في كتابه «الشعر والسرد – تأويل نظري ومداخل تأويلية» ينطلق الناقد المصري سامي سليمان من رؤية حداثية محملّة بعدد خاص من النظريات، لمقاربة مساحات التداخل بين الشعري والسردي في منجز النقاد والبلاغيين والفلاسفة في لحظتين زمنيتين، فيهما الكثير من الخصوصية، من خلال العصور الوسيطة أو القروسطية، ومنجز الإحيائيين في بداية العصر الحديث مع تفتح الوجهة نحو الآخر، ونقل ما لديه بشكل أقرب إلى الصحة والصواب. وقد ظل سامي سليمان وفيا لمساحة اشتغاله التي أسس وجوده فيها من خلال أعماله المتتابعة، وهي فترة ترتبط بنهايات القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر. تشكل هذه الفترة مساحة الصحو في كل مجالات الإبداع الأدبي، وبداية تشكّل مؤسسة الأنواع الأدبية في الأدب العربي.
قد يبتعد سامي سليمان عن هذه المساحة الزمنية، ولكن يظل لهذا التكوين العلمي أثر في الحركة والتوجه، وربما في الرؤية في أحيان ليست قليلة. وهذا يثبت أن التكوين في سنوات التأسيس الأولى، يمكن أن يمنح أي باحث مساحة للحركة من دون ادعاءات زائفة نراها للبعض. وأعتقد أن كل منجز سامي سليمان عبارة عن أفكار ولدت وتكوّنت أمشاجها في ظل هذه الفترة. يعيد كتاب «الشعر والسرد» مساءلة المتفق حوله من أفكار، مارست تأثيرا وتغييبا لوجود ما، مثل مقولة (الشعر ديوان العرب). الكتاب يعيد طرح التساؤل حول مشروعيتها، وحول دورها في تغييب ظواهر موجودة بفعل الهيمنة الثقافية التي توجدها هذه المقولة، ومن ثم يحاول البحث عن الغائب، وتجلية وجوده. وفي كل ذلك لا يكفّ عن الإشارة إلى جهود سابقة تشكل مقاربة قرائية للموضوع، فهناك إشارة لشكري عياد وأحمد درويش وسعاد المانع وآخرين.
توجهنا العناوين وأشكال التبويب في المدخل النظري والفصول إلى أن مقاربة الأنواع في التراث العربي، وخاصة الفترة القروسطية، مقاربة تنطلق من لحظة آنية، مملوءة بإجراءات منهجية جديدة، فنظرة فاحصة، إلى فكرة التراتب، وإلى المتن والهامش فيما يخص الأنواع الأدبية تثبت مشروعية هذا الفهم. فالحاضر هنا يرفد الماضي من خلال نظرة نقدية فاحصة، ولكن هذه النظرة النقدية تستحضر دائما سياق الإنتاج، فهي بالرغم من توجهها الحداثي المشدود بشكل ما إلى التفكيك، لا تتنصل منه أو تثور عليه، فهي واعية بسياقه، هي فقط تحاول الكشف عن المخبوء والمضمر. يقيم الكتاب استراتيجيته في مقاربة مساحات التداخل على قيمتي المشابهة والاختلاف في مقاربة مصطلح، أو التجاوب في طريقة المعالجة، وربما يظهر في حركية المقاربة لمصطلح (الاقتصاص) نوع من النمو التدريجي لدى البلاغيين والرواة من جانب، ولدى الفلاسفة من جانب آخر. وتنتقل المقاربة خطوة أخرى، حين يتعلق الأمر بملامح نظرية، تمّ نقلها، واستيعابها إلى حد ما على يد بعض الإحيائيين.
مساحات التداخل بين البلاغيين والفلاسفة
يقدم سليمان في هذا الكتاب قراءة تفكيكية للمقولات التي صنعت حاجزا بين القارئ ومنظومة الأنواع الأدبية وتراتبها، وصنعت الحاجز نفسه مع الباحثين والنقاد. وفيه يحاول تأسيس الوجود لهذه الأنواع النثرية بجوار الشعر، فالأمر- في منطق سليمان وأدلته – لم يخلُ من وجود أرضية مناوئة للوجود الشعري المهيمن الذي تؤسسه المقولة، فالنثري متداخل مع الشعري في الأخبار وسرديات القصائد. فمن خلال تفعيل ثنائية (المتن) و(الهامش)، يوجّه الكتاب النظرة نحو الهامش، من خلال عين راصدة لأشكال وجوده وتجليه، فهناك في المؤلفات الأولى سرديات النص الشعري، وفي العصور الوسطى سرديات الشروح، وهناك الأخبار التاريخية لإثبات مشروعية الشرح والتفسير، أو السرديات الخاصة بتلق سابق، أو بعض الأمثال بسردياتها القديمة أثناء التأويل، وهناك – أيضا- سرديات صغرى خاصة باللفظة أو الكلمة لتوجيه دلالاتها.
من أجل التأسيس لهذا الحضور يعود سليمان إلى معاينة تجليات حضور مصطلح (الاقتصاص) في التراث العربي، بداية من كتاب «قواعد الشعر» لثعلب، ويتوقف عند مقولة دامغة لهذا الحضور والتعاضد بين الشعري والسردي، فيشير إلى مقولته (الشعر أمر، ونهي، وخبر، واستخبار)، ومقولته حول أصول الشعر، حيث يشير إلى أصل منها، يسميه (اقتصاص أخبار). وقد توقف منجز ثعلب عند حدود الإشارة، دون إفاضة في مقاربة التداخل وقيمته، ولكن مع ابن طباطبا العلوي، نجد أن هذا التداخل – في منطق سليمان – يتجلى في إطار توجه عام يرتبط بالجزئيات التي يجب على الشاعر الوعي بها وإتقانها، لكنه ربط وجودها في النص الشعري بالذاتية التعبيرية.
وفي عودته إلى الحاتمي، في كتابه «حلية المحاضرةّ، يتوقف عند مقولته (أوجز شعر يتضمن قصصا)، ومنجزه – أي الحاتمي – لا يزيد عن ذلك. ولكنه يردف ذلك بمنجز أبي هلال العسكري، في حديثه عن التداخل بين الشعري والسردي داخل جلسات السمر، وفي المدونات التاريخية للشعر، أو في تراجم الشعراء. وقيمة منجز العسكري في قضية التداخل ترتبط بتوجهه العام في حديثه عن مصطلحات ثلاث، هي على التوالي (الالتئام) و(المشاكلة) و(حسن الرصف)، لأن هذه المصطلحات تشير إلى بنية شعرية تجمع فنين، وتخفي مساحات التباين أو النتوء، بالإضافة إلى توقفه عند الأخلاق والأمانة في عرض الخبر أو القصة.
ومع ابن أبي الإصبع يتجاوب هذا التداخل في حدود عنايته بنظريته البلاغية بشكل عام، ويأتي الاهتمام باقتصاص الخبر أو القصة داخل هذا التوجه العام. ففي وقوفه أمام مصطلحات مثل (المجاز) و(الإيجاز) و(الاحتراز) مقاربة جادة لآلية التداخل والاقتصاص، وكلها مصطلحات تصب إلى شيء شبيه بتحليلنا المعاصر لتداخل الشعري بالسردي، والإصرار على الإبقاء على الكثافة الشعرية، حتى في ظلّ هذا التداخل، بين السردي النثري بحركيته ونموه، والشعري. فاقتصاص الخبر أو القصة في النص الشعري يجب أن يكون مشمولا ومحتفظا بتحقق الصفات السابقة التي تجليها هذه المصطلحات.
ينتقل سامي سليمان بعد ذلك إلى منحى جديد، يتعلق بمقاربة الفلاسفة أو البلاغيين الذين يحتمون بثقافة يونانية، وفيه يحاول رصد مساحات التداخل في ظل نظرية الدراما الأرسطية، ففي تلخيص كتاب أرسطو لابن رشد اعتمادا على ترجمة متى بن يونس التي يشار إليها دائما إلى كونها حرفية ومشوّهة، يستند إلى هذه النظرية لإقامة مساحات من التفاوض والنقل والتعديل حتى تصبح ملائمة للسياق العربي الذي يخلو من النوع الذي تؤسس عليه النظرية وجودها. فقد حاول – نظرا لوقوف الأنواع في السياق العربي عند الشعر والخطابة والرسائل- أن يغيّر في مساحات اشتغالها، ووجد ضالته في المدح والهجاء.
في كل أشكال التداخل السابقة بين الشعري والسردي، سواء في العصور الوسيطة، أو في بداية العصر الحديث مع الإحيائيين، يظل السؤال حاضرا حول طبيعة هذا الحضور، فهناك فرق واضح بين حضور الإشارة أو الإحالة إلى القصصي أو الخبري، وبين التحقق العيني. فالنوع الأول معرفي معلوماتي، والثاني مكون بنيوي، يحدث أشكالا عديدة من التفاوض للتجذير لوجوده. وهذا يجعلنا نشير إلى أن الحالات التي تكشف عن التداخل النوعي- بالرغم من أن سليمان قارب الموضوع مقاربة جادة، تتناول انطلاقا من حدبه على موضوعة كل أشكال الاتصال أو شبهة الاتصال والتداخل- قليلة، فبعد استبعاد الإشارات البسيطة مثل إشارات ثعلب أو الحاتمي، تأتي إضافة مهمة لابن طباطبا العلوي.
التوزّع بين التفصيلات والوصول للهدف
القارئ للكتاب يدرك أنه أمام باحث من نوع خاص، تحركه المسؤولية في الوقوف طويلا أمام مشروعه، فله – فضلا عن قدرته اللافتة في الاستنباط والتحليل – وعي بالسياقات الماضية، سواء أكانت سياقات مرتبطة بالأطر الفكرية وأنساقها، أو بالأنواع والأشكال الشعرية، بالإضافة إلى قدرة كبيرة على الرصد، والانتقال من جزئية إلى جزئية بشكل متنام، حتى يشعر القارئ أنه أمام بناء متسق الأجزاء، بالرغم من أن هناك شعورا يتولّد بالتدريج أن هذه الدراسات كتبت على فترات متباعدة. وهذا الشعور يحتم إعادة النظر في هذه الفصول، ومدى علاقاتها بالفصل الأخير الخاص بمقاربة قصيدة «جدارية» لمحمود درويش، بوصفها حالة دالة وشديدة الخصوصية في التعبير عن مساحة خاصة من التوزان بين السردي والشعري، فما هو شعري في ارتباطه بقيم الاكتناز والثبات لا يطغى على ما هو سردي، وما هو سردي في انشداده إلى الحركة والانتقال والنمو، لا يؤثر على كثافة الشعري.
عند معاينة الفصل الأخير الخاص بقراءة جدارية درويش، تتولّد أسئلة خاصة بعلاقة هذا الجزء بالفصول السابقة الخاصة بمحاولات إثبات التداخل، سواء كان ذلك في العصر الوسيط مع البلاغيين والنحاة، أو مع الفلاسفة المتأثرين بالفكر اليوناني، مثل ابن رشد وحازم القرطاجني، أو من خلال نقلة زمنية أخرى مع الإحيائيين. فهل أراد سامي سليمان أن يقدم لنا تطبيقا عمليا لآلية التداخل، أم أراد بهذا الجزء أن يجيب عن سؤال له قيمته يرتبط بالهدف من الدراسات أو الفصول التي سبقت مقاربة نص محمود درويش؟ أعتقد أن الفصل الأخير يأتي وكأنه هدف لكل التفصيلات السابقة، بعيدا عن قيمتها في ذاتها، بوصفها دراسات منفصلة، تحدد هدفها في حدود الدراسة النظرية القائمة على المعاينة والقراءة والاستنباط.
الوقوف أمام الدراسات التي قاربت إشكاليات التداخل بين الشعري والسردي في قصيدة التفعيلة أو في قصيدة النثر، يمثل ضرورة ملحة، لأنها أدخلت مقاربة الظاهرة في إشكاليات التوطين، وهي الإشكاليات الحقيقية للظاهرة، بعيدا عن البحث عن مجرد الوجود. يشكل منجز سامي سليمان في هذا الكتاب حالة انتباه دائم، للوقوف أمام كل بادرة أو ظاهرة قد تلوح في الأفق أثناء القراءة أو المعاينة أو المقاربة، ويشعر القارئ بحالة من اليقظة الدائمة التي لا تهدأ. يكشف عن ذلك مجموعة التعقيبات التي يقدمها للقارئ مع كل جزئية، في إطار لا يخلو من العلمية والاتزان، فمع كل حالة له إسهام أو رؤية خاصة به، قد تمتد وتتحوّل إلى نقاط عديدة متجاوبة ومتساندة.
وقد تجلى الإمساك بكل الخيوط في الفصول الأولى في وجود آلية متكررة، ترتبط بكثرة العناوين، وكثيرة التفصيلات. ففي الفصول الأولى هناك تقسيم للظاهرة إلى جزئيات صغيرة، وهي طريقة في المقاربة – على جدواها – قد تدفع إلى الاهتمام والارتباط بالتفاصيل غير المجدية، والإصرار على تعقبها، وتحدث – نتيجة لذلك – نوعا من البعد عن الهدف، أو تجعله محدودا غير واضح الملامح. هذا التوجه يولد سعيا قويا نحو نوى صغيرة، دون تنبه أن الوقوف عند التفصيلات ليس هدفا، ولم يكن مقصودا لذاته، وإنما لصناعة هدف.
وأعتقد أن حالة ابن رشد وقدرته على بناء تصوّر شبه محكم لنظرية الدراما الأرسطية، بالرغم من اعتماده على ترجمة غير كاملة، ولا تخلو من الحرفية والتشويه للمترجم السرياني متّى بن يونس، كانت تحتاج إلى وقفة طويلة، خاصة في ظلّ إشارته إلى مصطلحين، واختراعهما اختراعا، وهما (القصص الشعري) و(الأشعار القصصية). وفي ظني أن تأويل هذا الأمر- هو تأويل توقف عنده سليمان – يرتبط بوعيه بنظرية الأنواع في العصور الوسيطة، بالإضافة إلى الانفتاح- ربما- على ترجمات أخرى.
سامي سليمان: «الشعر والسرد»
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2024
338 صفحة.