العراق وتناقضاته بين الانتخابات والتفجيرات

حجم الخط
0

كل شيء يحدث في العراق حتى بعد انتهاء مسلسل الحروب مع الخارج: الامطار تهطل بغزارة في غير موسمها، فتحول ‘أرض السواد’ الى انهار طينية وسط المدن الكبرى، لتضاعف مصاعب المواطنين. ولكن نهر دجلة يكاد يتوقف عن المسير بسبب ضآلة الماء الآتي من جبال تركيا نظرا لكثرة السدود التي بناها الاتراك على ضفافه. الاعمال الارهابية تحصد رؤوس الابرياء وتطحن الاجساد بدون تعب او كلل. ولكن الشوارع مكتظة بالبشر الذين تمردوا على الموت واصوات البارود، وأصروا على دحر الارهاب الاسود. الانتخابات المحلية ونتائجها تستحوذ على اهتمامات المواطنين، والتجاذبات بين الكتل السياسية حول التحالفات الممكنة للحكومات المحلية لم تتوقف، ولم تؤد حتى الآن الى توافقات تفضي الى حكومات محلية قادرة على ممارسة دورها واداء مهماتها. ولكن الممارسة الانتخابية لم تستطع ارضاء جميع الفرقاء العراقيين، وما يزال البعض يصر على الغاء مظاهر الحياة المدنية في بلاد الرافدين.
الاعتصامات في ساحات الانبار وصلاح الدين والموصل وكركوك والفلوجة، متواصلة وسط لغط سياسي وجدال لا ينتهي حول اهدافها، ولكن احدا لا يعترض عليها ما دامت سلمية يطرح المشاركون فيها وجهات نظرهم ومطالبهم بعيدا عن لغة العنف والتهديد. الحديث عن الجنود الخمسة الذين اختطفوا بمنطقة الانبار، وعذبوا قبل ان يقتلوا بالرصاص اضافوا تعقيدا آخر يضاف الى فسيفساء السياسة العراقية التي تستعصي على فهم الكثيرين. ولكن ثمة رغبة في عدم السماح لتلك الجريمة بالتأثير على مسار التصالح الوطني الذي يجد مصاديقه في عودة التعايش بين مكونات المجتمع العراقي في المناطق المختلطة بالاديان والطوائف المتعددة. بعض الاشخاص يتردد اسمه في وسائل الاعلام وبعض اللافتات المعلقة في الشوارع، بعد ان اتهم بضلوعه في اعمال العنف والارهاب، ولكن يدرك الكثيرون ان الاعتقالات هي الاخرى فتيل لاشتعال المزيد من الاضطرابات وتوتر الاجواء.
بغداد التي تنام على ضفاف دجلة تعيش حاضرها المختلط بالماضيين القريب والبعيد، ولكن اهلها تمردوا على الصراعات الحزبية او المذهبية او الدينية وقرروا التعايش مجددا في ظل الشعور بالانتماء لتربتها. هذا لا يعني ان اغلب مؤشرات الصراع تراجع. فما تزال اصوات تبادل اطلاق النار بالاسلحة الخفيفة تصك اسماع الزائر، وتذكره بانه يعيش في العراق الذي خاض ثلاث حروب كبرى في ثلاثة عقود، بالاضافة للفتنة الداخلية التي عاشها بعد الاحتلال ويسعى للتعافي منها. الامريكيون رحلوا، وكان ذلك الرحيل في بداية الامر عنوانا رفعه الراغبون في تحرير العراق من الاحتلال، ولكن اعمال العنف التي انطلقت آنذاك تواصلت بدون توقف وما تزال حتى بعد خروج الامريكيين. فمن الذي يفعل ذلك؟ من الذي يشعر ان النهضة الجديدة لذلك البلد ستكون ضد مصالحه، وما دور القوى المعادية للعراق خصوصا الكيان الاسرائيلي وقوى الاستبداد في إعاقة ذلك؟ حديث الشارع يبدو اقل ارتباطا بهموم الامة ومشاكلها، واكثر ملامسة للحياة اليومية للعراقيين. محاور عديدة يستشعرها من يخالط العراقيين ويشاطرهم همومهم. ففي الشان الانتخابي يشار بالبنان الى حالة الاستقطاب الفئوي التي اصبحت معشعشة في المحيط السياسي بشكل غير مسبوق، والتي اصبحت محور التسابق بين الفرقاء لحصد المقاعد في الانتخابات المحلية الاخيرة. ونظرا لما يعتبره البعض ‘تشظيا سياسيا’ فقد اصبح تشكيل الحكومات المحلية عملا شاقا يقترب في تعقيداته من محاولات تشكيلات الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية السابقة. فالهواتف لا تتوقف بين زعماء تلك الاحزاب والتكتلات، بحثا عن صيغ ائتلافية قادرة على الصمود بعض الوقت. وهنا تبدأ المساومات بين الجميع، فمن الذي يستطيع ان يصل الى صيغة ائتلافية افضل؟ وفي هذه اللعبة يصبح اللاعبون الصغار الذين حصدوا بضعة مقاعد، يسابقون زعماء الاحزاب الكبرى في مهاراتهم التفاوضية في التفاوض والمساومة. هذه المجموعات الصغيرة اصبحت تمثل عاملا مرجحا، خصوصا ان الرياضيات السياسية تكشف تقاربا كبيرا في حظوظ الاحزاب الكبرى. صحيح ان دولة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء، نوري المالكي، فازت في الكثير من المحافظات، ولكن فوزها في كل محافظة ليس مطلقا، بل انه في احسن الاحوال لا يتجاوز كسب ثلث المقاعد. وهذا يعني ان تشكيل حكومة المحافظة لا يتحقق الا ضمن ائتلافات معقدة قد تتواصل اسابيع.
الانتخابات المحلية الاخيرة جاءت في اجواء سياسية وامنية محتقنة. فقد تصاعدت اعمال العنف طوال الشهر الماضي بمناسبة مرور عشرة اعوام على التغيير. وسقط فيها المئات من المواطنين من كافة الاطياف. فاذا كان التوتر السياسي سابقا متكثفا على خطوط التماس وفق مبدأ ‘التشطير المذهبي شرط للهيمنة’ فانه اليوم قد اخترق تلك الخطوط واصبح تحديا لكافة الفرقاء المختلفين مذهبيا. فالمجموعات المسلحة اصبحت تستهدف سنة العراق كما تستهدف شيعته، بسب اختلافه معهم في التقييم او الممارسة. وقد اصدر ديوان الوقف السني مؤخرا كتابا يحتوي احصاءات لعدد الذين اغتيلوا من موظفي ذلك الوقف. لقد تحول العنف في العراق الى ظاهرة عبثية، بل يمكن القول ان تنظيم القاعدة في العراق اصبح ضحية نفسه، بعد ان تبنى المشروع الطائفي بديلا عن مشروع تحرير الامة او استهداف القوى الكبرى التي تهيمن على العالم. فبعد خروج القوات الامريكية سقطت مبررات العمل العسكري في بلد يسعى للتصالح مع نفسه ليستطيع ممارسة دوره على صعيد الامة. واصبح العنف موجها للمختلفين مذهبيا تارة، واخرى المختلفين سياسيا. هذه العبثية التي استطاعت قوى الثورة المضادة غرسها في عقول زعماء المجموعات المسلحة تساهم في الغاء المبررات المنطقية لوجودها، خصوصا بعد ان شمل نشاطها استهداف علماء المسلمين السنة ونشطائهم. وقد اصدر ديوان الوقف السني العراقي مؤخرا كتابا احتوى اسماء 250 من مشايخ الوقف السني، ونبذة عن حياة كل منهم والطريقة التي استشهد بها. يقول الدكتور احمد الغفور السامرائي رئيس ديوان الوقف السني في مقدمة الكتاب: ‘انني اعلن من خلال هذه الموسوعة امام الله اولا وامام القارىء الكريم ان تنظيم القاعدة هو المسؤول الاول عن قتل اكثر من 70 بالمائة من هذه الكوكبة الربانية، مع انه لا يخفى على القاصي والداني من هي الجهات التي تدعم وتمول هذا التنظيم’. كما استشهد من رموز الحزب الاسلامي (الاخوان المسلمون) اكثر من مائة بالاغتيالات والتفجير.
وقد توازى مع الانتخابات ارتفاع اصوات العقلاء من ابناء العراق لوقف نزيف دماء ابنائه على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية. فصدرت الشهر الماضي ‘وثيقة بغداد’ بتوقيع علماء عراقيين وغيرهم من كافة المذاهب، تدعو لوقف نزف دماء المسلمين بغير حق، ورفض التكفير وتمزيق الامة. فبعد خروج الاحتلال الامريكي من العراق، لم يعد هناك مبرر للقتل العبثي، كما حدث للجنود الخمسة الذين كانوا عائدين الى وحداتهم بعد اجازة، وهم ثلاثة من الشيعة واثنان من السنة. كما قتل اربعة من افراد ما سمي ‘الصحوات’ بمنطقة الباجي بعد اطلاق النارعليهم من مسلحين لجأوا الى ساحة الاعتصام بعد ذلك. هذا العنف خصوصا بعد انسحاب القوات الامريكية والبريطانية من العراق، له مدلولاته ومنها: اولا اصرار قوى الثورة المضادة على ابقاء الوضع العربي متوترا كحاجز امام التغيير الديمقراطي. فاستمرار النزف الدموي سيظل عائقا امام التغيير السلمي الذي يطمئن الرأي العام بوجود قدر من الامن والاستقرار. ثانيا: ان استمرار العنف العبثي ادى الى توسع نطاقه فاصبح يستهدف الجميع بدون استثناء، وهو امر مقلق لكافة اطياف المجتمع، ثالثا: ان العنف يضطر الدولة للبقاء في حالة استنفار متواصلة الامر الذي يقلص ثقة العالم باستقرار النظام. رابعا: ان هذا الوضع يمنع العراق من الاضطلاع بدوره العربي والاسلامي كبلد كبير تعددي قادر على رفد جهود الامة في كافة المجالات. خامسا: تأمين الكيان الاسرائيلي باشغال الدول المؤهلة للصمود امام تحدياته وتهديداته باوضاعها الخاصة. فالعراق رفض اي تعامل مع الكيان الاسرائيلي برغم الضغوط الانكلو امريكية على حكامه. سادسا: ان ابقاء التوتر في العراق له هدف سياسي ونفسي، فهو يوحي بان التحول الديمقراطي سيؤدي الى احتقان داخلي بين مكونات المجتمع. فيشار الى العراق بانه منطقة صراع شيعي سني تارة، و عربي كردي ثانية. ويشار الى مصر بانها اصبحت، بعد التحول الديمقراطي، الى ساحة صراع ديني بين المسلمين والمسيحيين، وآخر بين الاخوان المسلمين والسلفيين، وثالثة بين السلفيين والصوفيين. وكذلك الامر في ليبيا التي يتم اضعاف الحكم المركزي فيها وتشجع الاطراف للتمرد عليه. ولا تخلو تونس من اضطرابات ذات طابع ديني بين الحين والآخر.
ان اجراء انتخابات مجالس المحافظات مؤشر لقدر من استقرار الوضع السياسي في العراق، وتاكيد لتعايش ابنائه ومكوناته، ونبذ للمشروع الطائفي الذي فرض على البلاد بقوة المحتل وحلفائه الاقليميين. ولكن ذلك الاستقرار مستهدف من الخارج، ومهدد من الداخل. ويساهم العنف الدموي في تعطيل حركة التنمية بشكل كبير. فاستهداف المنشآت الحيوية يحقق ذلك ويبعث رسائل اثارة واضحة للعالم. كما انه يعيق مشاريع التنمية ويحاصر الساسة ضمن اطر ضيقة همها الدفاع عن الموقع وتبرير عدم الانجاز. وتنتظر المحافظات العراقية صحوة تنموية توفر للمواطنين قدرا من العيش الكريم ضمن بيئة حديثة تتوفر فيها الاحتياجات الضرورية. البنية التحتية العراقية مدمرة بشكل شبه كامل بسبب الحروب والاهمال، والزراعة في بلد يضم نهرين عملاقين لا تسد احتياجات البلد من الموارد الزراعية. وغياب الاستثمار في البنية التحتية كالطرق وسكك الحديد والاسطول البحري والطيران والبناء، ابقى الارياف وكذلك المدن في اوضاع لا تتناسب مع حجم البلد الاقتصادي، فاصبح يدور في حلقة عبثية من العنف والعنف المضاد. ان شعبا يبحث عن تنمية ارضه وتحريرها من الارتهان مطالب بان يحكم العقل ويتحرر من العصبية ويستبدل لغة الانتقام بالتعاون والعمل المشترك واقتسام خير البلاد وتحمل همومها. فاستمرار التنازع بين مكونات الشعب يمهد الطريق لنزعات الانفصال والتقسيم، وهو ما يخطط له اعداء الامة لاضعاف دولها الكبيرة مثل مصر وتركيا وسوريا والعراق وايران. الامر المهم ان اغلبية شعب العراق، من كافة الاطياف العرقية والدينية والمذهبية، ما تزال تتعايش مع بعضها ولا تجد في هذه التلوينات مبررا للتنازع والتباغض. وبرغم محاولات دعاة الفرقة والانقسام والعنف تكريس حالة الاحتراب الداخلي، فقد تضاءلت الجدران العازلة وعاد الكثيرون الى منازلهم في المناطق والاعمال المختلطة، وبدأت الحياة تعود الى ما يشبه الوضع الطبيعي.
