رام الله – «القدس العربي»: ما هي مكانة الاقتصاد في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟ وكيف يمكن فهم انتعاش الأسواق العالمية بعد خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الإثنين؟
ومن هو الخاسر الأكبر من التحولات الاقتصادية التي يمكن أن تعصف بالعالم في حال استمرت الحرب على إيران لأسابيع مقبلة أخرى وعلى عكس أمنيات الحقل الاقتصادي؟ تبدو الأسئلة السابقة الأكثر إلحاحا محليا وعربيا وعالميا، ولذلك حملتها «القدس العربي» في حوار مع الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم، وهو أستاذ العلوم المالية والاقتصادية في كلية الدراسات العليا في «الجامعة العربية الأمريكية» في رام الله، ومستشار لعدد من المؤسسات الرسمية والدولية.
وهو يرى أن «علينا الانتظار قليلا لمعرفة كيف ستكون مآلات الصراع الدائر حول «مضيق هرمز»، فحال المضيق هو ما يمنح تصريحات ترامب زخمها ومصداقيتها حول نهاية الحرب، وبالتالي للأسواق العالمية».
ورغم أهمية البعد الاقتصادي للحرب، فإن الخبير الاقتصادي عبد الكريم يرفض فكرة أن يلعب الاقتصاد الدور الكبير في وقفها. كما يخلص إلى أن الشعوب الفقيرة هي التي تدفع الثمن الأكبر للحرب على إيران، في ظل أن خسائر الولايات المتحدة الأمريكية هي الأقل حتى اللحظة. وفيما يلي نص الحوار:
□ في اليوم الحادي عشر خرج ترامب بخطاب طويل، وكان يبدو أن الهدف منه طمأنة الأسواق العالمية، حيث كان الدواء هو تركيز ترامب في حديثه على اقتراب نهاية الحرب. ما رأيك فيما قال، وكيف تقرأ السلوك؟ ويبدو من الواضح أن الموضوع الاقتصادي في الحرب على إيران أصبح يحتل حيزا كبيرا جدا؟
■ بالأمس، وفي خطاب طويل، قال الرئيس الأمريكي ترامب إن الحرب ستنتهي قريبا. لقد كان الهدف واضحا بدلالة ما ترتب عليه من نتائج. لقد كان هدفه العمل على تهدئة الأسواق، وبالذات أسواق النفط والغاز وأسواق المال. وبالتالي، وبدلالة النتائج يمكن القول إنه نجح في ذلك كثيرا. فمنذ لحظة التصريحات التي أدلى بها تغيرت اتجاهات الأسعار. النفط تراجع من 105 إلى أقل من 90، والبورصة في نيويورك انقلبت من اللون الأحمر إلى اللون الأخضر لمعظم الأسهم تقريبا، والدولار بدأ يضعف ويفقد جزءا من قوته.
وبالتالي كان من الواضح أن الهدف هو تهدئة الأسواق. فقد بدأ يستشعر هو وفريقه أن الأضرار الاقتصادية التي ستلحق بالعالم، ومنها الولايات المتحدة وحلفاؤها، كبيرة جدا وضخمة لدرجة يصعب المرور عليها مرور الكرام. ولذلك أظن أن فريقه ومستشاريه طلبوا منه الظهور بخطاب سياسي يهدف إلى تهدئة الأسواق عبر تصريحات إيجابية حول نهاية الحرب، حتى لو كان فيه تهديد لاحقا لإيران. وأنا أتفق بأن الخطبة حملت أبعاد التصريح الاقتصادي.
□ في حال أن الحرب استمرت وتهديد الإيرانيين بمنع تدفق النفط تواصل، ولم تحقق التهديدات الأمريكية أي أثر، ما التداعيات الاقتصادية لذلك؟ وماذا يمكن أن يحدث في المنطقة وعالميا؟
■ إذا استمرت الحرب ولم تنجح أمريكا وحلفاؤها في فتح «مضيق هرمز» من جديد، ونجحت إيران في إعاقة حركة النفط وإنتاج النفط وإنتاج الغاز في كثير من دول المنطقة، فمن دون شك ستفقد تصريحات ترامب زخمها. وبالتالي سيعود الاضطراب مرة أخرى إلى السوق، وسيعود السوق متوترا من جديد، وأسعار النفط والغاز ستكون عند مستويات قياسية، وربما تعوض كل ما فقدته.
لذلك أظن أنه علينا انتظار التأثير طويل المدى لتصريحاته، ومعرفة كيف ستكون مآلات الصراع الدائر حول مضيق هرمز. ويبدو أن أكثر المعنيين فيه هم «الاتحاد الأوروبي»، لأنه يتأثر بذلك أكثر من غيره. فـ»الاتحاد الأوروبي» و»الصين» أيضا من أكثر المتضررين. والصين التي كانت حليفة إيران سابقا.
لهذا السبب بدأ الحراك الدولي يتبلور من أجل تأمين فتح مضيق هرمز. فهناك من يريد إرسال سفن، ومن يريد مرافقة السفن التجارية، ومن يريد التوسط لدى إيران. وبالتالي بدأ الحراك الذي لم يكن موجودا سابقا، وكل ذلك بهدف تأمين أو ضمان المصالح الاقتصادية للدول، سواء في المنطقة أو في أمريكا أو الصين أو أوروبا، حتى لا تتضرر بشكل كبير.
وبالمناسبة، فإن الضرر الاقتصادي الذي لحق بأمريكا قد يكون من أقل الأضرار نسبيا إذا قورن بدول أخرى. فأنت تقود معركة وحربا ليست على أراضيك، فيما التكاليف التي تتكبدها هي بضعة مليارات من الدولارات. وربما الآن وصلت إلى عشرة مليارات دولار، وهي تكاليف لنفقات مباشرة أنفقت على آليات الحرب والوسائل العسكرية من ذخائر وحركة ووقود.
ولذلك أظن أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن اقتصاد الدول سينزف أكثر، وقد يعود إلى الحالة التي وجد فيها في بدايات حرب روسيا وأوكرانيا، أو خلال فترة جائحة كورونا، ولو أنه أقل حدة من فترة كورونا لأنها لا تشمل العالم كله.
ارتفاع الأسعار
وبالنتائج من المتوقع أن تعود أسعار النفط إلى الارتفاع، كما سترتفع أسعار معظم السلع نتيجة ارتفاع أسعار الشحن والتأمين بسبب إيجاد خطوط بديلة. كما ستعود أزمة التضخم إلى الظهور من جديد، وبالتالي ستتعطل جهود البنوك المركزية لمكافحة التضخم، وتحديدا في الدول الفقيرة التي لا تمتلك مناعة اقتصادية أو بدائل أو شبكات حماية اجتماعية. وهذا يعني أن هذه الدول وشعوبها الفقيرة ستدفع الثمن الكبير نتيجة ارتفاع الأسعار، وكالعادة الفقراء هم الذين يدفعون الثمن.
وهذه أهم النتائج على الشعوب إذا استمرت الحرب. أما في حال انتهت خلال أسبوعين حتى نهاية هذا الشهر، فإن التعامل مع الأضرار الاقتصادية يكون أسهل، والتعافي منها يصبح ممكنا وأسرع.
□ كأنني أفهم من كلامك السابق أن العامل الاقتصادي يمكن أن يكون من أبرز الأسباب التي يمكن أن تنهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟
■ هو واحد من الأسباب. بتقديري لم يكن في عقلية ترامب ولا حكومته، وهي حكومة يمينية متطرفة، وكذلك حكومة نتنياهو، وهي يمينية متطرفة أيضا، اهتمام كبير بالاعتبار الاقتصادي، أو لنقل إنه ليس مقدما على ما يسمى الاعتبار التوسعي المبني على توسيع النفوذ والذي يستمد من أيديولوجيا سياسية.
وبالتالي فإن هذه الحرب بدأت بهذا المضمون، أي حرب أيديولوجية توسعية فيها محاولة لفرض هيمنة على المنطقة والتخلص من كل بؤر المقاومة الموجودة فيها، ومن أجل إعادة هندسة الشرق الأوسط. وقد تقوم معارضة في الولايات المتحدة الأمريكية لتلك الأهداف التي يقف عليها ترامب وحكومته، لكن في نهاية الأمر فإن الطرفين، «إسرائيل» و»الولايات المتحدة الأمريكية»، يقودان صراعا في هذا السياق الأيديولوجي.
ومن زاوية أخرى فإن أمريكا لديها هدف استراتيجي آخر ليست له علاقة باعتبارات اقتصادية مباشرة، وهو الحرب على «الصين». والمقصود هنا حرب على زعامة العالم، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين مستقبلا في إدارة الاقتصاد العالمي.
وحركة ما حدث في فنزويلا وإيران تأتي من جهة بهدف ما يسمى حرمان الصين من أهم حليفين يزودانها بالنفط، ولديهما شراكات وعلاقات اقتصادية قوية معها. وبالتالي توجد أيديولوجيا واعتبارات استراتيجية، وحتى الآن فإن التكاليف الاقتصادية ليست عاملا متقدما في موضوع القرار بوقف الحرب من عدمه، حتى الآن.
□ لو حددنا أسماء بعض السلع الأساسية التي يمكن أن تمس المواطن العربي والفلسطيني في حال استمرت الحرب خلال الأسابيع المقبلة ما هي أبرز هذه السلع؟
يمكن هنا أن أصنف في رقم واحد، النفط والمشتقات النفطية بما فيها الغاز، وهذا ارتفاع مباشرة في الأسعار، وأيضا، كل الانتاج الصناعي الذي يستخدم الوقود، وبالتالي هذا سيكون جزءا مهما من تكاليف الانتاج وبالتالي سترتفع نتيجة لذلك ارتفاعات في المشتقات النفطية، وربما الكهرباء المرتبط توليدها بالمشتقات النفطية، وإضافة لذلك، بعض المنتجات والسلع الأساسية التي يتم استيرادها من الصين وتركيا، وبعض الدول الأخرى، التي هي نتيجة للتنافس عليها اليوم بسبب آلة الانتاج في دول مهمة، وتقطع النقل، يصير كأن هناك تنافسًا أكبر على السلع لدول في الجوار.
ومن هنا أظن أن الأسعار سترتفع، ومنطقيا حتى لو لم يوجد هناك أي مبرر اقتصادي قوي لرفع الأسعار فإنك ستجد هناك من يستغل هذه الفرصة ويلجأ لرفع الأسعار، وبالتالي، السلع من هذا القبيل سترتفع وحتى السلع الغذائية التي نستوردها أيضا.
فلسطين
□ فلسطينيا، أعلنت الحكومة الفلسطينية أعلنت أن موازنة 2026 ستكون موازنة طوارئ قائمة على التدفق النقدي حيث قالت إن وزارة المالية – وحتى نهاية العام – ستقوم بإنفاق ما هو متاح من السيولة في الخزينة العامة بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية وعلى رأسها التعليم والصحة والأمن، وضبط الإنفاق، وتطوير العائدات المحلية، كيف ترى هذا القرار؟ وهل يمكن أن يفلح في ظل الحرب الاقتصادية الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية؟
■ يبدو لي أن الاقتراح الذي قدمته الحكومة اليوم في اجتماع مجلس الوزراء يماثل الاقتراح الذي قدمته عبر وسائل الإعلام بشكل حرفي قبل ثلاثة أيام، يبدو لي أن ما قدمته تم أخذه بالكلمات نفسها ووضع في نص القرار. في الحكومة كانوا سابقا يتحدثون عن موازنة خارج الصندوق ومجلس استشاري، بينما الموازنة ليس لها أي معنى مضمون، لقد اقترحت سياسات موازنة الطوارئ، تكون قائمة على تدفقات خفيفة وفق ما يتاح ووفق أولويات محددة (تقديم الخدمات الأساسية وعلى رأسها التعليم والصحة والأمن، وضبط الإنفاق، وتطوير العائدات المحلية، مع استمرار صرف نسبة من الرواتب)، وهذا ما قلته وهذا ما كتبوه، لذلك أنا معها، لكن السؤال الجوهري هنا هو كيف ينفذ هذا القرار وليس القرار نفسه.
□ مجلس الوزراء أعلن عن ترتيبات استثنائية وذلك في ظل أموال المقاصة المحتجزة من الحكومة الإسرائيلية، والتي باتت قيمتها الآن ما يقارب 5 مليارات دولار، أي أن هذه الحرب تأتي بثقلها في لحظة أن السلطة الفلسطينية في أضعف أحوالها، وذلك يترافق مع تجاهل أو نسيان العالم لهذه البقعة من العالم، وبالتالي هناك فرصة ليزيد الحصار ويتضاعف، كيف يمكن أن تتعامل السلطة في ظل هذا الظرف الاقتصادي الذي لا تحسد عليه؟
■ بصراحة، لا توجد في ذهني حلول، لا أملك أي حل يمكن قوله، ليس من باب عدم وجود حلول، بل من باب عدم مناسبتها للحالة الفلسطينية، فالموضوع والحالة التي تمر بها السلطة يمكن وصفها أنها معقدة جدا، وهي أكبر منها.