يسترعي الانتباه التجنيس الذي وسم به الكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي عمله الأدبي ذائع الصيت «الذاكرة الموشومة»، بأنه «سيرة ذاتية لِمُتحررٍ من الاستعمار» Autobiographie d’un décolonisé. أزعم أن هذه التسمية هي من وضع الكاتب نفسه، وفيها شيءٌ من ابتداعه، وسَمْت تفكيره، بناء على معطيات نصية وعبر نصية (تاريخية، سياسية، تداولية..)؛ فالوَسْم «مُتحرر من الاستعمار» يركز على وضع الذات داخل التاريخ، وعلاقتها مع العالم وحدود وعيها به في فترة الاستعمار وبعده، وبالتالي يضيء جوانبَ وأبعادا من العمل الأدبي، وإن كان ـ في المقابل- يظل أسير المرحلة التاريخية- الاستعمارية التي أملته، وهذا يحتاج وحده إلى تسديد نظر وتأويل.
مسار تحرري
يظهر من خلال المنظور الاستعادي لمحكي السيرة الذاتية في «الذاكرة الموشومة»، الذي يمتد من طفولة الكاتب إلى حين رجوعه إلى المغرب، بعد إتمام دراسته الجامعية في باريس، أنهُ تُوجهه حركتان: تتبع أطوار السيرة (الولادة، موت الأب والأخ، زواج الأم، الدراسة، المغامرات..)، ومن خلالها نطالع أحداثا من التاريخ الاستعماري في المغرب (فرض الحماية، مجزرة الدار البيضاء، الإنزال الفرنسي، فظائع جنود الاستعمار، نفي محمد الخامس، تنصيب ابن عرفة، إعدام المقاومين بالرصاص، دحر الاستعمار)، وملامح من المجتمع المغربي على طريقة حياة الشخصية (طقس الولادة، عيد الأضحى، حفل الختان، الحناء، تعدد الزوجات، تعاطي السحر، زيارة الأضرحة وطلب الشفاء..)، ثم التعبير عن مشكلاتٍ من طبيعة فكرية واجهتها ذاتُ السيرة في المهجر الباريسي (الهوية، الغيرية، التمييز، الشعور بالانشطار والتيه، الانتماء الأيديولوجي..)، في العبور الهامس، أو الضاج بالعلامات بين ضفتي الوطن والمهجر (الجديدة، الصويرة، مراكش، الدار البيضاء، باريس، لندن، صوفيا، كومبلو، ستوكهولم، مدن الصحراء)؛ فهل الأمر يتعلق، إذن، بسيرة فكرية «ما بعد كولونيالية»، أكثر من كونها مجرد سيرة ذاتية؟
ينبغي أن نعرف الظروف التي أحاطت بكتابة السيرة، أو وجهت صاحبها: يعترف عبد الكبير الخطيبي، في أحد حواراته، أن مشروع الكتابة كان مُخططا له قبل عودته إلى المغرب وهو حاملٌ لثقافة وفكر جديدين، لكن ألح عليه «في ظروف شخصية جامعية». فحين عاد إلى المغرب التزم بكل حماس وإرادة للنهوض بالوطن الخارج للتو من مرحلة الاستعمار، إذ عمل أستاذا باحثا في جامعة محمد الخامس في الرباط، وكان من المؤسسين للنقابة الوطنية للتعليم العالي، وأخذ يساهم من خلال النشاطات الثقافية في النقاش العام وفي توطين المعرفة الحديثة، ولاسيما بعد أن تولى إدارة معهد السوسيولوجيا في الرباط عام 1966، إذ كان هذا الأخير يعكس نموذج البحث العلمي والميداني، الذي يسعى إلى تثوير العلوم الاجتماعية بقدر ما يريد أن يتجاوز الخلفيات الكولونيالية السائدة، ويبني معرفة حقيقية حول المجتمع المغربي، قبل أن يجري إغلاق المعهد عام 1970 في أيام حكم الحسن الثاني، وينغلق الباب على تطلعات جيلٍ مُتشبعٍ بروح التغيير. ولهذا، ففي هذا الفترة من البحث عن الذات وتجاوز مشاعر الخيبة والإحباط، كتب «الذاكرة الموشومة»؛ كأن الأمر، بالنسبة إليه، يتعلق «بنوع من المراجعة لتجربة».
يعرض العمل هذه التجربة في بعديها الفردي والجمعي معا، ومن خلالها يمكن أن نتعرف مجموعَ الآثار النفسية والسوسيوثقافية، التي طبعت مسار الذات، بما في ذلك الأثر الذي تركه الاستعمار على نفسه وثقافته ونظرته للعالم، في سياق البحث عن معنى هويتها المتجددة باستمرار، وقد خلق ذلك بالنسبة لها شعورا بالتيه والدوار في كل أطوار حياتها. وفي هذا المعنى، لم يكن هدف السيرة مشروع استعادة هذه الأطوار وحسب، بل كذلك مشروع التخلص من النزعة الاستعمارية (Décolonisation) عبر رسم علاقتها المتوترة بالآخر/الغرب، وتفكيك خطاب القوة والهيمنة، الذي يتخفى وراءه (اغتصاب النساء، فرض تعليم لائكي، التمييز والعنصرية، إغراق ثقافة البلد المستعمَر في الفلكلور..)، وتجلى ذلك في المثابرة الحثيثة التي لازمت الذات على مستوى تكوينها الشخصي والفكري الواعي والطموح، بما يشبه تحديا منقطع النظير، ولاسيما على مضمار الآخر وسلطته المعرفية.
في هذا السياق، أثارت هذه السيرة مشكلاتٍ مُعقدة وحاسمة؛ مثل: الهوية، الآخر، الاختلاف، البناء الرمزي للجسد، التعبير الفني، التي تمس، في الصميم، معضلة الوجود الإنساني الذي يواجه تهديدات وتجارب على حواف الخطر، كما قُيض للذات الكاتبة أن تختبرها في علاقتها بجذورها وجسدها ووعيها وهجرتها بين الحدود. وهذه المشكلات لا تَرِد في سياق الأحداث عَرَضا، بل يتم التبئير عليها وتصبغ بجذريتها «حبكة» السيرة ونظامها التلفظي، بحثا عن جينيالوجيا الذات منذ طقس الولادة التدشيني. ولا يمكن أن نفصلها عن مشكلة الكتابة نفسها، التي تعطي لهذا البحث قيمة وجودية وتعبيرية في آن، ولهويتها داخل العمل توترا أكبر. فهي لا تلتزم بالتعبير عن تلك المشكلات وحسب، بل تخلق منها سياساتها الخاصة التي على مضمارها الحيوي تستطيع أن تواجه، وتتجاوز ما هو سائد، وتنخرط في معركة التحديث؛ أي أن تكون الكتابة فعل تحرير، وفعل استنارة والتزام، وفعل تعددٍ يراهن على الاختلاف؛ أي أن «تصبح الكتابة اختزالا لتداخلات وجودية وتاريخية وفنية واجتماعية متشابكة داخل النسيج النصي». يقول الخطيبي: الالتزام بالنسبة لي، هو تحويل ما أحس به وما أفكر فيه إلى شكل أدبي وإلى كتابة، يريد الآخرون أن يؤطروني في خانة بعينها، في حين أنني ممتهنٌ لقياس المسافات». فالذات الكاتبة لا يكون لها وجود فعلي داخل التاريخ إلا بمدى مساهمتها في تغييره ونقده، والتزامها تجاه المجتمع بواجب تحريره من أشكال الهيمنة، وبالتالي تكون الكتابة بما هي فعل سياسي «كتابة تاريخية ووجودية» بالمعنى الأنطولوجي، لا السارتري، للكلمة. ضمن هذا الوعي الذي يؤكد عليه الكاتب، تتجاوز كتابة «الذاكرة الموشومة» كونها حكيا متسلسلا لذكريات أو أحداث تمتْ في الماضي تُستعاد كيفما اتفق، أو تصفية حساب مع تركة هذا الماضي الذي حدث وولى، بل هي تتحرك كإنتاج دلالي يبني سياسات فعل الكتابة التي تواجه العقل الأداتي- الثيوقراطي وتحاول أن تنازع سلطته على حلبة الصراع السياسي والسوسيوثقافي (إمبريالية، استكبار، فرقْ تَسُدْ)، مثلما تفضح الخيال الاستعماري الذي تستلهم منه آليات بطشها: «اقرِنْ، اعزِلْ، جَيشْ، قَسم المدينة إلى مناطق عُرفية وأغرِقْ ثقافة الشعب المغلوب»؛ وذلك بعقل متأمل، نقدي وتحليلي. كما تحاول أن تنزع عن اللغة كلسان وقيم، طابعها المقدس (الفصحى)، أو طابعها السلطوي الاستعلائي (الفرنسية)، وهذا ما تبلور كاستراتيجية هدم وبناء داخل مشروع «النقد المزدوج» بما هو نقد الذات (لاهوت الكبت والإقصاء والتخلف) والغير (الميتافيزيقا الغربية) بشكل متوازٍ؛ حيث هذا الأخير «لا يصبح آخر إلا إذا حُول عن مركزه وزحزح عن تحديداته المهيمنة».
إعادة تأويل
إذا كُنا نرجح أن السيرة الذاتية ـ تحت تأثير خلفية صاحبها السوسيولوجية وفكره الاختلافي- ذات طبيعة فكرية ما بعد كولونيالية، وكانت صورة الذات تتبدى في خطابها داخل ملفوظات الشعور الدائم بالدوار والانشطار والتمزق الهوياتي، وذلك منذ أن قُذف بها مبكرا في عالم يطفح بالتعدد والازدواجية (لسانية، تعليمية، ثقافية..)، إلا أنه «كان للمُخيلة مآثرها»، بشكل سمح للكتابة، كتابة الذات وكتابة العالم الذي عاشته، أن تأخذ صفة الكتابة الطروسية، التي تخرق النوع السيرذاتي وتمارس لا وعيها وإغواءها على الذاكرة النصية وتعيد تشكيلها من خلال الإيهام بالواقع، فيما هي تستدعي أنواعا عبر أدبية (الرسم الذاتي، المقال التحليلي، التأمل الفلسفي، الحوار المسرحي، التخييل الذاتي..)، وتنكتب من خلال نصوص أو تتناص معها (القرآن الكريم، ملحمة سيدنا علي، الروض العاطر، أحلام ابن سيرين، نصوص نيتشه، وجبران، وسارتر، وملارميه، وفاليري، وجويس، وكورناي، وبريفير وبول إيلوار، إلخ)، حيث تقوم بمحاورتها وتحويلها كإيحاءات رمزية داخل خطابها الشذري. وفيما هي تقود إلى بعض «ما لم تعرفه» كما يقول محمد بنيس، تعمل ـ في المقابل- على تأزيم الآخر الاستعماري داخل لغته، إلى درجة تجعله «غريبا في لغته» وبناها الإحالية والسلطوية. اعترف جاك دريدا بأن «ما يصنعه الخطيبي باللغة الفرنسية، ما يمنحه إياها بترك بصمته فيها، يتعذر فصله عما يحلله من هذه الحالة، في أبعادها اللغوية، طبعا، ولكن أيضا الثقافية، والدينية، والأنثروبولوجية، والسياسية». كما يعترف رولان بارت بقوله: «نهتم، أنا والخطيبي، بالأشياء نفسها: الصور، العلامات، الآثار، الحروف، السمات. ولأنه في الوقت نفسه يزحزح هذه الأشياء كما أراها، لأنه يجرني بعيدا عن نفسي، إلى أرضيته، إلى طرف ذاتي، يُعلمني الخطيبي شيئا جديدا، ويزعزع معرفتي». فالكتابة عند عبد الكبير الخطيبي تستند إلى تصور فلسفي نقدي في ما تقوم به وتسعى إليه، بقدر ما هي تتحرك بمهماز المُخيلة التي تعيد تأويل هذا التصور وتُكيفه مع الإكراهات المرتبطة بالشكل السردي لسيرة ذاتية مفتوحة، وشذرية، ومتحررة تعيد تشييد ذات المؤلف، وهُويته التي في حالة صيرورة، وفكره المغاير على ضوء التجربة الحاضرة من أجل تحرير «معنى الحياة».
وإذن، فإن «الذاكرة الموشومة» لعبد الكبير الخطيبي (1938- 2009) هي عمل سيرذاتي ذو طبيعة فكرية ما بعد كولونيالية، ولو تُرجم العمل إلى الإنكليزية في تلك الأيام، لكان موضع اهتمام الدراسات ما بعد الكولونيالية التي يعتبر كل من فرانز فانون وألبير ميمي وإدوارد سعيد وهومي بابا وغاتاري سبيفاك من أهم رموزها، وهذا ما غنمته السيرة الذاتية لإدوار سعيد «خارج المكان»، التي كانت محط هذا الاهتمام وقامت بدورها على سردية الصراع الهوياتي بين لغتين وعالمين وحضارتين. لكنه اليوم يُنظر إليه بوصفه عملا تدشينيا لمنعطف ما بعد كولونيالي لم يكن قد نشأ بعدُ، ومُرافعة كان طموحها المُبكر في أن تؤسس تقاليد جديدة داخل الكتابة الأدبية، ولا تُهادن أحدا في سعيها إلى المزج بين ما هو سياسي وأخلاقي وإبداعي معا، مثلما هي تجربةٌ مسكونةٌ بِـ»لذة الأشكال» التي تُغير منظوراتها وأمكنة قراءتها وتأويلها على الدوام.
كاتب مغربي