وثمة مشاكل اخرى تعترض حياة العراقيين، من بينها تباطؤ مشاريع الاعمار والتنمية، وهو تباطؤ غير مبرر برغم استمرار حالة التوتر الامني. فما ان هطلت الامطار الاسبوع الماضي حتى تحولت شوارع الكثير من المناطق ومنها مدينة الصدر الى مستنقعات من الوحل والاوساخ نظرا لغياب البنية التحتية ومن ذلك اهمال رصف الشوارع وانظمة الصرف الصحي. مجالس المحافظات المنتخبة التي يفترض ان تمارس دورها كحكومات محلية، لم تحقق حتى الآن مشاريع البناء وانشاء بنية تحتية تناسب بلدا نفطيا يحتوي على اكبر الاحتياطات النفطية في الشرق الاوسط. وما يلقى من عواهن على الحكومة سيجد طريقه الى هذه المجالس، سواء في مجال التحالفات المعقدة التي طالما اجلت تشكيل الحكومة المركزية شهورا، ام في مشاريع التنمية وتوفير مستلزمات الحياة اليومية بما في ذلك المشاريع الخدمية كالصحة والتعليم والطاقة وغيرها. فالانتخابات البرلمانية والمحلية مؤشر لتطور المشروع السياسي العراقي، ولكنها ليست هدفا بل وسيلة لتوفير الحياة الكريمة للمواطنين بدعم الحرية والشراكة التي تعمق الشعور بالمواطنة الكريمة. وبرغم مرور عشرة اعوام على التغيير، وبعد خروج الاحتلال الامريكي بسرعة غير متوقعة، ما يزال المشروع السياسي موضع نقاش ومراجعة من قبل التيارات السياسية في العراق التي تعتبره احد مخلفات ذلك الاحتلال. ومن الانتقادات القوية الموجهة ضده انه كرس ظاهرتين لا تنسجمان مع المفاهيم والديمقراطية: المحاصصة والطائفية. ويطرح البعض اليوم مشروعا سياسيا يتجاوز هاتين المشكلتين، مطالبا باستبدال نظام الحكم البرلماني بآخر رئاسي
يوفر مجالا لتجاوز المحاصصة والطائفية. فقد ادت المحاصصة الى تجميد الحكومات المتتالية، لان وزراءها ينتمون لاحزاب مختلفة ترشحهم للمناصب، ويستلمون اوامرهم منها وليس من رئيس الوزراء. وهذا امر لا يساهم في تشكيل حكومات فاعلة. ايا كان الامر، فالعراق ما يزال يواجه تحديات الارهاب والمطالب الشعبية والاعتصام في الساحات المفتوحة، وغياب التنمية والاعمار، بالاضافة للمحاصصة والطائفية. وستكون اساليب التعامل مع ذلك مؤشرا لاتجاهات النظام السياسي الذي ما يزال طور التكوين. وما لم يتخذ المسؤولون خطوات اضافية لاحتواء الموقف وتطوير العراق، فليس مستبعدا ان تنزلق البلاد الى مستنقعات جديدة من التوتر الداخلي الذي قد يؤدي الى التقسيم.

‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية