من بين الدمار الهائل الناتج عن سياسات الإبادة التي تقودها الصهيونية ضد الفلسطينيين، تتوالى الصرخات لإنهاء الحرب وكسر الحصار، أصواتٌ تتعالى في سماء لم تعد تشكّل غطاءً للسرديات الصهيونية المهيمنة على الحضارة؛ ففي أوروبا وأمريكا، مسيراتٌ شعبية ترسم تهاوي صورة الأسطورة المستثناة في الشرق، حيث تأخذ الديمقراطية شكلا قاتما، ضمن رغبة استعمارية لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى.
لم تكن إسرائيل لتنتهك اتفاقات التهدئة والسلام مع الدول العربية، لولا أنّ السياق الحضاري بات اليوم يشكّل تهديدا وجوديا لتلك الدول التي تتسارع نحو وأد انتفاضة جيل «زد»، فالأمر لم يعد مجرّد مقاومةٍ للمحتل، ولا حتى وقف أنهار الدماء، بل انتهى إلى ما يُفترض أنّه تنازلات من الأمة عن حقها في المقدسات الإسلامية والمسيحية. فهل نحن أمام مفترق طرق، لا يختبرنا فحسب، بل ينبئنا بأنّ الحالمين قادمون مجددا؟
الحرية ليست هدفا بعينه، بقدر ما هي طريق نحو مسؤولية البشر في استرجاع إنسانيتهم، ولتحقيق ذلك كان لزاما أن تتمثل الحرية في فعل المقاومة بشتى أنواع الرفض مآثر الأرض والمقاومة…
مسألة التحرير لا تعني أن نقاوم المستعمر بالسلاح والثقافة وغيرها من تمثلات الرفض فحسب، بل تبدأ حين نشعر بأننا في خطر، وأنّ بقاءنا مرهون بعبثية عصبة تسيطر على مقدرات الحضارة وأساساتها؛ من الاستغلال البشع للرأسمالية المتوحشة، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، وصولا إلى الاستثمار في برامج تجعل من الإنسان سلعةً تُسخَّر لنخبة مهووسة بالسلطة والمال. إذ يصبح قرار مقاومة كل أشكال الاستغلال والعنف، فكرةً لا ردَّ فعل، أمام رعونة إمبراطورية تعيث في الحضارة فسادا وإذلالا. يفترض بالدول التي عايشت «الشرط الكولونيالي» أن تستميت في الدفاع عن الحق في الحرية والعدالة، وأن تساند الشعوب الساعية لنيل استقلالها الوطني من أعتى أدوات البربرية تخلفا ووحشية. فالحرية ليست هدفا بعينه، بقدر ما هي طريق نحو مسؤولية البشر في استرجاع إنسانيتهم، ولتحقيق ذلك كان لزاما أن تتمثل الحرية في فعل المقاومة بشتى أنواع الرفض. إننا نرفض الخنوع والإذلال والإكراه، والسير في طريق واحد مكتظ بذوات مستنسخة، تتشابه مع بعضها بعضا في جميع مناحي الحياة. فالاختلاف سمة أساسية للرفض الذي يرسم ملامح مجتمع متكامل ومتدافع، على عكس ما تريده الأنظمة الشمولية، وسياسات الاقتصاد السوقية الموجَّهة، في حشرنا ضمن عناوين كبرى وتاريخ متذبذب وهويات متصارعة وسلع متراكمة.
علينا أن نميز بين الرفض بوصفه بدايةً لتحرير الإنسان من ذاته ومجتمعه، والتناقض الذي يشعرنا بالاختلاف، لكنه يبعث على القلاقل والاضطراب والحياة الطبيعية أحيانا. وما يجعل الرفض حالةً شعورية تمنحنا استقلالية وهوية خاصة، هو تساؤلاته الجوهرية حول الإنسان، التي تفتح نوافذ تأويلية تجاه الحياة والأرض والحرية والعدالة، كونها موضوعات مهمة تتشابك في مضامينها مع رغباتنا في البقاء. وقبل أن تجيب عن ضرورات الكسب والتملك والارتباط الاجتماعي، كان يجب الوقوف لحظة للتفكر في التغيرات التاريخية الطارئة، التي حركت رياح التغيير معها رمالا متحركة، تغزو صوامع ومساجد اتُّخذت لتبرير الخذلان والتطبيع.
يحيلنا فعل المقاومة إلى أمثلة تاريخية عظيمة، من دون ذكر التضحيات الكبيرة للهامش الذي واجه الاستعمار. ولعل مآثر الأرض لا تسعها دفاتر المؤرخين ولا تُجمَع في صفحاتها البيضاء أساطيرُ دُوِّنت بأنهار التضحيات، فالتاريخ يسرد كيف أنّ الجزائريين وقفوا ضد الاحتلال الفرنسي لأكثر من قرن، مدافعين عن إنسانيتهم وحقهم في الوجود، وقد رفضوا مشاريع التهجير والاستيطان وسياسات القتل والتجويع والتفرنس وغيرها. ومن أوّل يوم وطأت فيه قدم الفرنسيين الجزائر، انبرت مآثر الأرض تحكي ربيع أمّة بدت لكثيرين أنّها زائلة.
ليست الحرية فعلا ينتابنا حينما نشعر بالسكينة والطمأنينة؛ إنّها حالة استنفار لقوة الرفض التي تبعث فينا الأمل في تغيير السائد، آملين في مستقبل واعد ومشرق، وحين نرفض أن نكون ضمن سلسلة التداول العالمي والتصور النمطي التاريخي لأمتنا، واجترار أسطوانات بالية تجعل من إرثنا العربي والإسلامي «قميص عثمان» نعلّق به تأخرنا وضعفنا، حينها تستطيع أصوات الرفض أن تجعل من الربيع حقيقة، ومن الحرية استقلالا، ومن الأرض موطنا.
على قدر المصاب الهائل والخسائر الكبيرة التي تسبب بها الاحتلال الصهيوني في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، فإنّ ما بعد السابع من أكتوبر أصبح حقا طوفانا يجتاح عواصم العالم أجمع، ليميز ما هو حضاري عن الإمبراطوري، والأخلاقي عن الصهيوني، والإنساني عن البربري. يشاهد العالم، وهو ينصرف رافضا خطاب مجرم الحرب نتنياهو في الأمم المتحدة، كيف أنّ إسرائيل لا تملك مقومات دولة حضارية تؤهلها للعمل ضمن القانون الدولي. إنّه يقرّ بأنّ الاحتلال، وإن اختلفت لغته ولونه وشكله، لا يستطيع الاعتراف بأدنى حق إنساني للمستعمَر. وحدها المقاومة تحفظ للأرض وشعبها حق البقاء. تبدو غزة ركاما، فالحرب ما زالت مستعرة، والقصف مستمر، والتهجير غاية المحتل النهائية. وما تعيين توني بلير حاكما لإدارة غزة، إلا صورة لمدينة تبدو أطلالا في مزاعم الإمبراطورية، وصفقة عقارية لأوليغارشيا عربية متصهينة، لكن الحقيقة غير ذلك، فثمّة صمود واستفاقة جماهيرية وتحوّل تاريخي يضع الحجر الأساس في صراع التحرير الوطني؛ إنّها صرخة البدايات الفلسطينية ترافق صوت ألبانيز ورئيس كولومبيا غوستافو بيترو وملك إسبانيا.
إنّ من مآثر الأرض الوسطى أن تختار «السلام» بدل الحرب، وأن تطيح بأقوى السرديات تضليلا عبر التاريخ، وتجعل الحضارة ذاتها تتشابك مع إمبراطورية الشر، في صراع يجسد منطق الإبادة والتهجير، إلا أنّ التغيير الحاصل في بنية المجتمعات الغربية أصبح حتميةً لدى الإمبراطورية في تعاملها مع فكرة رفض الإذعان، فليست أوروبا وحدها تخرج لتندد باعتقال ناشطي «أسطول الصمود»، فالعالم ينتفض نصرةً للحسّ الإنساني الفلسطيني.
علينا أن نتذكر التضحيات والنضال المستمر لأجيال تعاقبت على الأرض، تريد شيئا واحدا فحسب: حرية إنسانيتها، واعترافا منّا بتلك التضحيات العظيمة التي تعاقبت منذ أن وطأ المستعمِر الأرض، وتوالت موجات الربيع العربي لمرحلة جديدة من النضال الشعبي ضد الاحتلال الداخلي. فالثمن باهظ والمقاومة مكلفة، وما من شعب اختار طريق الحرية إلا واجهته قوى التنكيل والاعتقال والقتل بأشد صنوف العذاب. إنني أنظر إلى الأرض وهي ركام، والربيع أطلال، لكنني آمل أن جيلا ينفض عنه غبار الخذلان والقطيعة، ضد من آثروا الصمت عن البراميل المتفجرة، ودعموا الانقلابات وتواطؤوا ضد انتفاضة جيل «زد»، فالزمن لن يتوقف عند اللحظة الراهنة، إنّه يعيدها في كل مرّة بنفَس مغاير، أكثر جرأةً، وأعمق تاريخيا وثقافيا.
كاتب جزائري