ليست أزمة التاريخ في العالم العربي أزمة أرشيف فحسب، بل أزمة سلطة على المعنى. من يملك أن يروي الماضي يملك أن يحدد موقعه في الحاضر، وأن يرسم أفق المستقبل. ولهذا لم يعد الجدل حول التاريخ شأنا أكاديميا معزولا، بل بات جزءا من صراع سياسي مفتوح: من يعرّف الثورة؟ من يصف ما جرى في سوريا أو العراق أو السودان؟ هل كان «انتفاضة شعبية»؟ أم «مؤامرة كونية»؟ أم «حربا أهلية»؟ إن اختيار المفردة ذاته هو فعل سياسي.
المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف، ميّز بين الذاكرة والتاريخ، معتبرا أن الذاكرة جماعية، حية، مشحونة بالعاطفة، بينما التاريخ ممارسة نقدية تسعى إلى التفكيك والتصحيح. غير أن هذا التمييز يتعرض في المجال العربي لانهيار متواصل، إذ تتحول الذاكرة إلى بديل عن التاريخ، وتُقدَّم الرواية السياسية بوصفها حقيقة نهائية. في هذا المناخ، لا يعود المؤرخ فاعلا نقديا، بل يصبح طرفا في الاستقطاب.
بروديل وبلوخ، رمزا مدرسة الحوليات الفرنسية، حاولا نقل مركز الثقل من الحدث السياسي إلى البنيات العميقة، من اللحظة إلى المدى الطويل، لكن في السياق العربي، ما يزال الحدث الطارئ هو السيد، حيث ننجذب إلى الانفجار، إلى البيان، إلى التسجيل المصوّر، وننسى أن التاريخ ليس فقط ما حدث، بل كيف تشكّلت الشروط التي جعلته ممكنا.
تحرير التاريخ من هيمنة الذاكرة المؤدلجة لا يعني إلغاء الذاكرة، بل إخضاعها للنقد المنهجي، وفتح الأرشيف، وتشجيع البحث المستقل، وكسر احتكار الرواية الواحدة
وقد أكدت دراسات تقاطع التاريخ والسيرة الذاتية أن «كتابة الحياة» لم تعد مجرد جنس أدبي، بل أصبحت مدخلا لفهم تمثلات الماضي وآليات الوصول إليه. غير أن هذا التقارب لا يعني ذوبان التاريخ في السيرة، بل يفرض يقظة منهجية مضاعفة، لأن صوت «الأنا» قد يتحول بسهولة إلى سلطة تفسيرية مهيمنة. من هنا تبرز إشكالية جوهرية في الكتابة التاريخية العربية المعاصرة هي: غلبة الشهادة على التحليل، وغلبة الذاكرة على الأرشيف. فكثير من الأحداث المفصلية في تاريخنا الحديث تُقرأ من خلال مذكرات الفاعلين السياسيين، أو شهادات المعاصرين، في حين تبقى الوثائق الرسمية والأرشيفات المغلقة خارج التداول العلمي. وهكذا يتشكل وعي تاريخي قائم على الروايات الفردية لا على التحقيق.
هذا التعلق باللحظة يجعلنا نخلط بين الشهادة والتاريخ. صحيح أن السيرة الذاتية باتت تُقرأ اليوم بوصفها قرينة مهمة لفهم الماضي تحتاج إلى تعييرها على محك المصادر التاريخية، كما يبين أوريل وديفيس في دراستهما عن تقاطع التاريخ وكتابة الحياة، لكن هذا التقاطع مشروط بمنهج نقدي صارم. حين تغيب المسافة، تتحول السيرة إلى خطاب تبريري، لا إلى مادة تحليل. أما بول ريكور فقد حذّر في كتابه «الذاكرة، التاريخ، النسيان»، من تحوّل الذاكرة إلى أداة اتهام أو تبرير، ومن أن تُستخدم لتكريس هوية جريحة، أو لتبرئة سلطة قائمة. وهذا ما نراه اليوم بوضوح، إذ إن الحالة العراقية تمثل نموذجا مكثفا لهذا التوتر بين الذاكرة والتاريخ، خاصة في ما يتعلق بكتابة تاريخ الدولة الحديثة منذ تأسيسها عام 1921 وصولا إلى ما بعد 2003. فالتاريخ العراقي المعاصر لا يُستعاد في الغالب عبر أرشيف مفتوح، أو دراسات تركيبية طويلة المدى، بل عبر مذكرات السياسيين والعسكريين وشهادات المعاصرين، وهي مراجع مهمة بالتأكيد، لكنها محمّلة في الوقت نفسه بانتقائية الذاكرة وإعادة بناء الذات داخل السرد. فمذكرات رجالات العهد الملكي، ثم شهادات الفاعلين في عصر الجمهوريات المتعاقبة، ثم روايات المنفيين والمعارضين، جميعها لا تقدّم «تاريخا» بقدر ما تقدّم تمثلات متنافسة للماضي، تتشكل تحت ضغط التجربة الشخصية والتحولات السياسية اللاحقة. تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في كتابة تاريخ الانقلابات العسكرية في العراق، ولاسيما انقلاب 1958، الذي لم يُحسم توصيفه حتى اليوم بين «ثورة» و»انقلاب» في الوعي العام، وهو توصيف يكشف أن الصراع حول المصطلح هو في جوهره صراع على معنى الماضي لا على وقائعه. فالروايات الملكية المتأخرة تميل إلى قراءته بوصفه قطيعة فوضوية مع الدولة، بينما قدّمته السرديات الجمهورية بوصفه لحظة تحرر تاريخي، في حين أعادت كتابات ما بعد 2003 تأويل الحدث ضمن سردية أوسع عن تشكل العنف السياسي في الدولة العراقية الحديثة. هنا لا يتغير الحدث، بل يتغير أفق تأويله، تبعا للسياق السياسي والذاكرة الجمعية.
وتزداد تعقيدات العلاقة بين الذاكرة والتاريخ في الحالة العراقية، عند دراسة حقبة الحكم البعثي، حيث تتنازع الذاكرة الرسمية السابقة، وذاكرة الضحايا، وذاكرة المنفى، وذاكرة ما بعد النظام، على إنتاج سرديات متباينة حول الدولة والمجتمع والحرب. فالحرب العراقية الايرانية، مثلا، تُستعاد في بعض المذكرات بوصفها حرب دفاع وطني، بينما تُقرأ في شهادات أخرى بوصفها مشروع تعبئة سلطوية شاملة، في حين تحاول الدراسات الأكاديمية الأحدث تفكيكها ضمن سياقات إقليمية ودولية وبنيوية أوسع. وهذا التعدد السردي لا يعني فقط اختلاف الزوايا، بل يكشف ما أشار إليه ريكور من أن الذاكرة يُعاد بناؤها تحت تأثير الحاضر وحاجاته الرمزية.
أما ما بعد 2003، فقد فتح مرحلة جديدة من «انفجار الذاكرة» في العراق، حيث تحولت السيرة الشخصية، إلى أداة مركزية في كتابة التاريخ القريب: مذكرات مسؤولين سابقين، شهادات معارضين، سرديات ضحايا، وأدبيات إعلامية متضخمة، كلها ساهمت في إنتاج تاريخ آني متشظٍ، يفتقر إلى المسافة الزمنية والمنهجية التي تسمح بإعادة التركيب النقدي. وقد نبّهت دراسات الذاكرة إلى أن فترات التحول السياسي الحاد تنتج فائضا من الشهادات الذاتية التي تتقدم على البحث التاريخي المنهجي، وهو ما ينطبق إلى حد بعيد على المشهد العراقي. ومن زاوية منهجية، تكشف الحالة العراقية أيضا حدود الاعتماد المفرط على المذكرات، بوصفها مرجعا تاريخيا. فكما يشير عدد من الباحثين في كتاب «المذكرات الشخصية مصدرا لكتابة التاريخ»، الصادر عن بيت الحكمة في بغداد، أن هذا النوع من المراجع يتأثر بالانتقاء النفسي، والرغبة في التبرير، وإعادة ترتيب الأحداث بما يخدم صورة الذات في الذاكرة اللاحقة. وهذا ما يفسر التباينات الحادة بين روايات الفاعلين السياسيين حول الأحداث ذاتها، سواء في ما يتعلق بالصراعات الداخلية، أو بالقرارات المفصلية في تاريخ الدولة.
وإذا ما أُضيف إلى ذلك إغلاق جزء كبير من الأرشيفات الرسمية، وتشتت الوثائق بين الداخل والخارج، فإن النتيجة تكون وعيا تاريخيا يعتمد بدرجة كبيرة على الذاكرة الشفوية، والسرديات الشخصية، وهو ما يخلق ما يمكن تسميته بـ»تاريخ الذاكرة» أكثر من كونه تاريخا تركيبيا نقديا. وفي هذا السياق، تصبح مهمة المؤرخ العراقي أكثر تعقيدا، إذ لا يواجه نقص المصادر فحسب، بل وفائض السرديات المتعارضة التي تتطلب تفكيكا منهجيا دقيقا.
إن إدراج العراق في نقاش العلاقة بين الذاكرة والتاريخ لا يعود فقط إلى كثافة أحداثه السياسية، بل إلى كونه مثالا حيا على كيفية تشكل التاريخ المعاصر تحت ضغط الصدمة والتحول والعنف، حيث تتحول الذاكرة إلى فاعل رئيس في إنتاج المعنى التاريخي، لا مجرد وسيط لنقله. ومن هنا، فإن كتابة تاريخ العراق الحديث تفرض على الباحث توازنا صارما بين قراءة الشهادات الذاتية بوصفها نصوصا كاشفة عن الوعي التاريخي للفاعلين، وإخضاعها للنقد المقارن والربط البنيوي الذي دعت إليه مدرسة الحوليات في تجاوز الحدث نحو تحليل السياقات الطويلة.
لقد أظهرت تجارب التحولات العنيفة في المنطقة، ولاسيما في العراق، أن المجتمعات التي تُترك لذاكرة متنازعة بلا تفكيك نقدي، تظل أسيرة ماضيها، تعيد إنتاج صراعاته في الحاضر بأشكال جديدة. فالماضي غير المفكك لا يختفي، بل يعود في الخطاب السياسي، وفي التعليم، وفي الإعلام، بوصفه مخزونا دائما للتعبئة والاستقطاب. وعند هذه النقطة يفقد التاريخ وظيفته المعرفية، ويتحول إلى أداة صراع على الشرعية والهوية.
لذلك نستطيع القول؛ إن تحرير التاريخ من هيمنة الذاكرة المؤدلجة لا يعني إلغاء الذاكرة، بل إخضاعها للنقد المنهجي، وفتح الأرشيف، وتشجيع البحث المستقل، وكسر احتكار الرواية الواحدة. فالمجتمعات التي تستهلك الماضي بوصفه يقينا مغلقا، لا بوصفه موضوعا للفحص، تظل محكومة بدورات متكررة من سوء الفهم التاريخي والتوتر السياسي والنتيجة، أن كتابة التاريخ بين الذاتي والموضوعي ليست ترفا نظريا، بل شرطا لبناء وعي عام أكثر نضجا، قادر على فهم الماضي خارج منطق التبرير أو الإدانة، وتحويله من أداة صراع إلى مجال معرفة نقدية تسهم في استقرار المعنى لا في تأجيج الانقسام.
كاتب عراقي