مكافحة الفساد وطي صفحة الماضي، فإنّ البعض الآخر ما زال يعتبره انتكاسة مضادة للديمقراطية. أمام هذه المشهدية لا بد من التأكيد على أنّ استمرار الانقسام السياسي يعني مرحلة أعمق من الاستقطاب الحاد تتجه نحوها تونس، الأمر الذي سيعمق الأزمات الداخلية. ومن المرجح أن تتفاقم المشاكل في حال استمر الإضعاف التدريجي للمؤسسات الديمقراطية مثل البرلمان والمحاكم المستقلة. وفي ظل الوضع الحالي، قد تواجه تونس صعوبة في استعادة النمو الاقتصادي والتغلب على أزمات البطالة، وصعوبة أكبر في الوصول إلى التمويل الدولي وجلب الاستثمارات الخارجية.
الشعوب لا يمكن أن تظلّ رهينة بيد المضاربين السياسيين وأصحاب الصفقات في سوق الكساد السياسي وتضارب المصالح. اليوم، تقف تونس أمام مفترق طرق، حيث تتراجع الحريات السياسية والنقابية، ويجد المواطنون أنفسهم في مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، في وقت تضع فيه السلطات يدها على مفاصل النظام السياسي، وتقيّد مساحة التعبير والمشاركة. ولكن رغم كثرة الضغوط وتفاقم حجم الانقسامات، لا يزال أمام تونس فرص لتحقيق التقدم السياسي والديمقراطي. وبالتأكيد، هذه الفرص مشروطة بتجاوز الكثير من التحديات في مقدمتها المقاربة السياسية والضرورات الاقتصادية:
-تونس بحاجة إلى إصلاحات سياسية تشمل تعزيز استقلالية البرلمان، إعادة التوازن بين السلطات، وضمان تمثيل عادل لجميع الفئات الاجتماعية. وهي بحاجة إلى صيغة توافقية بين السلطة والمعارضة، وبين الحكومة والمجتمع المدني، للمضي قدمًا في تعزيز الوحدة الوطنية. من المهم أيضا أن يتم العمل على تعزيز الحريات العامة، بما في ذلك حرية الصحافة وضمان حقوق المواطنين في التعبير عن آرائهم. بناء على ذلك، المؤسسات السياسية والاجتماعية يفترض أن تجدّد نفسها باستمرار وأن لا تفرز جهازا بيروقراطيا فاسدا يتحول شيئا فشيئا إلى برجوازية ريعية تنهب مؤسسات الدولة، ويصبح الشعب بمثابة خصم أمامها، ما يعني سيادة واقع الديكتاتورية في المجتمع، فلا معنى في الحقيقة للانتقال من رأسمالية الدولة الشمولية إلى مشهد حكم أكثر تغوّل ليس بذاته إمكانية ديمقراطية.
-أن تقوم بإصلاحات اقتصادية تشمل تحسين القطاع العام، تعزيز الشفافية، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات. ويبقى العنصر المهم جدا هو الشباب الذي يمثل نسبة كبيرة من السكان، وهو يواجه تحديات كبرى تتعلق أساسا بالبطالة وفقدان الثقة في الأنظمة السياسية المتعاقبة. إشراك الشباب في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل عملي لا دعائي سيكون أساسيًا لمستقبل تونس. من الضروري تعزيز حماية الحقوق المدنية، والعمل على ضمان حرية التعبير، فهي تشكل أساسًا لبناء مجتمع ديمقراطي يظل قادرًا على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية. في الأثناء، المجتمع المدني في تونس يظل أحد القوى الفاعلة تاريخيا ووثائقيا، وعليه أن يقوم بدوره في إعادة التوازن بين الحقوق والحريات. طبعا هذا مشروع نضالي وإن كان له ثمن، لا بد أن تستميت منظمات المجتمع المدني في مهماتها الوطنية وتعمل على نشر الوعي الحقوقي، ومتابعة الانتهاكات، وتسليط الضوء على كل أشكال الفساد.
