في رواية «العاوون» للقاص والروائي السوري إسلام أبو شكير يلمح القارئ أن هناك محافظة على الخيط الرفيع بين الواقعي والعجائبي أو المتخيل. ففي الرواية هناك خروج عن الواقعي، ولكن هذا الخروج يظلّ طوال النص الروائي مبررا ومقبولا في ارتباطه بآفاق التأويل وتراكمات الرموز. فالواقعي- بالرغم من الخروج المتعمد- يظلّ حادا في الظهور، وفي التوجيه والكشف والتمهيد لآفاق التأويل التي تتزايد كلما تقدمنا في القراءة. ففي هذه الرواية الصغيرة المحكمة في بنيتها تتّسع مساحات التأويل، منها ما يرتبط بالحرية في جانبها السياسي، ومنها ما يرتبط بأنساق التنميط في مجتمعنا العربي التي تقف ضد كل اختلاف أو مغايرة وقفة المتشكك، وتظلّ في سعي دائم للوصول به إلى المشابهة والنمط السائد والتدجين الكلي. ومنها كذلك ما يرتبط بالحلم البشري والثورة، فالمعروف أن المغايرين هم من يصنعون التاريخ، ويؤثرون في حركته، بتوجيه الآخرين.
تشتغل الرواية على نموذجين بينهما مساحة زمنية كبيرة، الطفل الصغير في بدايته، والرجل المسن في نهايته، لكي ندرك جدل التشابه في النتائج بالرغم من المغايرة في آلية الوصول إليها، ويستقرّ في وجداننا أن هناك مساحة ثبات تدفع على القلق في آلية التعامل مع المغاير أو المختلف أو بوادر التثوير في أشكاله المختلفة. الرواية- بتعمدها تغييب اسم الطفل الصغير- أقرب إلى رواية تجريدية مشدودة للرموز التي نعاين من خلالها حركة الكون والحياة وميلاد الحرية بشكلها الطبيعي، وصراع الأفراد مع الواقع في إطار الفعل والانفعال، حتى تأتي السطوة في النهاية للواقع.
الرواية تنأى عن الحادثة وتلتحم بالتجريد، وإن كانت متجذرة في واقع، يمارس سطوته في تنميط كل مغاير وكل حالم يترقب البعيد، وإدخاله في منظومة الهزائم المتوالية والقوالب المتشابهة، من حركة الطيران في فضاء مرتفع متعال عن الأرض إلى السير العادي الشبيه بالآخرين، من حال الانعتاق من الجاذبية الأرضية الثقيلة في فضاء حرّ إلى الأرض والغبار والتلاحم مع جزئيات هشة وبسيطة وأحلام متداولة تبتعد عن المغامرة، وتلتحم بالخوف، وتتجذر كالآخرين في السير الكسيح والتسليم بقبول المتاح.
تذويب العجائبي والفانتازي
في الروايات التي تستند إلى العجائبي لتمرير فكرة معرفية تجريدية، نجد أن في كثير من الأعمال انزياحا كاملا عن الواقعي، حتى يشعر القارئ أن هناك انقطاعا بين الجانبين، مما يشير إلى وجود صعوبة في مدارات الربط والتأويل، فالعلاقة المتجذرة والمتداخلة بينهما تعطي للتأويل مشروعية. ولكنْ هناك عددا قليلا من الكتّاب والروائيين يجيدون ردم هذه الفجوة بينهما، فيشعرك نصهم أن العجائبي أو الفانتازي مشدود بخيوط سميكة إلى واقع لا يمكن الانفكاك عنه، حتى لو كانت الخروجات السردية تندّ عن التصوّر الواقعي، ولكن هذه الخروجات أو الانزياحات التي تطلّ وكأنها تحدّ متعمد للعقل أو المنطق، يتمّ تجذير وجودها واقعيا من خلال آليات وتوجيهات سردية. تتعدد أشكال هذه التوجيهات السردية، ولعل أهمها يتمثل في تشكيل العالم الذي يُخرج أو يُولد فيه هذا الكائن البشري الذي يمتلك جناحين للطيران. فاكتمال مكونات العالم وجزئيات الطبيعة، بالإضافة إلى الشخصيات التي يتحتم وجودها في مثل هذه السياقات وسيلة مهمة لتوليد التداخل وتعميق حضوره. فالشخصيات التي تشكل الكون المحيط أو الحاضن للشخصية الرئيسة- الطفل الصغير- تأتي في النص، وكأن هناك إصرارا على وجودها بهذا الشكل من الاكتمال والتشابه مع المؤسس الإدراكي في ذهن القارئ في مثل هذه العوالم، وتصبح وسيلة لجرّ هذا الخروج العجائبي، وإزالة الغرابة عنه بشكل تدريجي، فيبدو جزءا من النسيج الواقعي.
هناك إيهام بواقعية الحدث، وهدهدة حدة الاختلاف بتثبيته داخل سياق واقعي من خلال الشخصيات العادية التي تحيط به، مثل عامر (الأم) وقد سميت على اسم أخيها الذي مات قبل ميلادها، وصبحي الأب، وسرحان الخال، وزينب الخالة، وأم جعفر القابلة، والجدتين لأبيه وأمه، وسياقات الدهشة المحيطة التي تجعل طيران الصغير بجناحيه في المهد سببا لإثارة الانتباه، فهو حدث شبيه بالمعجزات. فالطيران أو الانفلات من يد القابلة يوازي حديث عيسى في المهد، وما يسدله من دلالات المغايرة والاختلاف، ويستدعي هذا الوجود الجمعي الذي يتوق أصحابه إلى معاينة المغايرة. ولكن سياق تصويره ومراقبته على فرع شجرة الكينا يؤسسان له حضورا واقعيا بالرغم من وجود الاختلاف أو المغايرة.
وهناك جزئية أخرى لتجذير العجائبي وإزالة غرابته، تتجلّى حين يتم الاشتغال على المغايرة بين فعلي (العواء) و(البكاء)، لأن هذا الاشتغال يمكن أن يوجّه النص من دلالة لحظية مرتبطة بالولادة إلى دلالة تجريدية مرتبطة بوجود الإنسان في الكون، ومطاردته للآمال والأحلام من جانب، والواقع الجهم من جانب آخر، أو المحافظة على الحرية التي تلازمه من الميلاد، وفقدها التدريجي بفعل التنميط الاجتماعي وسيادة وهيمنة الأعراف. العواء في ظلّ هذا الفهم- وهو لم يأت وصفا إلا للنماذج أو النموذج الشبيه للطفل- صوت الفقد التدريجي للمتخيل النموذجي المرتبط بالحرية، أو بسبب الابتعاد عن صورة الذات المتخيلة. واستمراره- أي العواء- في المراحل العمرية يؤسس مشروعية للفهم الخاص بالنص الروائي، وخاصة أن العنوان (العاوون) يشير إلى شخصيات محددة ترتبط بفاعلية منتظرة، انطلاقا من المغايرة في التكوين الشكلي.
يتجلى ذلك في شخصية الرجل الكبير أبو محارب الذي كان شبيها له في لحظة سابقة، فحالة الطفل الصغير إعادة لسيرة سابقة، تكشف عن القلق الفعلي للحرية على المستويات العديدة. وعند تلك الجزئية تتأسس المشابهة مع السابق النظير، في ظل وجود مسافة زمنية، وكأنها عنصر من عناصر إدخال الاختلاف أو الطفل الظاهرة داخل الواقع، من خلال تكراره وتحققه على مسافات زمنية متباعدة. فالنص الروائي يكشف عن شبيه سابق، ينتمي إلى لحظة ماضية، وقد حاول ذلك النموذج القديم أن يحافظ على مشروعية تحقق حلم الحرية واستمراره، بعد أن وصل إلى سن متأخرة، تتكاتف عليه الأمراض والأحزان، بالوقوف بجانب الطفل ذي الجناحين، من خلال الإشارة إلى أساليب تكفل له وجود واستمرار حريته، فاستمرار الطفل في المجاهدة والطيران ليس إلا نوعا من الانتصار المتأخر للنموذح المشابه القديم.
الجزئية الأكثر أهمية في تذويب العجائبي، وإزالة حالة الدهشة والاستغراب في تلقيه، والعمل على تحويله إلى جزئية واقعية تحمل خروجا عارضا مقبولا، تتمثل في جزئيات إنسانية تشعر المتلقي بالسياق العام، وتشده نحو لفتات إنسانية، يتفتت معها أي إحساس بنتوء العجائبي. يبدو الانشداد إلى اللفتات الإنسانية واضحا في اقتراح أبو محارب ـ العجوز المصاب بالروماتيزم، لأن قدميه خلقتا لتناسب شخصا أُعد للطيران، وليس للمشي أو السير- خروجا من مأزق الطفل العالق بشجرة (الكينا)، بإحضار أمّه أو ملابسها لحظة الولادة، وذلك للارتباط الخاص بينهما، أو بين الطفل ورائحتها الفاقعة لحظة الولادة.
فهذه الإشارة تمارس دورها في تفتيت المغايرة أو الاختلاف العجائبي، لأن استخدام الأم أو ملابسها للإيقاع به- فضلا عن كونه إشارة لحضور الواقعي واستقوائه في مقابل العجائبي- تفتح الباب للفكرة المعرفية المهمة والمهيمنة في النص الروائي، وهي فاعلية السياق أو النسق المحيط بداية من الأم والأب في إسدال أساليب التوهين والتدجين، فكلاهما يشكل سياقا للتنميط ومحو المغايرة وإحلال التشابه مع الآخرين داخل الأطر الجاهزة.
ويتعلّق بالجزئيات الإنسانية الخافتة في محاولة الإمساك بها سرديا، جزئية أخرى، تتعلّق بتصوير الإطار أو السياق العام الواسع بعيدا عن سياق الأب والأم. فهذا السياق يؤكد حضور الواقعي وفاعليته، في إزالة أي اندهاش أو استغراب. فحدّة الصور المتوالية الكاشفة عن الواقع أو الفضاء الروائي إشارة مهمة للهيمنة في إسدال الحضور من جانب، وتذويب العجائبي من جانب آخر، وجعله جزءا أساسيا من هذا الواقع، خاصة حين يكون هناك وعي فعلي من المتلقي بآفاق التأويل، لأن هذه الآفاق تمارس- أيضا- دورها في زحزحة العجائبي، وكسرة شوكة خروجه عن واقعيته التي توجّهه في البناء الأساسي للنص الروائي.
البناء الإطاري وفضاءات التأويل
تشتغل الرواية على فكرة أو أفكار تجريدية، تتمثل في كون الحرية- من خلال الأجنحة التي تشير إلى الفعل الطبيعي أو العفوي للطيران- وثيقة الصلة بالإنسان بداية من لحظة ميلاده. وهذه الفكرة وجدت نموذجها أو رمزها في الطفل المولود بجناحين. ولكن هذه الحرية الفطرية لا تستمر على حالها، لأنها- وهي وثيقة الصلة بالإنسان وحركته ومكانه في الوجود- تظلّ فاعلة ومنفعلة داخل السياقات المحيطة على تنوّعها. وقد يجدي في ظل هذا الفهم الوقوف عند التقسيمات الخاصة بالرواية ودلالة هذه التقسيمات في الإفضاء بالفكرة أو الدلالة.
تقسيم الرواية إلى أقسام ثلاثة، يوجّه نحو فهم خاص للرمز، وما يوجبه من دلالات عديدة متجاوبة. فالفصل أو الجزء الأول وثيق الصلة بالميلاد وبانبثاق فعل الطيران، بوصفه فعلا من أفعال الحرية الطبيعي، قبل استدعاء عمليات التشكيل والتطويق والتنميط، تلك العمليات التي تتكاتف فيما بينها لخنق الحرية المكفولة للإنسان واستبدالها بسياجات من الحصار والخوف المتأصلين في نموذجي التكوين الحاكمين (الأب والأم)، بوصفهما ممثلين لهذا السياق، وبوصفهما حارسين للنمط الموروث والمتناسل. فمحاولة الإمساك بالطفل ذي الجناحين من البداية تشكل حالة من حالات إعادة المغايرة للمشابهة، وجرّه إلى مساحات التدجين التي يعيش فيها الجميع رجالا ونساء.
يعرض لنا النص الروائي- انطلاقا من الفاصل الزمني- طريقتين في تدجين الخروج أو القضاء على الثورة، الأولى ترتبط بالقوة والشدة والقمع، والأخرى بالتطويع التدريجي الذي يخلّق ضمورا واضحا للجناحين الكاشفين عن المغايرة أو الثورة. يكشف عن ذلك الآراء العديدة التي قدمت من الحاضرين، للوصول إليه في ارتفاعه أو مداره العالي الحرّ، ومحاولة إنزاله ليصبح شبيها بهم، وتبدأ عمليات الترويض والتدجين النسقي للوصول إلى المشابهة والتفريغ من حدة الاختلاف.
تتشكّل المرحلة الثانية في حدود الفصل الثاني الخاص بالفعل والانفعال. ففي هذا الجزء يجد القارئ نفسه أمام طرفين، كل واحد منهما يحاول أن يفرض فاعليته على الآخر. الطفل- من خلال المغايرة- يبدو بجناحيه كأنه وجود مغاير يحاول تغيير الثابت، وبثّ الحركة في الماء الآسن، فهو بفعل الطيران الذي يأتي بوصفه فعلا من أفعال الحرية والعلو يمارس توليدا لأفق مغاير. والآخر يتمثل في السياق بكل جزئياته، حيث تظلّ نظرته تجاه الكائن المغاير مملوءة بالخوف والترقب والريب، فالخالة (زينب) أثناء مطاردته لا تستحضر العصفور والغناء الرخيم، وإنما تستحضر الوجه المخيف للطيور «افترضت أنه يمكن في أية لحظة أن يتحوّل أنفه إلى منقار معقوف مدبب، وأن تنمو أظافره لتصبح مخالب حادة قاطعة.. وافترضت كذلك أنه سينقضّ عليها، ليفقأ لها عينيها، أو يشق شفتيها».
وعلى الجانب الآخر يتولّد- بالضرورة- فعل مقاومة، تتمثل درجته الأولى في محاولة التخلص من القيد، وكأن هناك صراعا بين توجهين، أو مقاومة لفعل التنميط، يقول النص الروائي «لطالما رأيا الجناحين عندما كان يدفع بهما من تحت القماط في محاولات يائسة متواصلة للتحرر والانطلاق». تمثل هذه المرحلة- بعد رفض فكرة الاستئصال- مساحة للترهين والتعوّد داخل الحياة الفاترة والأفق الساكن، وفيها يكشف النسق عن رؤيته لكل مغاير، يخرج عن سطوته، فالمغاير يعبر عن مرض مستعص، أو يبدو وكأنه حيوان- دلالة على غياب العقل- بسبب عدم إدراكه الحدود والأعراف.
يكشف عن ذلك إيحاء العنوان الذي يدلّ في جزئيات من النص الروائي على البشر أصحاب المهام الكبرى المغايرة التي تعمل على الحد من سطوة العرف أو النسق، أو الذين يتمتعون بكثير من الصدق والشفافية في إيمانهم بالثورات، لكنهم يتنبّهون بعد نهاية الرحلة، إلى سراب ما سعوا إليه وأمنوا به. فتشابه النهايات المرتبطة بالموت لدى صاحبيّ الجناحين، وتوزع كليهما في النتيجة بين موت متولّد عن عنف، وموت بسسب الضمور بفعل تغييب الوظيفة والسكون، يوجهان نحو مقاربة وجودية للحياة، تبدأ بالميلاد، وبناء الآمال والأحلام الكبرى، ثم تبدأ مرحلة النزال أو الصراع بين الجانبين، ليكتشف في النهاية الإنسان- مطلق الإنسان- السراب الذي يلازم سعيه اللاهث في هذه الحياة التي لا تعطي بقدر ما تمنع، فيتحوّل اللهاث إلى عواء مكتوم.
إسلام أبو شكير: «العاوون»
دار ممدوح عدوان، دمشق 2023
120 صفحة.