القنبلة ليست سنبلة!

التصعيد/ إزالة التصعيد. ثتائية ما فتئت تدرسها معاهد العلوم السياسية وأقسام الجامعات المتخصصة في مادة تحمل ذلك العنوان السحري: «تسوية النزاعات».
حينها، يعج الخطاب السياسي والجيوسياسي بمصطلحات تصب كلها في الحقل الدلالي للسلام، انطلاقا من «مفاوضات»، مرورا بـ»مؤتمر»، «جولات»، «مباحثات»، انتهاء بلقاء قيادات مفترض له حسم الأمور بـ»وقف لإطلاق النار».
كل ذلك من السيناريوهات المعتادة، المعادة، المكررة المكرورة. تعقد عليها الٱمال العريضة، وتمنى من أجلها الأماني.
لكن جذور المشكلة أعمق. إنها ضاربة في تصور للعلاقات الدولية، غالبا ما يحددها منطق السيطرة والاستيلاء. سيطرة غربية عالمية تعمل بتعريفها الخاص للعالم المعاصر على نحو ما انفك يسقط القوى الصاعدة والنامية من الحساب.
والأهم من ذلك، سيطرة سدت المنافذ أمام كل تطور متناغم لهذه القوى التي، لو اتيحت لها فرص إثبات هويتها وثقافتها وتراثها في الساحة العالمية، بعيدا عن عوادي الدهر وويلات الزمان، لأمكن لها أن تمثل رمزا لحوار الحضارات، ليس فقط عبر ضمان التلاقح بينها، بل عبر امتلاكها مقومات تجعلها رائدة في تفعيل تبادلات يقودها مبدأ الأخذ والعطاء وليس صراع المصالح.
وأريد هنا العودة إلى حقبة من تاريخ الإمبراطورية الفارسية مثلت فعلا نموذجا لهذا الحوار ولهذا التلاقح.
إنها فترة اسكندر الأكبر. في سنة 331 قبل الميلاد، انتصر اسكندر على ملك فارس دارا الثالث في معركة غوغميلا في بلاد ما بين النهرين. هنا، وعلى مر العصور، كتب المؤرخون، عن حق، بأن هذا الانتصار فتح لإسكندر «أبواب فارس» وما سمي بـ»الشرق الأوسط» لاحقا.

سيطرة غربية عالمية تعمل بتعريفها الخاص للعالم المعاصر على نحو ما انفك يسقط القوى الصاعدة والنامية من الحساب

لكن ما لم يخض فيه مؤرخو الغرب إلا لماما، وقوع اسكندر في أسر الثقافة الإيرانية، اختياره الإقامة في بابل، تبنيه التراث المحلي، زواجه من عدة أميرات فارسيات، تعيينه مستشارين من الإمبراطورية الأخمينية (أول إمبراطورية فارسية)، عوامل متضافرة جعلته يعتبر نفسه خلف دارا المباشر.
بكل تأكيد، لم تكن ما سمي بالـ»فترة الهيلينية» لبلاد فارس، والتي انجر عنها استيلاء على أراض بالقوة، فترة مقبولة أخلاقيا. كلا. لكنها، وإن بصيغة المفارقة، مثلت منعرجا في تاريخ الحضارات يحسب له حساب في زمن لم يكن فيه مصطلح «جيوسياسة» متداولا.
ماذا عن الفترة المعاصرة الراهنة؟ لنأخذ حالة صراع النووي الإيراني الأخير والموقف الدولي، والأمريكي تحديداً.
أقل ما يمكن القول، للوهلة الأولى على الأقل، إن هذا الأخير فاجأنا. فلم نعهد في تاريخ الرؤساء الذين تعاقبوا على ولايات الحكم الأمريكية، تكليل مخطط إيقاف صراع بمحض إشارة. لم يكن مجرد اللبيب من فهمها. وإنما كان اللبيب أيضا من أطلقها.
هنا، بغض النظر عن الاعتبارات الإيديولوجية. كان اللبيب هو ترامب. فلنقل كلاما صريحا: كان لبيبا ببراغماتيا، رجل الصفقات المطبقة على الأرضية السياسية بمعادلة واضحة: لا نووي، لكن بمقابل.
المقابل، سمعناه من رجل الأعمال – الرئيس في مقولة متجاوبة مع تطلعاته تماما: أطلقها ضمن واحد من مؤتمراته الصحافية المرتجلة المعتادة: «الإيرانيون تجاريون كبار».
فليكن. لن نتهور باعتبار ترامب إسكندر أكبر جديدا، سنكتفي، بالعودة إلى البرغماتية، بتقريب تشخيصه من مبدأ «التجارة الناعمة «الذي وضعه الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو، حينما رأى في التبادلات التجارية منطلقا للازدهار، لكن الازدهار الحضاري المتبادل بين الأمم. كل الأمم.
أكيد، القنبلة ليست سنبلة، ولعل وعسى الأزمنة المقبلة تزرع سنبلة السلام المستدام الوحيد: الرخاء المتبادل.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية