لماذا لم يأخذ الملأ في الأرض المحتلة إعلام السلطة في مصر على محمل الجد؟!
فلك أن تتخيل كيف سيكون الحال لو أن إعلاميًا إسرائيليًا وقف في مؤتمر صحافي وطلب من نتنياهو ردّه على ما أذاعه إعلامي محسوب على النظام المصري من أنه يتولى منصب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين والتنظيم الدولي للجماعة!
ولك أن تتخيل أن يتقدم عضو في الكنيست، باستجواب، أو طلب إحاطة، أو حتى سؤال، حول ما رددته قناة مصرية معتبرة، وليست «موجة كوميدي»، من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي عضو نشط في جماعة الإخوان المسلمين، وأنه في تعاون مع الجماعة حد أنه من يديرها، وأن إدارته لا تقتصر على التنظيم المصري، ولكن تمتد إلى إدارة الجماعة على مستوى العالم، وانتقل الأمر من قناة يملكها وكيل مجلس النواب رجل الأعمال محمد أبو العينين، إلى جريدة تمتلكها الشركة المتحدة، وهي شركة رسمية مسؤولة، لا تصدر جريدة «البعكوكة» التي هي صحيفة هزلية كانت تصدر قديمًا في «أم الدنيا»!
من المؤكد أنهم في الأولى كانوا سيتعاملون مع الصحافي السائل على أنه مسخرة، وستضج القاعة بالضحك. وفي الثانية سيتم طلب النجدة لاصطحاب النائب إلى أقرب مصحة نفسية! بل لماذا لم تتعامل السلطة المصرية نفسها التي تتبنى هذا الخطاب بجدية مع الاتهام المعلن لرئيس وزراء إسرائيل بأنه المرشد العام لجماعة الإخوان ورئيس تنظيمها الدولي؟! فتصدر نيابة أمن الدولة العليا قرارًا بضبطه وإحضاره، وتطلب السلطة المختصة من الإنتربول وضعه على قوائم الإرهاب، باعتباره مطلوبًا للعدالة في مصر؟!
إهانة الإعلام المصري
على مدى يومين، وربما أكثر، فإن مقدم البرنامج اليومي الرئيسي في قناة «صدى البلد» ردد الاتهام، وكونه كرر هذا الخطاب بعد اليوم الأول، فالمعنى أنه لا يقدح من رأسه، ولو كان متطوعًا بهذا الدفع، لتلقى اعتراضًا من السلطة في المرة الأولى.
أقصد اعتراضًا من رأس النظام، وليس من المؤسسات المسيرة لا المخيرة، مثل المجلس الأعلى للإعلام، المسؤول عن ضبط الأداء الإعلامي بنص القانون. ولا تثريب عليه إن غض الطرف تمامًا حول ما يعد إهانة تلحق بالإعلام المصري، ولا يوجد أحد في الداخل أو الخارج أو حتى في إسرائيل صدق هذه الرواية، بل لا يوجد من تعامل معها على أنها تصدر من إعلام مسؤول، فلم يستنكر نتنياهو – مجرد الاستنكار- توجيه اتهام خطير له على هذا النحو، ومن منبر إعلامي جاد، وهو ما شاركته فيه جريدة «الدستور»، وهذا من شأنه أن يفقد الثقة في كل اتهامات السلطة لخصومها.
فهل يُعقل أن يكون عدم تدخل السلطة، يعني أنها من تقف وراء هذا الاتهام، والتي لم تستدع السفير الإسرائيلي في القاهرة – ولو من باب ذر الرماد في العيون – لإبلاغه احتجاج مصر الشديد على انخراط رئيس وزراء إسرائيل في جماعة مصنفة في مصر على أنها جماعة إرهابية يجرّم القانون من ينتمون إليها؟! هذا إن لم يتم اعتبار السفير شخصية غير مرغوب فيها. وليس بعد حرق الزرع جيرة (أي حديث عن حقوق الجوار)، ولاسيما وأن هذه الجماعة متهمة بأنها قتلت ضباطًا من الجيش والشرطة!
فالنظام المصري نفسه لم تنطل عليه هذه الرواية، فكيف سمح بها، إن لم يكن أمر ببثها وترديدها؟! فيعلنها إعلامي محسوب عليه، والجنين في بطن أمه يعلم أن هذا الخطاب لا يمكن أن يمر إلا برضا السلطة، إن لم يكن بأمر منها، ليكون السؤال الأهم: ما الهدف من مثل هذا الخطاب الإعلامي الموغل في العبث؟!
موت الكتابة الساخرة
أدرك أنه من الجنون أخذ هذا الكلام على محمل الجد، ونقاشه ولو بشكل ساخر، لأني أدرك أن أداء السلطة وأذرعها الإعلامية منذ عام 2013 قضى تمامًا على الكتابة الساخرة، فصار الأداء المسؤول متجاوزًا هذا اللون من الكتابة. ثم يسألني البعض لماذا لم تعد تكتب ساخرًا كما كان الحال من قبل؟ فمن يمكن أن يجاري هذا الواقع العبثي أو يتفوق عليه؟ وإذا كان هناك لون من الكتابة الساخرة لغير المحترفين، يعتبرها «نكتة» أو «قفشة»، فهل تستطيع «النكات» أو «القفشات» أن تصل إلى مستوى اتهام نتنياهو بأنه المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين؟! لقد أحالت المرحلة الكتابة الساخرة إلى التقاعد، ولو كان محمود السعدني على قيد الحياة لأعتزل القراءة والكتابة معًا!
من العبث أن نتحدث عن أن الديانة تحول دون انخراط نتنياهو في جماعة الإخوان، ومن العبث كذلك القول: كيف تكون حركة حماس إخوانية باعتراف الإعلام المصري نفسه، وفي الوقت ذاته فإن نتنياهو هو رئيس التنظيم الدولي للإخوان، وحماس فرع منه؟!
هذا كله يعد انخراطًا في مشهد عبثي لن يزيده سوى عبثية، لكن يظل غير العبث هو السؤال عن الهدف من هذه الرسالة الإعلامية، فماذا يريدون؟!
قلق النظام وحبوب الهلوسة
من يتابع الخطاب الإعلامي هذه الأيام سيشعر أن هناك ما يقلق أهل الحكم، من خلال ما يتردد عن مخططات خارجية تستهدف النظام الحاكم. وفي مرة سابقة قالوا إن المخطط الخارجي يستهدف أن يقوم المصريون بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، والبرامج هذه الأيام تدعو إلى الالتفاف حول القيادة السياسية لمجابهة هذه المخططات. وأنظر إلى المشهد فلا أشعر بشيء من هذا، فيبدو لي ما يجري كمن تعاطى حبوب الهلوسة، وظل ليله كله يحمل حذاءه ويخوض حربًا مع كائنات لا يراها إلا هو!
ومن العجب أن تكون هذه التصورات ممن في السلطة، والأصل أنها تصدر من الذين يعيشون واقعًا من الاضطهاد أكثر من قدرتهم على الاحتمال، فيهربون من واقعهم إلى الخيال، فيكون الشعار: إن الانقلاب يترنح! أو يعوضون هذا العجز عن حل مشاكلهم في اليقظة، بحلها في الأحلام، فتكثر الأحلام في المعتقلات مثلًا، وهو ما يخبر به الذين قضوا فترات طويلة في السجون بلا أمل!
وقد انتهيت منذ عدة شهور من قراءة مذكرات وزير إعلام عبد الناصر، محمد فائق، والذي قضى سنوات في السجن في قضية مراكز القوى في مايو/آيار 1971، وتحدث عن رفقاء السجن الذين تخصصوا في الأحلام التي تُؤول على أنها انفراجة وخروج من السجن.
وانتهيت بالأمس من القراءة الثانية لمذكرات وزير الأوقاف المصري الأسبق عبد العزيز كامل، والذي سُجن في عهد عبد الناصر كونه عضوًا في مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين، وروى كيف أن الأحلام من هذا النوع كانت من اختصاص الأمين العام للجماعة وصهر الإمام البنا عبد الحكيم عابدين. ففي كل ليلة حلم، حتى سأله أحد الحراس: ألا ترتاح ولو لليلة واحدة من هذه الأحلام؟ وقد شاع مصطلح «حلم اليوم»، مشتقًا من اسم جريدة «أخبار اليوم»!
البديل ليس الإخوان
بيد أن هؤلاء يتغلبون على يأسهم بالأحلام المبهجة، وأن يسرح أحدنا في الخارج في تصورات على أن الانقلاب يترنح فهذا طبيعي، حتى وإن لم تكن هناك دلائل على ذلك. لكن أن تصدر هذه البشريات من إعلام السلطة، حتى الفزع، فهذا ما يحتاج لتفسير، لاسيما وأن الفزع أنتج خطاب «الحرب الكونية» التي يتعرض لها النظام المصري، ويذهب بأصحابه لخزعبلات مثل: «نتنياهو هو المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، ورئيس التنظيم الدولي للجماعة»!
فنحن أمام حالة هلع. والأزمة أن هذا الفزع في الأداء لا يعرض تفاصيل المخطط، غير الحديث عن «مؤامرة»، والدعوة للالتفاف حول القيادة. ومن شروط خوض المعارك أن يعرف المشارك فيها مع من؟ خشية أن يخطئ في اختيار خصومه فتوصف بأنها نيران صديقة!
الجيّد في الأمر هو هذا الإيمان بأن رمي الخصم بأنه يعمل وفق أجندة إسرائيلية لا يزال من المهلكات سياسيًا. لكن اللافت أنه خطاب فاشل، فهل يمكن أن يصدق أحد في مصر أن نتنياهو هو المرشد العام للإخوان؟ أو حتى متعاونًا مع الإخوان؟ أم أنها رسالة للإقليم الذي انحاز للانقلاب العسكري ودعمه بمليارات الدولارات (توقفت الآن)، أن الإخوان قادمون بعد تحالفهم مع نتنياهو؟ ولماذا لا يزال التعامل مع الإقليم على أنه في مرحلة ما قبل الدولة، وفي زمن الخيام، وأنه لا يملك أجهزة استخبارات تعلم أنها «المسخرة»؟!
وهل يتصور الذين يتحدثون عن المخططات الخارجية، أن الداخل المصري منزعج فعلًا من عودة الإخوان؟! وهل يعتقدون فعلًا أن المسرح لم يعد فيه سوى هم والإخوان، وليس البديل يمكن أن يكون من عسكريين سابقين ينتظرون الفرصة؟ وأن دولة مبارك «تلبد في حقول الذرة» انتظارًا للحظة المواتية؟ وفي الصورة الآن يظهر جمال مبارك، وحسام بدراوي، أحدهما صامت تمامًا، والثاني يشارك في برامج تلفزيونية وعلى برامج البودكاست التي انتشرت انتشار النار في الهشيم بشكل يصعب على المرء متابعتها!
لا بأس، فنتنياهو هو المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين… فماذا أنتم فاعلون؟!
بالمناسبة، أين قناة «موجة كوميدي»؟!
صحافي من مصر