بيروت ـ «القدس العربي» : تسود في لبنان حالة من القلق الشديد بعد الاستهداف الإسرائيلي غير المسبوق لمجموعة كوادر من «حزب الله» في منطقة البقاع الشمالي ما أسفر عن 12 شهيداً بالتزامن مع استهداف عنصرين من حركة «حماس» في مخيم عين الحلوة.
وقد اعتبر هذا الاستهداف جريمة موصوفة مسرحُها مبانِ سكنية وبيوت آمنة في عمق البلد، خلافاً للمزاعم الإسرائيلية بأن هذه البيوت هي مقرات قيادة تابعة لـ«حزب الله» تستخدم لدفع مخططات ضد الجيش الإسرائيلي.
واللافت ان هذه الموجة من الاعتداءات جاءت بموازاة التصعيد بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران وارتفاع احتمالات الضربة وقبل ايام من اجتماع لجنة «الميكانيزم» وهي حجبت المستجدات على الساحة الداخلية وفتحت الباب امام تقديرات بحصول تطورات عسكرية خطيرة تهيىء لها تل أبيب قد تطيح باستحقاق الانتخابات النيابية في أيار/مايو المقبل.
رسالة من سفينة
واللافت ما ذكرته إسرائيل حول هذه الضربات التي وصفتها بـ«الاستثنائية» حيث أوردت صحيفة «معاريف» «أن الضربات دمّرت صواريخ بعيدة المدى تابعة لتنظيم «حزب الله» ومزوّدة برؤوس حربية» فيما أعلن الجيش الإسرائيلي «أن الهجوم على مقرات «حزب الله» و«حماس» في لبنان من سفينة هو رسالة واضحة لأذرع إيران بأنه إذا انشغلت الطائرات فإن الضربات بالسفن ستتواصل».
وفي حصيلة الغارات على البقاع استشهد ستة من «حزب الله» الذي نعى كلاً من: حسين محمد ياغي، علي زيد الموسوي، محمد إبراهيم وهبي الموسوي، السيد قاسم علي مهدي، حسنين ياسر السبلاني، وأحمد حسين الحاج حسن.
فيما الدمار حلّ بثلاثة مباني وطالت الأضرار أبنية مجاورة.
وتعبيراً عن الاستياء، حمّل قياديون من «حزب الله» الدولة «مسؤولية الخضوع والاستسلام» فيما رأى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان «أن المشكلة بالقرار السياسي المنبطح» وقال «هنا تكمن خطورة اللعبة السياسية وسط بلد يغلي بالأزمات وخطوط التماس الدولية والإقليمية».
قبلان: لبنان المقاوم
وخلال حفل التشييع الحاشد الذي شارك فيه النواب غازي زعيتر وحسين الحاج حسن وينال الصلح، ومسؤول منطقة البقاع في «حزب الله» حسين النمر، وفاعليات حزبية واهالي مدينة بعلبك، نوّه المفتي قبلان بمزايا الشهداء ولاسيما حسين ياغي نجل النائب السابق محمد ياغي الذذي كان أحد المعاونين التنفيذيين لأمين عام الحزب السابق السيد حسن نصرالله.
نواب «الحزب»: لم تعد تجدي الاستنكارات وسياسة التنازلات من الحكومة تشجّع الإسرائيلي
وقال «الشهيد حسين وإخوانه قيمة سيادية كبيرة لهذا البلد، وبهذه العطاءات السيادية يبقى ويستمر لبنان، وبلا هذه القيمة السيادية يفقد لبنان مبرّر وجوده وسط مشروع إسرائيلي يعمل على ابتلاع لبنان وسوريا وبقية دول المنطقة لصالح إسرائيل الكبرى، ولن يكون لبنان إلا لبنان السيادة والممانعة والشراكة الوطنية، ولا يوجد قوة على وجه الأرض تستطيع ابتلاع لبنان الوطني الممانع إن شاء الله».
وأضاف: «اليوم نحن في بقاع السيد عباس والسيد حسن والرئيس نبيه بري وقرابين الصمود والممانعة، والأخ العزيز الشهيد حسين الآن أكثر حياةً وأبدية، وضمانته أميره علي بن أبي طالب عليه السلام، ودمُهُ لن يذهب هدراً، ومن ورائه قوة تاريخية ومِنْعَة وطنية لا تُضَيِّع دماء شهدائها».
وختم بالتأكيد «أن الشهادة والقدرات الممانعة هي القوة التي تحمي لبنان، ولا شيء أهم للبنان السيادي ولبنان المقاوِم من حماية القدرة الوطنية الضامنة لسيادة لبنان».
وأشار نائب رئيس المجلس السياسي لـ«حزب الله» محمود قماطي إلى أن »ما جرى الجمعة في البقاع تجاوز الوتيرة التي كانت قائمة خلال الحرب على لبنان» معتبراً «أن الأحداث الأخيرة تمثل تصعيداً خطيراً» وأكد أنه «لم يعد أمامنا خيار سوى المقاومة» مشدداً على «أن المرحلة تتطلب موقفاً حازماً في مواجهة الاعتداءات».
ورأى عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب علي فياض «أن العدو الإسرائيلي يوغل في هذه الأيام في عدوانيته المتمادية، فيرتكب مجزرة في البقاع، مستهدفاً منازل مدنية وداخل أحياء مكتظة بالمدنيين، فيودي بحياة عشرة شهداء وقرابة ثلاثين جريحاً».
وقال خلال احتفال تكريمي أقامه «حزب الله» لشهيده أحمد حسين ترمس في مجمع الإمام المجتبى «إن مجزرة البقاع بوصفها تتويجاً لتصعيد إسرائيلي مفتوح، يضعنا جميعاً كلبنانيين، وفي طليعتنا الحكومة، أمام الحقيقة التي لا بد الاعتراف بها ومواجهتها وتحمل المسؤولية في التعاطي معها، وهي انه لا يجوز لهذا الواقع ان يستمر ولا يصح ان نتعايش مع هذه الاعتداءات وكأنها وضع طبيعي يجب أن نتعايش معه، بل لا بد من إعادة تقويم الموقف اللبناني برمته، بهدف الخروج من هذه الوضعية التي باتت أكلافها ثقيلة ومؤلمة».
واعتبر «أن بيانات الإدانة لم تعد تعني شيئاً، واجتماعات الميكانيزم فارغة ومشبوهة، وسياسة التنازلات تشجع الإسرائيلي ولا تدفعه إلى التراجع» لافتاً إلى «أن إعلان العدو الإسرائيلي عن نيته البقاء في أرضنا وإمعانه في إغتيال شبابنا وتدمير أرزاق أهلنا، هو مسوِّغ بحد ذاته لحق الشعب اللبناني في المقاومة في سبيل الدفاع عن نفسه وأرضه، وخاصة في ظل سقوط البدائل وفشل الخيارات والرهانات الأخرى».
أبو حمدان: تجميد «الميكانيزم»
وتوجّه عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب رامي أبو حمدان إلى السلطة اللبنانية بالقول «حديثنا اليوم ليس مع العدو الذي لا يفقه، حسب قناعتنا، غير لغة القوة، إنما الخطاب، وسط هذه المجزرة، موجه إلى السلطة اللبنانية المسؤولة عن أمن الناس وسلامتهم وعن سيادة الوطن وحماية حياضه كما تدّعي». ولفت إلى أنه «لم تعد تجدي الاستنكارات ولا الإدانات، فدماء اللبنانيين ليست سلعة رخيصة، وعلى السلطة أن تنتهج نهج التغيير الجذري في أسلوبها بالدفاع عن الوطن، وألا يمرّ ما حصل في البقاع، وما يحصل في كل ليلة في جنوب لبنان، كأنه أمر طبيعي وعادي» مضيفاً «لن نقبل أن تكون السلطة في موقع المحلل السياسي، كأن تقول إنها ضربات إسرائيلية اعتدنا عليها قبل كل اجتماع للميكانيزم، وأقل موقف منها يجب أن يكون تجميد اجتماعات هذه اللجنة إلى حين إيقاف العدو اعتداءاته، وليكون اختباراً ولو لمرة لهذه اللجنة ورعاتها». ورأى «أن تحرك السلطة يجب أن يكون سريعاً ومجدياً، ولتتحمل الحكومة وكل الدولة مسؤولياتها بجدية بعيداً عن سياسة الخضوع والاستسلام التي لا تزيد العدو المجرم إلا تجرؤاً على تهديد أمن لبنان وسلامة مواطنيه الكرام والشرفاء، فالمزيد من المناورات السياسية بغير قوة هو محض تضييع للوقت وللأرواح والخسائر».
عون: عمل عدائي
وكان رئيس الجمهورية العماد جوزف عون أدان بشدة الغارات التي نفذتها إسرائيل ليل الجمعة من البر والبحر، مستهدفة منطقة صيدا وبلدات في البقاع، وأكد «أن استمرار هذه الاعتداءات يشكل عملاً عدائياً موصوفاً لإفشال الجهود والمساعي الدبلوماسية التي يقوم بها لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، لتثبيت الاستقرار ووقف الأعمال العدائية الإسرائيلية ضد لبنان». وأشار إلى «أن هذه الغارات تمثل انتهاكاً جديداً لسيادة لبنان وخرقاً واضحاً للالتزامات الدولية، كما تعكس تنكراً لإرادة المجتمع الدولي، ولا سيما قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى الالتزام الكامل بالقرار 1701 وتطبيقه بكل مندرجاته». وجدد الرئيس عون «الدعوة إلى الدول الراعية للاستقرار في المنطقة إلى تحمّل مسؤولياتها لوقف الاعتداءات فوراً، والضغط في اتجاه احترام القرارات الدولية، بما يحفظ سيادة لبنان وأمنه وسلامة أراضيه ويجنّب المنطقة مزيداً من التصعيد والتوتر».
الرئيس عون: عمل عدائي وخرق للالتزامات… وبري: ضغط للتسليم بشروط تل أبيب
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فوصف ما حصل في البقاع، بأنه «حرب جديدة للضغط على لبنان للتسليم بشروط تل أبيب على غرار تلك التي لا يزال يشهدها الجنوب وتشكل إحراجاً للجنة الـ»ميكانيزم» المكلفة بالإشراف على تطبيق وقف الأعمال العدائية التي التزم بها لبنان وامتنعت إسرائيل عن تطبيقها منذ سريان مفعولها ومن خلالها للولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا اللتين كانتا وراء التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار ورعايتهما لتنفيذه». إلى ذلك، وتعبيراً عن الغضب من اكتشاف عملاء داخل البيئة الحاضنة، وُضعت لافتات في الشارع العام لبلدة أنصار الجنوبية عليها صورة المتهم بالعمالة أحمد مخدر وكُتب عليها «لا مكان بيننا للخونة» و«العميل لا دين له ولا طائفة».
النائب خلف: لبنان وقفُ الله
وزار النائب ملحم خلف صباح أمس بلدة يارون الحدودية في الجنوب، في ردّ مباشر على تسلّل مستوطنين إسرائيليين إلى أطراف البلدة أخيراً، مؤكداً أنّ «لبنان وقفُ الله، وأرضه ليست سائبة، ولن تكون يوماً موضع أطماع توسّعية».
وبدأ خلف زيارته بالمشاركة في قدّاس الأحد في كنيسة مار جرجيوس التي دمّرها الاحتلال الإسرائيلي، وترأسه كاهن الرعية الأب شارل نداف، بحضور رئيس البلدية حافظ عشّام، وأعضاء المجلس البلدي، وحشد من أبناء البلدة.
وبعد القدّاس، توجّه النائب ملحم خلف والحضور إلى المحمية التي جرفها الإسرائيليون، والقريبة من موقع التسلّل، حيث زرع شجرة أرز في خطوة رمزية شدّد خلالها على «عدم التفريط بأي جزء من الأرض اللبنانية». وقال: «أرضُنا ليست سائبة، ولا يُسمح بالاعتداء عليها تحت أي ذريعة. هي هويتنا وكرامتنا، ولن تتحوّل إلى ساحة انتهاك أو رسالة تهديد».
وأضاف في موقف حازم من حادثة التسلّل: «ما جرى اعتداء موصوف على السيادة اللبنانية ومحاولة لاختبار إرادة أهل الجنوب واللبنانيين عموماً. نقول بوضوح: لن يكون لبنان أرضاً سائبة، ولن نقبل بأي مشروع احتلال مقنّع أو أطماع توسّعية». واستشهد بما نُقل عن قول الله لموسى حين نظر إلى جبال لبنان: «أغرب وجهك عن لبنان فهو وجه الله» مضيفاً: «هو وقفُ الله الذي لا يُدنّس. وفي مواجهة التحديات، لا خلاص إلا بوحدتنا وعيشِنا المشترك، فبهما نحمي أرضنا ونصون سيادتنا».
وأكّد الأب شارل نداف أنّ «هذه الأرض أرض الآباء والأجداد» مشدّداً على أنّ «لبنان وقفٌ لله». وقال إن زرع الأرزة اليوم هو تثبيت لهوية متجذّرة لا يمكن اقتلاعها، ورمز لصمود القرى الحدودية وتمسّكها بأرضها. وطالب نداف المجتمع الدولي بالوقوف إلى جانب لبنان وصون سيادته على كامل أراضيه، داعياً إلى حماية القرى الحدودية من أي اعتداء.