رهانات المرحلة:
بين الأزمات المتراكمة وفرص الإنقاذ
الانتقال الديمقراطي الذي يُفترَض أن يتمّ على المستوى الدستوري والقانوني وعلى المستوى السياسي، ويُترجَم على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي غير ناجزٍ من الناحية العمليّة، وتكديس النصوص لا يعني تجديد الفكر الدستوري أو الفكر السياسي. فالمنظومة السياسية مضطربة، وما أثبت عدم جدواه لم يُستعض عنه بسواه. يبدو أنّ العامل الرئيسي الذي سيحدد مصير تونس في السنوات القادمة هو كيفية تفاعل السلطة مع المعارضة والمجتمع المدني، وكيفية إرساء موازنة بين الاستقرار والحرية. المسار السياسي والاقتصادي في تونس اليوم يشهد تحديات كبيرة، لكن أمامها أيضًا آفاقًا واعدة إذا ما تمّ التغلب على التحديات الحالية، وفي مقدمتها التفاعل السياسي الإيجابي، والإصلاحات الاقتصادية الجذرية، وتعزيز حقوق الإنسان والحريات المدنية لضمان تحقيق استقرار طويل الأمد. فاتّباع نفس السياسات التي كانت قبل ثورة يناير 2011 والابقاء على نفس الخيارات والاشتغال على خطاب الأزمة بشكل مستمرّ كأداة لإدارة الحكم أوصل التّونسيين إلى الإحباط. وشعورهم بتبخّر آمالهم التي تقاسموها أثناء هبّتهم الشعبيّة التي أسقطت نظام الحزب الواحد، وانسداد الأفق وتفاقم الفقر والبطالة وضعف المقدرة الشرائيّة واستفحال الفساد ينهض دليلا على خيبات الاقتصاد والسياسة وعجز الأنظمة عن تقديم بدائل حقيقية تزرع الأمل بالتغيير.
سؤال المستقبل:
هل تحافظ تونس على ديمقراطيتها؟
التعريف الواضح للمصلحة الوطنية لا بدّ أن يكون بالمثل مرشدا إلى السياسة القائمة على المبادئ والقيم، والمتفاعلة مع وجدان الشعب الذي يستحق حياة كريمة. والفضائل الممكنة أو المتخيّلة لا تسوّق نظريّا بل تُترجم عمليّا بالنظافة والترميم، والتوجّه لخدمة المصلحة الوطنية والاخلاص للأمانة. والفوضى السياسية وغياب الرؤية تغذي الانهيارات غير المسبوقة للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ما بالك بمواصلة الدولة تخلّيها عن دورها المركزي في التخطيط الاستراتيجي في المجال التنموي ومراعاة التوازن الطبقي والجهوي. بلد يصل إلى هذه المرحلة يستحق الانقاذ قبل أن يفوت الأوان. في المحصلة، ما يعيد الحياة للمؤسسات الديمقراطية المستقلة هو التوافق السياسي الواسع الذي يضمن التعددية. ويمكّن البلاد من أن تستعيد مسارها الديمقراطي، الذي يضمن عدم الاستفراد بالحكم وشخصنة السلطة أحاديا بصلاحيات فرعونية، دون أن يرى الشعب اصلاحات تمسّ واقعه اليومي خاصة المعيشي منه.
هكذا تطرح المعادلة التونسية الصعبة سؤالها الرئيسي: كيف يمكن أن يمضي التغيير الذي ينشده التونسيون إلى أبعد نقطة ممكنة من دون اهتزازات في الاستقرار العام، أو انجراف لفوضى لا يتحملها البلد المنهك، أو نيل من قواعد دولة القانون؟ ويبقى التساؤل الأهم: هل ستتمكن تونس من الحفاظ على مكاسبها الديمقراطية؟ أم أن الفضاء العام سيستمر في الانكماش؟ وهل ستكون هناك فرصة لإصلاح الوضع السياسي والاقتصادي بما يعيد الحريات إلى مسارها الطبيعي، ويكرس دولة الحق والقانون وينفذ إلى تحسّن الواقع الاجتماعي للمواطنين؟ يبقى الأمل قائما بغد أفضل..