الفلوجة تشكو التعتيم الإعلامي علي مأساتها

حجم الخط
0

الفلوجة تشكو التعتيم الإعلامي علي مأساتها

د. أيمن الهاشمي الفلوجة تشكو التعتيم الإعلامي علي مأساتها(الفلوجة) مدينة المساجد، ومنبر العلم، هذه المدينة الصامدة الصابرة التي دخلت التاريخ، وخُلّدت مثلما تذكر مدن صمدت في وجه الغزاة المعتدين علي مرّ التاريخ. شغلت الفلوجة حيزا إعلاميا واسعا مذ كانت المدينة التي إنطلقت منها شرارة المقاومة العراقية عقب الغزو الأمريكي للعراق 2003 ومازالت، وتصدرت الفلوجة واجهة الإعلام حين تصدت ببسالة نادرة للغزاة، وحين دارت علي رحاها أكبر معارك العراق إطلاقا، وأستخدمت القوات الغازية عليها أسلحة الفتك والدمار الشامل بما فيها الفوسفور الأبيض والعنقودية والقنابل فائقة الوزن وغيرها، وقدمت المدينة المجاهدة خيرة شبابها ورجالها شهداء علي طريق حرية الوطن، وتم تخريب وتدمير مساجدها وأبنيتها وأحياءها، وتعرّض من تبقي من أهلها علي قيد الحياة إلي التشريد في البراري وفي المدن القريبة، أما الشهداء فقد تحولت بهم شوارع المدينة وساحاتها إلي مقابر جماعية.هذه المدينة تتعرض اليوم لتجاهل إعلامي مقصود للتعمية علي واقعها السيء وعلي محنة ومعاناة أهلها، فقوات الغزو ومعها قوات الحكومة العراقية (ما تسمي بالحرس الوطني وجلّهم من قوات الميليشيات الطائفية!) تمنع دخول أي صحافي أو إعلامي إلي الفلوجة لتغطية أخبار وضعها.. أو للأطلاع علي مأساة هذه المدينة الصابرة، والفضائيات التي كانت متواجدة في المدينة قبل أكثر من عام لتغطية أخبار المعارك الشرسة غادرت المدينة أو أجبرت علي مغادرتها بعد أن أحست القوات الامريكية والحكومية، أن هذه الوسائل الإعلامية قد كشفت للعالم حجم المقاومة البطولية الجهادية النادرة ومقدار الضرر والأذي التدميري الذي أصاب المدينة، ووحشية الغزاة، لذلك تم طرد كل وسائل الإعلام وبخاصة الفضائيات ومراسلي الصحف ومنعهم من التواجد في الفلوجة او الدخول إليها، وأسهم هذا الإجراء في عزل الفلوجة عن الأخبار وحصول تعتيم إعلامي متعمّد للتغطية علي مايجري اليوم في الفلوجة أو لنقل تفاصيل معاناة أهلها إلي الرأي العام العالمي.الفلوجة (مدينة المساجد) التي تعانق منائرها السماء بطابع عربي إسلامي أخاذ، تضم 300 أكثر من مسجد داخلها وفي ضواحيها، تسمي (شامة الأنبار) لأنها أكبر مدن الأنبار والأخيرة تسمي أيضا (شامة العراق) التي تشكل مساحتها ثلث مساحة العراق، والفلوجة هي (مدينة العلم) ففيها كانت أكبر مدرسة دينية (مدرسة الشيخ عبدالعزيز السامرائي) التي تخرج منها معظم علماء العراق، وأسست الفلوجة علي انقاض مدينة الانبار التاريخية التي فتحها خالد بن الوليد وعرف عن اهلها تدينهم الشديد وتمسكهم بعقيدتهم وعروبتهم، فأهلها من العرب الاقحاح والقبائل الاصيلة، وكانت الفلوجة في مقدمة مدن العراق التي تصدت للغزو الأنكليزي أوائل القرن الماضي، وغالب اهل الفلوجة مثقفون وينتشر بينهم اصحاب الشهادات العليا بشكل يفوق سائر مدن العراق، وتمتاز الفلوجة بصحوة اسلامية واعدة ومتوقدة نضجت منذ ثورة العشرين، فصمود الفلوجة امام المحتل لم يكن وليد الحدث بل قاد ثورة العشرين علي الانكليز في وقتها الشيخ الفلوجي الباسل (ضاري السليمان) وقتل قائد القوات البريطانية في وقتها (لجمن) علي أيدي أهل الفلوجة وكتب فيهم الشاعر معروف الرصافي قصيدته المعروفة.إلتقيت أحد شيوخها مؤخرا أسأله عن حال الفلوجة اليوم فقال متنهدا: (ماذا أقول؟! ليس هناك في الفلوجة اليوم ما يسر، آثار الدمار في كل مكان، لقد أتوا بحربهم علي كل شيء. لم تعد الفلوجة تلك المدينة التي نعرفها، اختفت معالمها ودُمرت مساجدها ومُحيَت بيوت بأكملها وسويت بالأرض، لا وجود للماء والكهرباء في المدينة والذين فضلوا البقاء داخل المدينة يعيشون علي المساعدات التي (يتكفـل) الجنود الأمريكان بتوزيعها!. قنينتان من الماء وبعض المعلبات حصتك كل يوم ليس لك غيرها. في أحد أحياء الفلوجة تجلس مجندة أمريكية في غرفة صغيرة بعد دعوة الأهالي لاستلام التعويض عن العدوان وهو (100) دولار فقط، وأضاف الشيخ ـ لقد رأيت نسوة لسن من أهالي الفلوجة بل أتين من قري ومحافظات بعيدة وهن يتسابقن لأخذ المبلغ من المجندة الأمريكية وهنَّ يتبادلن القبلات مع تلك المجندة وكاميرا الجيش الأمريكي تصوّر هذا المشهد المؤلم لتدعي أن نسوة الفلوجة يرحبن بجيش الإحتلال). وحين سألناه عن الوضع داخل الفلوجة قال الشيخ الفلوجي: (لا تزال المعارك مستمرة حتي الساعة، فعندما دخلنا المدينة قُتل ثلاثة من عناصر الحرس الوطني فقام أحد جنود الحرس بإطلاق النار علي رجل برئ كان يرافقنا فأرداه قتيلاً وكأنّه يثأر لرفاقه الثلاثة. بعد ساعات جاءنا خبر بأن المجاهدين نجحوا في أسر عشرين من أفراد الحرس الوطني وجلّهم من الميليشيات الطائفية). وأضاف الشيخ (وصلنا إلي بيوتنا، ويا ليتنا لم نصل لم يبقَ منها شيء، منها ما هُدم ومنها ما أُُحرق ومنها ما سُرق كل ما في داخله. في هذه اللحظات جاء الجنود الأمريكان يحملون صوراً لرفاق لهم كانوا قد (اختطفوا) قبل أيام داخل الفلوجة ويسألوننا إن كنا نعرف عنهم شيئاّ!!). وأضاف الشيخ الفلوجي (وبينما كنا نهم بالخروج من المدينة في طريق عودتنا استوقفتنا إحدي سيطرات الحرس الوطني فتقدم إلينا أحدهم وقام بتفتيشنا وبالغ بتفتيش أحدنا فقال له أحد الرجال الكبار متهكماً: انتبه.. سينفجر عليك ! فقال الجندي: أتمني أن ينفجر علي ويقتلني! . فتعجبنا من كلامه وقلنا له: إذا كنت يائساً هكذا فلماذا جئت لقتال أهل الفلوجة إذن؟ قال: من أجل المال، لقد وعدونا بأننا سنبقي 20 يوماً فقط مقابل مليون دينار، ولم يحصل شيءٌ من ذلك، فلم يعطونا ما وعدونا به، والعشرون يوماً صارت أشهراً .وقد أكدت مصادر مطلعة أن هناك أكثر من 26 ألف عائلة من أهالي مدينة الفلوجة ما زالت مشردة وهي بحاجة إلي التعويض لبناء دورها التي هدمت بالكامل بفعل القصف الامريكي، وأن هناك الكثير من المعوقات التي تعتري عملية أعمار هذه المدينة التي لا تحظي برعاية الجهات المسؤولة في الدولة وخاصة فيما يتعلق بالإيفاء بمبالغ التعويضات للمتضررين من الأهالي الذين فقدوا دورهم جراء الأعمال العسكرية رغم ألمطالبه المستمرة بها بهدف الإسراع بإيواء نحو (26) ألف عائلة مشردة وبناء أكثر من (6) ألاف دار وذكر مصدر مسؤول ان عملية أعمار المدينة هي الاخري قد شهدت تعطيلا كبيرا في تخصيص الأموال اللازمة من قبل الحكومة وأن المشاريع والمخططات جاهزة وبانتظار حصول الموافقة علي المبالغ، ولايزال سكان (حي جبيل) جنوب غرب مدينة الفلوجة يعيشون في خيم نصبوها فوق بقايا منازلهم التي دمرها هجوم قوات الاحتلال الأمريكي وقوات الحكومة المؤقتة قبل أربعة أشهر. كما يعاني أهالي الفلوجة من إنفجار الألغام التي خلفها الجيش الأمريكي في مناطق مختلفة من الفلوجة وحولها، كما أن المئات من أهالي الفلوجة رجالا وأطفالا ونساء يعانون من مختلف أنواع العوق نتيجة العدوان الأمريكي ويعانون من ضيق الحال وعدم توفير العلاج المرئم لهم. وقال (محمد فهد سعود غزال الهيتاوي) 38 عاماً الذي نصب خيمة فوق منزله المهدم وجلس فيها هو وأطفاله العشرة: بات كل ما أملكه الآن هو هذه الخيمة الصغيرة وأربعة أغطية ونحن بانتظار تعويضنا عن الدمار الذي ألحقوه بمنزلنا لكي نعيد بناءه من جديد ولم يتبق من منزل (الهيتاوي) الذي تبلغ مساحته 671م2 شيء يُذكر، فقد رفع جنود الاحتلال الأنقاض وحولوه إلي ساحة فارغة. ويقول (الهيتاوي) ـ وعلامات الاستغراب بادية عليه ـ لا أعرف ما الذي حلَّ بمنزلنا؟ وأين ذهب الطابوق والحيطان وكل شيء؟ لقد كان منزلاً كبيراً جميلاً من طابقين، أما الآن فهو مجرد ساحة أرض فارغة ليس فيها طابوقة واحدة .والمعلوم أن معظم سكان المدينة الذين يتجاوز عددهم 450 ألف نسمة قد فروا قبل الهجوم الذي شنته قوات الاحتلال والقوات العراقية علي الفلوجة في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي أن نحو 10% من 85 ألف نازح عادوا إلي الفلوجة. ويعاني من عاد إلي الفلوجة من عوائل من تدمير دورهم وسكنهم في خيام لاتقيهم البرد ولا الحر، فضلا عن إنتشار الأمراض، والبطالة التي تضرب أطنابها في المدينة التي كانت تعد أكبر مدينة صناعية في البعراق، ومازال معظم أهلها يعيشون علي المساعدات التي لاينتظم وصولها إليهم نتيجة الفساد الإداري، وتدّخل القوات الامريكية وقوات الحرس الوطني بعدما توقف نشاط معظم المحلات التجارية والصناعية في المدينة . وحدثني أحد أبناء الفلوجة واسمه حميد الذي فقد ابنه أثناء محاولته الخروج من المدينة ولم يجد جثته لحد الآن لم يعد لنا معيل فقد كان ابني الذي فُقد هو الوحيد الذي يعيلنا، وأحمدُ الله علي أننا نملك هذه الخيمة وكل ما أتمناه أن يكون ابني ما زال حياً يُرزَق . وبعد مرور أشهر علي انتهاء المعارك في هذه المدينة يحاول العديد من سكانها إعادة الحياة في مدينتهم إلي طبيعتها علي الرغم من ضعف الإمكانيات المادية، وأن أعدادا كبيرة من أهالي المدينة يسكنون في الخيام أو في العراء، داخل المدينة أو عند أطرافها، ومازالت قوات الإحتلال الأمريكي وقوات الحكومة تضايق السكان بالإجراءات الأمنية القاسية والمُبالغ فيها بذريعة الخوف من تجدد القتال أو المقاومة. لا ندري إلي متي يبقي الصمت العالمي والعربي عن محنة ومأساة أهل الفلوجة، وإلي متي يستمر التعتيم الإعلامي علي كارثة الفلوجة التي تشكل لطخة عار في جبين الإنسانية المتغافلة عما يجري هناك من إنتهاك لأبسط حقوق الإنسان ومن تشريد للأهالي، ومنع لأهاليها من معاودة الحياة علي أنقاض مدينة جميلة دمرها تتار القرن الحادي والعشرين إسمها (الفلوجة)… ويبدو أن الأمريكان ومعهم حكومة بغداد يريدان أن يعاقبا أهل الفلوجة ويجعلوها عبرة لكل مدن العراق!!! ولاندري أين هو دور الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية؟ وأين هو دور الجامعة العربية؟ نرجوكم تذكروا مدينة عربية مقاومة باسلة إسمها الفلوجة!كاتب من العراق8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية