السودان: منشورات غامضة لرمز الجهاديين

أثار مصباح أبو زيد قائد المجموعة الإسلامية المقاتلة إلى جانب الجيش، التي تطلق على نفسها اسم «البراء بن مالك»، الكثير من الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي بعد كلماته، التي نشرها قبل فترة على صفحته على موقع «فيسبوك»، التي تمحور فحواها حول ضرورة الصفح عن إبراهيم بقال، الذي وصفه بالأستاذ، الذي لم يحمل سلاحا.
مثار الجدل والاستنكار كان ينبع من كون إبراهيم بقال هو أحد أبرز الوجوه الإعلامية لميليشيا الجنرال المنشق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، بل هو من الذين لم يتورعوا عن استخدام لغة شديدة العنصرية يدعو فيها «الجنجويد»، جيش حميدتي، لأن لا تأخذهم شفقة ولا رحمة بأبناء قبائل الشمال، الذين يعتبر جميعهم يستحقون العقاب. حتى اليوم ما يزال النقاش مستمرا حول ما دفع أبو زيد قائد أهم المجموعات المساندة، للإدلاء بهذا الرأي في هذا التوقيت. ذلك الرأي، الذي جدده أبوزيد في منشورات لاحقة بذكر أسماء أخرى، كان يمهد للدعوة للصفح عنها، على اعتبار أنها كانت تنسق معه، أو مع الجيش بشكل ما، كان محرجا وصادما للرأي العام، الذي لا يقبل، في غالبه، بأقل من أن يواجه أولئك مصيرا مناسبا للجرائم التي تورطوا فيها، والتي تجاوزت مجرد القتل، للتدمير والتهجير والاغتصاب.

تشكيل مجموعات مساندة مستقلة كان أمرا صعبا، أما الانتظام في كتائب على أساس مناطقي أو قبلي، وهو ما كان يطالب به كثير من الشباب، فلم يجد تشجيعا من الدولة، التي خشيت من تكريس القبلية

حاول البعض التقليل من قيمة هذه الكلمات لتبدو وكأنها مجرد رأي شخصي، لكن رمزية أبوزيد، الذي حصل على قدر كبير من التضخيم والدعاية، التي وفرها له انتماؤه «للحركة الإسلامية»، التي أرادت بدورها أن تستثمر فيه من أجل إثبات أهميتها، ومن أجل استعادة مكانتها على الخريطة السياسية، كانت تدفع لأخذ هذه التصريحات على محمل الجد والبحث عن دواعيها. لم تكن الفيديوهات الكثيرة التي كانت تعدها مجموعة «البراء»، التي أطلقت على نفسها اسم «الفيلق»، إمعانا في تضخيم مكانتها بلا سبب، بل كان من أسبابها تأكيد وجود «الإسلاميين»، الساعين لكسب الاعتراف، في ساحة المعركة، ووقوفهم خلف الانتصارات، التي كانت تحققها القوات المسلحة. أبوزيد نفسه كان يحرص على التصوير بشكل لافت، ما جعله يظهر، بالنسبة للمتابعين، كأحد أبرز نجوم المعارك، وهو ما استغله الإسلاميون للقول، إنه لولا مشاركة كوادرهم لكانت الأمور مختلفة. المعادلة غير المعلنة كانت تقول، إن تلك المشاركة الفاعلة كانت تستوجب في المقابل أن يرد الشعب، الجميل لمن ساعده وأنقذه عبر تقبل أسماء ورموز مشاركة في صد هجمات الجنجويد، وإن كانت منتمية للنظام السابق المعزول. في المقابل فإن هذه الدعاية الكثيفة كانت تشوش على مجموعة من الحقائق، أهمها، أن هذه المجموعة، وإن كان على قيادتها إسلاميون كأبوزيد وغيره، إلا أنها لم تكن حكرا عليهم، بل شملت كثيرا من الشباب، الذين كانوا يبحثون عن فرص للتطوع من أجل الدفاع عن أهلهم، وصد هجمات المقاتلين، التي تستهدف أهلهم ومناطقهم. الأناشيد الإسلامية الجهادية، التي كانت تظهر في خلفية الفيديوهات لم يكن اختيارها عشوائيا، وكذلك المشاهد الدعائية المصورة، التي كانت تظهر متحدثين وهم يربطون بين معركتي السودان وفلسطين، مع حرص غير مبرر على وضع الكوفية الفلسطينية. كل هذا كان يشير إلى هوية إسلامية جهادية خاصة، بعيدة عن معنى المقاومة الشعبية العفوي البسيط.
المشكلة أن كل ذلك كان يتم خلال ظرف إقليمي معقد، وفي وقت تنظر فيه جهات كثيرة للمقاومة الشعبية ولنواياها بارتياب، على سبيل المثال فإن دعاية المتمردين والسياسيين المتضامنين معهم، كانت تقوم على أن المتطوعين للقتال والمقاومة ليسوا سوى إرهابيين. ذلك الاتهام، الذي التقطته دول مؤثرة في الإقليم وبدأت تتعامل معه بجدية، كان يهدف لسحب التعاطف والدعم من كل المقاومة الشعبية. يجب أن نضع في الاعتبار هنا أن تشكيل مجموعات مساندة مستقلة كان أمرا صعبا، أما الانتظام في كتائب على أساس مناطقي أو قبلي، وهو ما كان يطالب به كثير من الشباب، الذين أرادوا أن ينحصر دورهم في صد الهجمات والدفاع عن أموالهم وأعراضهم، فلم يجد تشجيعا من الدولة، التي خشيت أن يفتح هذا بابا لتكريس القبلية.
الاستثناء الوحيد هنا ربما كان قوات «درع البطانة»، التي سرعان ما سيتغير اسمها لدرع السودان، التي سيتم احتواؤها بعد تحرير ولاية الجزيرة، بحيث يتجاوز دورها الهدف المناطقي، للمساهمة في إسناد الجيش في معاركه في كردفان وفي غيرها.
هناك نقطة مهمة يمكن استدراكها هنا وهي، أنه مع الإقرار برغبة الإسلاميين في تحويل مجموعة «البراء» لرافعة سياسية من خلال عملها في ساحات المعركة، ولكن أيضا من خلال ظهورها ومشاركتها في عدة أعمال خيرية وفي أنشطة إعادة إعمار، وهو ما يمكن أن تكون قيادات مثل أبوزيد واعية به، إلا أن هذا لا يعني اتهام جميع المنضوين تحت المجموعة، بأن دافعهم الوحيد هو خدمة هذا الهدف السياسي، بل الحقيقة هي أن هناك كثيرا من المنضوين المتحمسين، الذين استجابوا لدعوات القتال بصدق، معتبرين أنها تحقيق للمعنى الإسلامي لكلمة الجهاد، وهو ما جعلهم لا يترددون في بذل التضحيات، وتقديم أرواحهم من دون انتظار شكر أو تفكير في عائد. يبدو الأمر مشابها هنا لحد كبير لما كان يحدث إبان حرب الجنوب، حيث بقيت هناك حقيقة واحدة وهي، أن تضحيات الآلاف من المتحمسين، الذين كانوا يتعاملون مع تلك الحرب كحرب جهاد كانت مهمة، من أجل تقوية موقف الدولة، والوصول إلى تسوية سياسية لا علاقة لها بأشواق الإسلاميين ولا بأسلمة الجنوب، ولا بغير ذلك من الشعارات، التي كانت تدفع آنذاك للانخراط في الحرب.
كثيرا ما يحصل في لحظة ما انفصال بين المشروعين السياسي والجهادي، فما يكون غير مقبول للأخير قد يحدث أن يكون محل نظر للأول، وقد شاهدنا ذلك في مسيرة الجهاديين، الذين دخلوا إلى بوابات العمل السياسي (الحالة السورية نموذجا).
منشورات أبوزيد، الذي يستخدم شعبيته وتقدير غالب السودانيين لكل من ساهم في معركة صد «الجنجويد»، في نقل رسائل سياسية غير مفهومة للعامة هي مثال آخر على التحولات الممكنة.
من الرسائل، التي يحاول أبوزيد بثها، بجانب دعمه المبالغ فيه لحركات دارفور الموالية للخرطوم، محاولته إعادة تعريف المعركة، بحيث لا تكون حربا تشنها مجموعات ومكونات عرقية على أساس قبلي وعنصري، وإنما مجرد حرب تمرد سياسية عادية. هذا الرأي، الذي يتبناه قطاع واسع من الإسلاميين يحاول أبوزيد ترسيخه عبر دعواته المتكررة لإنقاذ القبائل المتورطة من بين يدي حميدتي، وكأن كل تلك الشخصيات التي بايعت، وكل الشباب، الذين استجابوا لدعوات شيوخ قبائلهم بضرورة التجنيد، والانحياز لحميدتي، ما هم إلا مجرد مختطفين ورهائن لا يملكون من أمرهم شيئا. أما الصدمة الكبرى، فكانت حديثه الأخير الغارق في الاحترام عن شخصيات أقل ما توصف به هو أنها مجرمة، ذلك كله جعل منه محل انتقاد حتى في دائرته القريبة، التي بدأت تطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر فيه تمهيد لتسوية يلعب إسلاميون فيها دور الوسيط.
يعزز هذا التذكير بالحقيقة التي مفادها أن قيادات ومتحدثين باسم الميليشيا، من بينهم بقال نفسه، يجمعهم مع مقاتلين في الطرف المقابل الانتماء لـ»الحركة الإسلامية»، وهي مفارقة ولا شك.
كاتب سوداني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية