الغنوشي: في الخامسة والثمانين رجل سلام بين القضبان

حين تحاولون النظر إلى تاريخ الشرق الأوسط من خلال المصادر الغربية، سرعان ما تُعرض أمام أعينكم الصورة نفسها دائما: عالمٌ عربي تسود فيه القبضة القمعية، ويتحول فيه الفساد إلى عادة يومية، وتتلاشى فيه حقوق الإنسان حتى تكاد تختفي… يُكرَّر هذا السرد بإصرار شديد لدرجة تجعل حقيقة أن هذه المنطقة تتلوّى منذ أكثر من قرنين، بين مشاريع إمبريالية وحسابات استعمارية، تكاد تصبح غير مرئية تماما. وكأن شعوب هذه المنطقة دمرت مصيرها بأيديها؛ وكأن القوى التي رسمت الخرائط، وأشعلت الانقلابات، وأقامت الأنظمة وهدمتها، كانت تنتمي إلى عالم آخر.
وللأسف، فإن بعض الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، تتسابق في ما بينها كأنها تريد تأكيد هذا القالب الجاهز لدى الإعلام الغربي. قلة من الأنظمة التي اتخذت من الظلم تجاه شعوبها منهجا للحكم، تحولت إلى ستار أسود يمتد فوق كامل الجغرافيا العربية. ومن خلف هذا الستار، يستمر تصوير العرب على أنهم “ضد الديمقراطية” و”أعداء للحرية” و”لا يريدون السلام”. غير أن دخول بعض الأنظمة العربية، منذ الحرب العالمية الثانية، في ظل أجهزة الاستخبارات الغربية لقمع شعوبها، هو ما حوّل الهوية العربية في نظر الغرب إلى أعمق الجراح.
كان من المفترض أن تبني جامعة الدول العربية سردية مضادة قوية عبر الوثائقيات والتقارير الشاملة والبحوث التاريخية؛ إلا أن هذا الحقل بقي فارغا لسنوات طويلة. حضارة كان ينبغي أن تُسمِع العالم صوتها، خنقتْها عتمة الصمت. أجيال كاملة فُرض عليها أن تتعلم تاريخها بأقلام الآخرين، لا بأقلامها. وفي ظل هذا الصمت تحديدا، كان هناك حدث آلم الشعوب المسلمة، وأثار دهشة في الإعلام الغربي. أحد أبرز رموز السياسة والفكر في العالم العربي، رجل أصبح رمزا للسلام والتسامح، راشد الغنوشي، حُكم عليه بأن يعيش وحدته في زنازين تونس وهو في الخامسة والثمانين من عمره. السؤال الذي تردّد في ذهن كل من سمع الخبر كان هو نفسه: كيف يمكن أن يُزَجّ رجلٌ كرّس حياته للسلام والحوار وخير مجتمعه وراء القضبان في آخر محطات عمره؟ والجواب يزيد الوجع وجعا. الغنوشي حُكم عليه بالسجن سنتين، لأنه تبرع بالقيمة المالية لجائزة دولية مُنحت له لنشر مبادئ غاندِي في السلام والتسامح، وقدمها إلى الهلال الأحمر التونسي. نعم، هذا هو الفعل الذي سمّته محاكم تونس اليوم “جريمة”: أن يقدّم إنسان جائزة حصل عليها إلى واحدة من أعرق مؤسسات الإغاثة في بلده.
التصريحات التي نشرها محاموه تكشف أن القضية ليست مجرد خرق بسيط للقانون، بل تجاوزت ذلك بكثير. فقد أُعيد فتح ملف سقط بالتقادم بإصرار، وأُلحقت بالملف محاضر ثبت بطلانها وكأنها أدلة، ورُفض طلب الدفاع للاستعداد منذ الجلسة الأولى. كل شيء جرى على عجل، حتى إن المرء لا يحتاج أن يكون قانونيا ليدرك أن القرار كان ذا دافع سياسي. وحسب تعبير المحامين، فإن هذا المسار “واحد من أوضح انتهاكات مبدأ المحاكمة العادلة”.
أما الغنوشي، فقد واجه كل ما جرى له بما حمله طوال حياته من سكينة ووقار. من عرفوه يؤكدون أن هذه السكينة لم تكن هدوءا عاديا، بل كانت جزءا أصيلا من شخصيته. حتى في أشد الاجتماعات توترا، لم يخرج من فمه كلام يجرح أحدا. وحتى الذين أساؤوا إليه وافتروا عليه لسنوات، لم يتحدث عنهم يوما بلغة مهينة. لم يستخدم الألقاب الشعبية المنتشرة؛ كان ينادي كل شخص باسمه وصفته. وفي لغته لم يكن هناك كبرياء، ولا غضب، ولا انتقام. في زمن يعتقد الناس فيه أن السياسة لا تصنع إلا بالصراخ والخصام، كان الحفاظ على السكينة وسط الضجيج شجاعة بحد ذاتها. ذلك الهدوء الغريب الذي يلتزمه الغنوشي كان يحميه من أن يتلطخ بضجيج خصومه. وكأن كل تلك الأصوات كانت تتردد في وادٍ بعيد، لا تصل إليه. وكلما كان أكثر تسامحا، كان يُؤذى أكثر. وكلما كان أكثر كرما، كان يُجازى بمزيد من الجحود، وكلما علا خلقه، ازدادت خشونة الآخرين. تخيّلوا رجلاً في الخامسة والثمانين: وديعا كحمامة، هادئا كدرويش، عميقا كحكيم.. رجلا لا يترك غصن الأمل من يده حتى حين تُغلق أبواب السجون خلفه.. رجلا يحاول، حتى في خريف عمره، أن يغرس فكرة، أن يزرع أملا.
ستغلق تونس يوما ما الصفحة على الذين ظلموه، كما أغلقت صفحة بورقيبة وبن علي ومن سبقهم. فالتاريخ ذاكرة صافية تكتب بوضوح من سيُذكر بالخير ومن سيختفي كظل قاتم. كل بذرٍ ماذا أنبت، وكل كلمة لأي قلب وصلت، وكل خطوة أي طريق فتحت، كل ذلك محفوظ. ربما سجنوا اليوم حمامة في الخامسة والثمانين من عمرها؛ لكن غدا، حين تظهر الحقيقة، سيُعرف من كان على حق ومن كان على باطل. قد يكون الغنوشي اليوم وحيدا، ومسنّا، ومريضا، لكن التاريخ لن ينسى نضاله من أجل السلام والخير والتسامح. وما عدا ذلك فليس إلا ضجيجا قصير العمر، ورغبات عابرة، وسلطات لا تدوم.
كاتب تركي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية