المجموعة القصصية «دعابل»: من كريات الزجاج إلى شظايا السرد

عندما نفتح مجموعة «دعابل» الصادرة عن دار السرد 2024 للقاص رياض داخل، فإننا لا نعبر إلى حيز قصصي تقليدي، بل نلج عالماً مشغولاً على الحافة، حيث التفاصيل التي تبدو عابرة تكتسب ثِقلاً غير متوقع، وحيث اليومي ـ بكل ما فيه من انكسار أو مفارقة ـ يتحول إلى نواة رمزية تضيء أبعد مما توحي به. هذه القصص، وإن جاءت في أشكال قصيرة، لا تُختصر في بنيتها الظاهرية، بل تنبسط زمنياً في داخل القارئ، كأنها تتسع كلما أعيد تأملها.
منذ القصة الأولى المعنونة «نعل» يتضح أن «دعابل» ليست مجرد نصوص لحظة أو ومضات عابرة، بل هي محاولة واعية لتحويل الحكاية إلى أثر، إلى أثر يظل متردداً في الذاكرة، بعد أن تُطوى الصفحة. هذه السمة تمنح الكتاب كثافة خاصة، كأنه كتاب يُقرأ بالعين ويُعاد تذويبه في الذهن على شكل صور متلاحقة.

اللغة ككائن حي

لغة رياض داخل في هذه المجموعة تبتعد عن الزينة، ولا تستسلم لسطح البلاغة. إنها لغة مشدودة : صلبة في ظاهرها، لكنها محملة بطاقة شعرية داخلية. الكلمات تأتي مكثفة، كأنها تحاول أن تقول أكثر مما تسمح به حدود الجملة. لذلك، فإن القراءة لا تكتفي بمتابعة أحداث، بل تصغي إلى إيقاع خفي يتخلل النصوص. ثمة شيء من «المعدن الخام» في هذه اللغة، حيث لا يذوب النص في سلاسة زائدة، بل يحتفظ بصلابة متمردة على التدجين. وهنا تكمن قوته: اللغة لا ترضي القارئ بيسر الاستهلاك، بل تستفزه ليقف، يعيد القراءة، ويشعر بأن خلف كل كلمة ظلاً آخر.

بنية القصص: اقتصاد السرد واتساع المعنى

القصص في «دعابل» تميل إلى القصر الشديد، لكنها ليست مجرد «قصص قصيرة جداً» وفق الاصطلاح الشائع. إنها نصوص مضغوطة، محكومة بدقة اقتصادية، لكنها تُبنى على وعي بأن القصر لا يعني الاكتمال، بل الانفتاح. النص ينتهي عند نقطة معينة، لكنه يترك خلفه فراغاً يطلب من القارئ أن يملأه. هذا الفراغ ليس نقصاً، بل هو جزء من المعمار الفني. كأن الكاتب يتعمد أن يُبقي فجوة في البناء، فجوة هي التي تمنح النص قابليته على أن يتنفس في ذهن المتلقي. إن ما لا يُقال في «دعابل» لا يقل أهمية عمّا يُقال، فالمعنى يُصاغ من هذا التوتر بين المنطوق والمسكوت عنه.

الشخصيات: ظلال وأصداء

الشخصيات في «دعابل» ليست مرسومة على نحو تقريري أو تفصيلي، بل تُقدَّم كظلال أو شذرات. قد تكون هيئة عابرة في الشارع، أو صوتاً يتسرب من الخلفية، أو ذاكرة شخص يكاد يتلاشى. هذه الشخصيات تبدو في الغالب كأصداء أكثر من كونها كيانات مكتملة. لكن هذا «النقص» ليس ضعفاً، بل استراتيجية سردية. فالقارئ لا يُمنح شخصية ليطمئن إليها، بل يُلقى في مواجهة حضور هش، متشظٍّ، لا يُقبض عليه بسهولة. وهنا يتحول فعل القراءة إلى محاولة لإعادة تركيب هذه الشذرات في صورة أكبر.

المكان: مسرح الذاكرة والمحو

المكان في «دعابل» ليس مجرد إطار جغرافي. الأزقة، البيوت القديمة، تفاصيل الشارع، وحتى الغبار، تتحول إلى شخصيات موازية. إنها الأماكن التي لا تُذكر باعتبارها خلفية للأحداث، بل بوصفها ذاكرة حيّة. المكان يتنفس، يتألم، يقاوم النسيان. لكن هذه الأمكنة ليست مستقرة، بل مشغولة بالمحو. إنها أماكن مهددة دائماً: بالخراب، بالزوال، بالتبدد. وهذا ما يجعل حضورها في النصوص مكثفاً: كأن الكاتب يحاول أن يستبقيها عبر الكتابة، أن يمنحها فرصة أخرى لمقاومة الفناء.

اشتغال الذاكرة: من الخاص إلى الجمعي

تتكرر في «دعابل» إشارات إلى تفاصيل تبدو شخصية أو يومية، لكنها سرعان ما تتخذ بعداً جمعياً. هناك دائماً حركة من الخاص إلى العام، من الفردي إلى المشترك. إن استدعاء لحظة صغيرة ـ كلمة، إيماءة، أو حتى صمت ـ يتحول إلى مدخل لتأمل مصير إنساني أكبر. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص المجموعة: إنها لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تحوّلها إلى سؤال وجودي. أي أن النصوص لا تُقرأ فقط باعتبارها تسجيلات لحوادث، بل باعتبارها اختبارات لمعنى أن يكون الإنسان محاطاً بالهشاشة، ومع ذلك مستمراً في مقاومة الفناء.
أثر النصوص: القراءة كفعل مساءلة
« دعابل» ليست مجموعة تُقرأ لتقديم أجوبة، بل لتوليد أسئلة. النصوص تدفع القارئ إلى أن يتوقف عند ما هو مألوف ليكتشف أنه غير مألوف على الإطلاق. إن الحكاية، مهما بدت صغيرة، تنفتح على مساحة تأويلية تجعلها تتجاوز لحظتها. وهنا، يتحول فعل القراءة إلى مساءلة مزدوجة: مساءلة للنص نفسه، ومساءلة للذات القارئة. فالقارئ يجد نفسه معنيّا بأن يكمل ما لم يُقل، وأن يختبر هشاشته الخاصة في مرآة النصوص.

دعابل كأثر لا كمنتج

المجموعة، في جوهرها، لا تُقدّم نفسها كمنتج سردي يكتفي بأن يُقرأ ثم يُنسى، بل كأثر يبقى. النصوص تشتغل على الذاكرة مثلما تشتغل على اللغة. إنها قصص لا تسعى إلى الإقناع بقدر ما تسعى إلى أن تُحدث ارتجاجاً، أن تترك أثراً لا يمكن تجاوزه بسهولة. ففي كل نص قصير، يتجسد ما يشبه «الشظية»: شيء يجرح، لكنه لا يميت؛ شيء صغير، لكنه يستمر في التسبب بالقلق. وهذه السمة هي ما يجعل «دعابل» أقرب إلى مختبر سردي، حيث يُختبر المعنى عبر الهشاشة، وتُصاغ القوة من داخل الضعف.

في معنى العنوان

العنوان «دعابل» ليس اختياراً اعتباطياً. فهو يحيل إلى لعبة الطفولة، إلى تلك الكرات الزجاجية الصغيرة التي تتوزع بين أيدي الأطفال. لكنه، في السياق، يتحول إلى رمز: اللعبة التي تبدو بريئة تكشف عن عمق الزمن الشعبي، عن أثر الذاكرة التي لا تزال تسكن التفاصيل. العنوان، إذن، يختزل استراتيجية المجموعة كلها: تحويل البسيط إلى مركب، وتحويل اليومي إلى أثر رمزي.

أثر ما بعد القراءة

بعد الانتهاء من «دعابل»، لا يغادر القارئ بنشوة الاكتمال، بل بشعور مختلف: شعور بأن النصوص لا تزال تواصل اشتغالها داخله. هناك دوائر صغيرة تظل تتسع في الذاكرة، كما الدوائر التي يصنعها حجر أُلقي في ماء راكد. وهذا بالضبط ما يجعل هذه المجموعة مختلفة: إنها لا تُغلق على ذاتها، بل تظل مفتوحة، متحركة، غير مستقرة.
رياض داخل في «دعابل» لا يقدّم نصوصاً للاستهلاك العابر، بل يزرع آثاراً. وهذه الآثار، مهما بدت صغيرة، تظل مشغولة بالسؤال الوجودي الكبير: كيف يظل الإنسان قادراً على أن يروي، رغم كل ما يحاصر الحكاية من محو وصمت ونسيان؟
عنوان المجموعة «دعابل» يعود إلى جمع كلمة «دعبل « وهي عبارة عن كريات زجاجية صغيرة، كان الأطفال في المناطق الشعبية يلعبونها.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية