أكدت دراسة أمريكية جديدة وجود علاقة بين اضطراب فرط النشاط المقترن بنقص الانتباه لدى أطفال التوحد “ADHD” وكمية الأسماك التي تناولتها أمهاتهم أثناء الحمل بهم، فيما لا تزال أسباب الإصابة بالتوحد عند الأطفال مجهولة رغم كثرة الدراسات والأبحاث حول هذا الاضطراب الذي هو اضطراب نمو عصبي بيولوجي يبدأ خلال السنوات الأولى من عمر الطفل.
وهناك نوعان من الأعراض الأساسية المرتبطة باضطراب التوحد، أو ما يعرف باضطراب “طيف التوحد” هما، مشاكل في التواصل والتفاعل الاجتماعي ومحدودية الأنماط السلوكية والقدرة على القيام بأنشطة متكررة. فيما تحدد الدراسات الحديثة عددا من العوامل المسببة لهذا الاضطراب أبرزها الجينات النادرة والضغوط البيئية وأمراض الأمهات ونوعية التغذية أثناء الحمل والصعوبات أثناء الولادة وقلة وصول الأوكسجين إلى دماغ الطفل.
وأفادت دراسة نشرها حديثاً “أرشيف طب الأطفال والمراهقين” ان خطر تعرض الأطفال لأعراض مرتبطة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه تراجع بنسبة 60 في المئة تقريبا لدى الأمهات اللواتي تناولن السمك مرتين في الأسبوع على الأقل خلال فترة الحمل.
مستويات الزئبق
إلا ان الدراسة كشفت في الوقت نفسه، أن الأطفال الذين كان لدى أمهاتهم مستوى أعلى من المعتاد من الزئبق، وهي مادة توجد غالباً في الأسماك الكبيرة كالتونة، كانوا أكثر قابلية للإصابة بأعراض مثل فرط النشاط والتسرع وعدم الانتباه.
والزئبق هو عنصرٌ كيميائي رمزه Hg وعدده الذري 80.
وحسب كاتبي الدراسة، قام الباحثون بمتابعة حالة 788 طفلا مولودا في مدينة نيوبيدفورد في ولاية ماساشوستا الأمريكية، بين عامي 1993 و1998 أخذوا خلالها عينات شعر من أمهاتهم بعد الولادة لاختبار مستويات الزئبق بعد أن حصلت الأمهات على نظام غذائي خاص يتمكن الباحثون عبره بمراقبة كمية الأسماك التي أكلتها كل واحدة منهن.
وعندما بلغ الأطفال حوالي 8 سنوات من العمر، طُلب من معلميهم تقييم سلوكهم كي يتمكن الباحثون من معرفة أعراض اضطراب التوحد لدى كل منهم.
وقد اكتشف الباحثون أن الأمهات اللواتي لديهن 1 ميكروغرام من الزئبق لكل غرام من الشعر – حوالي 800 في المئة بالمقارنة مع متوسط ما في شعر نساء مماثلات في دراسة أخرى – كانت أكثر عرضة بنسبة 60 في المئة لظهور أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى أطفالهن. ولكن من جهة أخرى، كان اولئك الأطفال أقل عرضة بنسبة 60 في المئة لإظهار سلوكيات متهورة أو مفرطة النشاط إذا كانت أمهاتهم أكلن حصتين أو أكثر من السمك أسبوعياً أثناء الحمل.
أما بشأن الوجبات الجاهزة، فقد ترتبت عن تناول الأسماك فوائد عوضت الآثار السلبية في حال وجود مستويات منخفضة من الزئبق.
هذه النتيجة تتناقض مع توجيهات الجهات الطبية في الولايات المتحدة بضرورة أن تقلل النساء الحوامل من تعرضهن لارتفاع الزئبق بتقليص تناول السمك وحصرها بست أوقيات كحد أقصى في الأسبوع، ما يجعل تلك التوجيهات موضع تساؤل. لكن كاتبي الدراسة حذروا من أنها كانت مجرد دراسة واحدة، مقترحين ضرورة تأكيد نتائجها من خلال إجراء مزيد من البحوث في هذا المجال.
كما تطرح نتائج هذه الدراسة أسئلة مهمة حول دراسات سابقة حول العلاقة بين اضطراب التوحد والزئبق، أكدت أن كثرة تناول السمك أثناء الحمل قد تصيب الجنين بالتوحد. كما اشارت إلى أن العديد من المعادن على غرار الزئبق في السمك، يمكن أن تكون لها علاقة بالإصابة باضطراب التوحد عند الأطفال في حال استهلكت النساء أثناء فترة الحمل أطعمة تحتوي على هذه المادة.
خفض نسبة الخطر
وكانت دراسة أجراها فريق من المتخصصين في جامعة بريستل البريطانية، كشفت عبر تحليل بيانات أكثر من أربعة آلاف امرأة حامل، وجود علاقة بين مستوى الزئبق في السمك بدم الأم وظهور اضطراب التوحد لدى الأطفال دون سن 11.
كما استنتجت الدراسة التي ركزت على الأطفال الذين ولدوا خلال العام 1991 و1992 في مقاطعة آفون في إنكلترا وشملت 15.247 امرأة حامل يفترض أن تكون ولادتهن بين نيسان/ابريل 1991 وكانون الأول/ديسمبر 1992، ان هناك 177 امرأة أنجبت طفلاً مصاباً بالتوحد من بين 4484 امرأة لديهن مستويات مرتفعة من الزئبق في دمهن لأنهن تناولن السمك فقط أثناء فترة الحمل.
وبالإضافة إلى ذلك، استنتجت الدراسة نفسها أن عدد الرضع الذين يحملون معدن الزئبق في دمهم كان 45 رضيعاً مع الإشارة المهمة إلى أن معظم الرضع الآخرين كانوا ينتمون إلى فئات اجتماعية أفقر وبالتالي لم تستهلك أمهاتهم الكثير من الزئبق في السمك أثناء فترة الحمل، ما جعلهم أقل عرضة للإصابة بالتوحد. كما توصلت الدراسة إلى أن زيادة استهلاك الأسماك خلال النصف الأول من فترة الحمل يزيد من مخاطر إصابة الطفل في المستقبل باضطراب التوحد ومن علاماتها قلة التواصل مع الأطفال الآخرين في رياض الأطفال أو في المدرسة، وتجنب الاتصال البصري المباشر مع الآخرين وعدم القدرة على ملاحظة تغيير ملامح وجه الطرف المقابل عند مشاهدة أمر غريب. بالإضافة إلى ذلك، لا يبتسم الأطفال المصابون بالتوحد عند التفاعل مع الآخرين ولا يستطيعون استخدام العبارات الحرفية وبالتالي، ليس في استطاعتهم فهم النكات أو التهكم أو المعاني المزدوجة أو الاستعارات.
تنصح الدراسات الحديثة بتمكين الأم قبل وأثناء الحمل اتخاذ بعض الخطوات الاستباقية التي من شأنها خفض نسبة الخطر ومعدلات إصابة طفلها بالتوحد، منها ضرورة تناولها السمك أثناء الحمل لكن بالاقتصار على الأسماك البيضاء غير الزيتية التي تحتوي في نسيجها الدهني على مادة الأوميغا 3، والامتناع والإقلال من الأسماك الزيتية كالتونة والسلمون والقرش وأبو سيف والمحار لاحتوائها على مواد قد لا تكون مناسبة أثناء الحمل مثل مادة “DDT” و”PCB” ومادتي الزئبق والرصاص.