المصنع السياسي الجديد: امتصاص أم إعادة هيكلة؟

إذا كان الرئيس الفرنسي ممن جسدوا واقع أن الخلية – الأصل للممارسة السياسية تحولت تحت تأثير الحركة أو التجمع، فقد مهدت تطورات الأحداث السياسية، بالمفهوم الأصلي للسياسة أي الشأن العام، لسيرورة هذا التحول. بما لا يترك مجالا للشك، لقد فتح القرن الحادي والعشرون عهدا سياسيا جديدا وجديرا بتسمية عهد الحركات أو التجمعات .
فلا إسبانيا  «Los indignados»ولا أوكرانيا «الثورة البرتقالية»، ولا أمريكا الـ»Tea Party»، ولا فرنسا «السترات الصفراء» سلمت من بروز حركية أقعدت المنظرين عن التمادي في إرجاء القاعدة إلى مجرد متغير من متغيرات حساباتهم، بدل إسنادها إلى حكم المقصد، في زمن آن فيه وقت الحديث عن مقاصد السياسة .
مقاصد السياسة، تحددها الخلية – الأصل الجديدة، الحركة – التجمع، التي ينظر إليها كثيرون بمنظار الانقسام والتشرذم الفضفاضين، فيما يحتم الواقع إدراك أن ما اصطبغت به من تلوينات، وتطبعت من توجهات يخفي قاسما مشتركا وازنا نجمله في ما يلي:
ـ ارتفاع معدلات التضخم والأسعار، ما يولد تدنيا للقدرة الشرائية.
– تفاقم البطالة جراء اتساع الفجوة بين العرض والطلب بمفعول الثورة الرقمية.
– ارتفاع الضرائب الذي يستهدف الشريحة الأقل يسرا من الطبقة المتوسطة.
– سوء توزيع الثروات، المتمثل في عدم انتفاع الأطراف المتضررة من ثمار النمو.
– تضايق سكان المدن المتوسطة والصغيرة  والأرياف من تمركز السياسات المحلية في العواصم.
ـ تقطع صلات المنتخب بالمواطن.

المستوى المحلي في السياسة الفرنسية، المتغير الأسمى الذي يقود كل عملية إعادة ترتيب للأوراق عندما تحل أزمة فكر سياسي بالبلد

ولعل المثالين الأخيرين من أهم الحوافز التي دفعت باتجاه إعادة هيكلة الواقع الحزبي الفرنسي، أو بعبارة أخرى المنظومة السياسية الفرنسية، التي تأسست على القطيعة الأيديولوجية يمين/ يسار .لقد بقي المستوى المحلي في السياسة الفرنسية، المتغير الأسمى الذي يقود كل عملية إعادة ترتيب للأوراق عندما تحل أزمة فكر سياسي بالبلد. لقد دخلت فرنسا مرحلة البحث عن خط سياسي جديد، أو بالأحرى مجدد، يضمن سلالة من القيم مبنية على مقومات هوية سياسية رسمها مثلث ثلاثي الأضلاع، يشمل الأرض، السلطة، المبادرة الاقتصادية والديمقراطية المحلية. والديمقراطية المحلية، لكونها القبة التي تتحرك في فضائها المتغيرات الأخرى، تعطي لأطوار اليمين الفرنسي، والمنعرج الذي يمر به حاليا، لمحة واضحة عن اجتثاث الأحزاب من جذورها، الكامن هنا في بتر الجذور القروية الريفية عن اليمين الفرنسي، الذي فقد إحدى ساقيه ليسير على ساق واحدة، ساقه الاجتماعي – الديغولي، ذلك الذي واصل جاك شيراك إرساءه مكرسا المشروع، بتأسيس حزب التجمع من أجل الجمهورية (RPR) الباقية آثاره توجها وإرساء لا إسما، فكرا وممارسة تجليا أيضا أثناء فترة ولاية جورج بومبيدو، حين اجتهد بومبيدو وشيراك في اقتفاء توجهات الجنرال ديغول، المستفيد أصلا من فترة الرخاء الاقتصادي العالمي، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
أما الساق المبتورة، فساق الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية (UDF)، حزب تأسس أولا دعما لحملة الرئيس جيسكار ديستان فأوصل صاحبه إلى النجاح أساسا، لأنه استقطب سكان المدن والأرياف، وأرسى داخل الهياكل التمثيلية للدولة بين برلمان ومجلس شيوخ ومجالس بلدية ممثلين عكسوا مشاغل الفرنسيين وشؤونهم وشجونهم  على المستوى المحلي.
تغيرت الخريطة السياسية الفرنسية كما نعلم، بحيث عرفت «نمذجة» جديدة قادها حزب «إلى الأمام»، حين قوض «اليمين» و»اليسار» بوصفهما تشكيلتين سياسيتين متنافستين متعارضتين. لقد قوض الحزب الحاكم في فرنسا التشكيلتين وفق المعايير التي تحددها تقليديا، لكنه لم يقوض الأفكار، وإذا كانت التوجهات الأيديولوجية التقليدية تمر بأزمة فعلاً، فليس حزب «إلى الأمام» نفسه بمنأى عن الشروخات، ومن الشروخات التي تقف في المرصاد، والتي رصدتها فعلا ساق اليمين الفرنسي الأعرج، يمين الأرياف والقرى، ضعف الإرساء المحلي للحزب الحاكم، وبالتالي حاجته الملحة إلى ممثلين في المناطق والمدن المتوسطة والصغرى والأرياف التابعة لها. حينها، ستؤثر إعادة الهيكلة حتما على التشكيلة التي فرضتها، كما على التشكيلات التي تسعى لاستقطابها، لأن أي تحول يمر عبر تعايش للأفكار، وربما تلاقحها وفي كل الأحوال ليس امتصاصها.
هنا، مرة أخرى، الأيام بيننا.
باحث إعلامي وكاتب فرنسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية