الشاعرة ثريا بن الشيخ: الكتابة قدر وجودي والمحبة عندنا شريعة لا ذريعة

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط – «القدس العربي» : في أحدث إصداراتها «السرد الفني في الخطاب الأمازيغي»، تنكبّ الشاعرة والناقدة ثريا بن الشيخ، على دراسة المفاهيم والتجليات والبنيات، مغادرة عباءة الشاعرة المبدعة لتعود إلى حصن البحث الأكاديمي والتحليل النقدي. فهي شاعرة وناقدة، وقبل ذلك حاصلة على الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، كما أنها أستاذة مبرزة، مكلّفة بالتكوين في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين في الرباط. وليس هذا الكتاب الوحيد الذي تغوص فيه ثريا بن الشيخ في المتن الإبداعي الأمازيغي أو المغربي (الدارج)، إذ سبقته مؤلفات تناولت الخطاب الشعري الشعبي بين شعر الملحون و»الروايس» (وهي درجة مبرزة في الموسيقى الأمازيغية). وبهذا، تواصل مشروعها العلمي الأكاديمي في دراسة الأدب الشفوي، أو الأدب المغربي الناطق بالأمازيغية، إلى جانب اهتمامها بكل ما هو مغربي، من قبيل التنشئة الاجتماعية من خلال الأمثال.
صاحبة ديواني «فنجان واحد لا يكفي» و»ويحك من صمت المحراب»، تتحدث لـ»القدس العربي» عن الكتابة، بوصفها قدرا وجوديا لا فكاك منه، وهوسا مشروعا يبحث لنفسه عن صيغ تعبيرية متعددة تمنح المبدع متعة احتواء واقع متشعب، يتشكل داخله الإنسان بمشاعره وأفكاره وقلقه الوجودي. وترى ثريا بن الشيخ أن الكتابة هي الفعل الوحيد القادر على منح الإنسان مرونة التعامل مع شرك التاريخ، وهي سكن أصيل استقر فيها منذ زمن المحبرة حين كانت تنتمي إلى جيل تعلّم التحكم في الريشة الشفافة، ورسم الحرف والرقم على الألواح والأوراق، قبل أن تتحول الكتابة إلى مركب بيولوجي يكمل به الإنسان وهم امتلاك الكون. وتؤكد أن ما يسكن الذات المبدعة ليس نمطيا ولا يقبل التقليد أو الإملاءات، لذلك ظل القلم رفيقها الأزلي وبقيت الكتابة ملاذها الأول والأخير.

تفتح الشاعرة باب طفولتها، ردا على سؤال البدايات، مسترجعة ذاكرة بريئة، حين كانت تتلوى بين الريشة والقلم، بحثا عن انتماء لواقع جديد، تجاور فيه أحلامها الصغيرة والكبيرة، فكتبت أولى قصائدها وهي بعد صبية. وتعترف بامتنانها العميق لأساتذتها من الشعراء والفقهاء والأدباء الذين تتلمذت على أيديهم ونهلت من علومهم ومعارفهم. فالكتابة عندها مرتبطة بالمعرفة، وبالرغبة في تجاوز الفراغ الوجودي، الذي يسعى إلى إخراس الإنسان. ورغم الحصار الذهني الذي قد يفرضه الواقع، فإن دفاتر أشعارها ظلت تتمرد، تخرج من تحت الوسادة لتعلن حضورها، صراخا حينا وهمسا حينا آخر، مؤكدة حقها في الولوج إلى عالم النور. وبخصوص الإصدارات، توضح بن الشيخ أنها استطاعت تأجيل النشر لا الكتابة، الأمر الذي جعل النصوص تتزاحم دفعة واحدة، دون الخضوع لمواعيد محسوبة. وهي تعترف بأنها لا ترضى بإنجاب كتاب واحد، بل اعتادت مثل حواء إنجاب التوائم، وهو ما تشهد عليه مؤلفاتها القائمة على الثنائيات، التي تجعلها تشعر بأن أقصى الأنوثة يتجلى في هذه اللغة العاشقة لبهاء الكون، وفي شعور المبدع بالعجز أمام اللانهائي. وإلى جانب إبداعها الشعري، تحمل مشروعا أكاديميا كبيرا في التراث المغربي العربي والأمازيغي، تؤكد أنها اشتغلت عليه بمحبة وصمت، توّج بإصدار كتابين: «الصورة الفنية في الخطاب الشعري الشعبي بين شعر الملحون والروايس»، و»السرد الفني في الخطاب الأمازيغي: المفاهيم والتجليات والبنيات».

ورغم ميلها الواضح إلى الشعر، فإن تكوينها الأكاديمي جعلها عاشقة للسرد وللكتابة النقدية والفنية، فهي لا تؤمن بأن تحصر نفسها في نوع واحد. فـ»شهرزاد» التي تسكنها، كما تقول، تعشق السرد، حين تتحرر من رقابة الرومانسية المثالية، ولا تخفي أن أولى كتاباتها كانت سردية في مجموعات قصصية شاركت بها في مسابقات أدبية، أشرف عليها أحمد أبو زيد، ابن مدينة تارودانت، الكاتب والشاعر والباحث المعروف. وهي اليوم بصدد إصدار سلسلة من الأعمال القصصية، تتقدمها رواية قيد الطبع.
وعن سؤال تحقيق الأحلام، ترى أن طموحها حدّ الجموح، فلا لغة ولا نمط تعبيري يسعها، لذلك تكتب بالعربية الفصحى، والدارجة، وتيفيناغ (خط اللغة الأمازيغية)، والفرنسية، باعتبارها وجودا متعددا لمثقف واحد. وتنتمي إلى جيل «الترانزيت» الذي عاش الثورات والتحولات والنضالات الفكرية، ما جعله يشعر بمسؤولية كبيرة تجاه الأجيال الجديدة، بوصفه مربّيا وأبا وأما وأستاذا ومبدعا. ورغم التحول الجذري الذي يميز العصر، فإن الأعمال التي ينجزها هذا الجيل تحمل الكثير من روحه، وتسعى إلى فتح حوار جاد وبنّاء مع أبناء الوطن، بهدف تأسيس خطاب إنساني كوني ينبذ الفوارق والاحتقانات وينشر المحبة والسلم، انطلاقا من اقتناع راسخ بأن «المحبة شريعة لا ذريعة».

وردا على سؤال تقييم المشهد الثقافي المغربي، ترى أن التحولات العالمية، وظهور الإنترنت، أعادا تشكيل الوعي الثقافي في مختلف أنحاء العالم، وأن ما يراه البعض انتكاسة ليس سوى قلق على قيم الماضي. وتؤكد ضرورة انخراط المثقفين في منصات التواصل لإعادة الاعتبار للمعرفة في مواجهة التفاهة. ورغم التكتلات ومحدودية دعم وزارة الثقافة، فإن المشهد الثقافي المغربي، من وجهة نظرها، بخير، وقد فرض حضوره في مختلف المنصات والمسابقات والمواجهات العلمية، ويكفي الاستدلال بزخم الإصدارات في المكتبات المغربية والعربية. كما أن دخول المرأة بقوة إلى عالم النشر وسّع آفاق الثقافة المغربية، وأصبحت أصوات المبدعات أشبه بعرائس البحر، تشدو بصوت شهرزادي رخيم آتٍ من عمق البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، في الفكر والكتابة لا في الغناء فقط.
وتتوقف ثريا بن الشيخ عند مسؤولية الجيل المخضرم الذي عاش بين قرنين، وراكم خبرات وتجارب وإخفاقات ونجاحات، مؤكدة أن مهنة التدريس مكّنتها من تقديم نموذج للنضال الفكري والاجتماعي. وتعبّر عن فخرها بطلبتها الذين أصبحوا أساتذة وباحثين وكتابا ونقادا، يشاركونها اليوم حفلات توقيع كتبها، وقد عاهدت نفسها على دعمهم في مساراتهم المستقبلية. وترى أن اختلاف التجربة لا يمنع من غرس حب المعرفة والإصرار على تحقيق الطموحات، معتبرة ذلك أعظم إرث يمكن تقديمه للأجيال القادمة.
وفي ردها على سؤال العلاقات بين المثقفين، تنتقد الشاعرة الصراعات المرتبطة بوهم السلطة، والتكتلات التي توزع الاعتراف، والجوائز داخل دوائر مغلقة، لكنها تؤكد أن الكتابة لا تكون آمنة إلا إذا كانت أمينة للتاريخ والمستقبل، وأن التنافس الحقيقي يكمن في جودة الإنتاج، وفي بناء وسط ثقافي يقبل الاختلاف، ويتنفس برئة ثالثة. وهي تعلن سعادتها بالوجود خارج التصنيف والنمطية، والتصفيق للإبداع الحقيقي دون الالتفات إلى منطق الربح والخسارة.

وعن وضعية الكتاب الورقي، وسؤال الخوف عليه من الانقراض، تربط الشاعرة وجوده بالرغبة في القراءة ومصادقة الثابت، الذي لا يخون، معتبرة أن التخزين الورقي أكثر أمانا من العابر الرقمي. وعلاقتها بالكتاب الورقي، كما تصفها، علاقة طقس وعبادة وشغف لا ينتهي، فهو حاضر في كل أركان بيتها، يمنحها متعة فكرية وروحية لا تُضاهى، ويشكل جزءا من طاقتها اليومية، تتجدد عبره، وتعيد تشكيل ذاتها دون خوف من انقراضه، ما دام معقل الأفكار وذخيرة اللغة.
وتختتم ثريا بن الشيخ بالتأكيد على أن الشعر والنقد والبحث الأدبي ليست مجالات متنافرة في تجربتها، بل مسارات متداخلة يغذي بعضها بعضا، وأن التعدد الذي يحكم الثقافة المغربية منح المثقف المغربي غنى وانفتاحا يسمح له بالإبداع في مجالات شتى، ضمن مشروع معرفي متواصل، تؤطره قناعة راسخة بأن المحبة عندها شريعة لا ذريعة.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية