تكتسب قراءة الفيلم السينمائي أهمية نقدية استثنائية، ليس على مستوى فحص الخطاب البصري فحسب، بل على مستوى مقاربة الأفكار التي يطرحها، والأسئلة التي يُثيرها، لأن السينما المعاصرة باتت الأقرب إلى سينما الأفكار، رغم ما يحوط بعضها من بهرجة، ومن مهيمنات تخصّ علاقتها بسياسة السوق وأنماط الاستهلاك، فصناعة وعي التلقي يمثل مجالا نسقيا لصناعة الخطاب، وحتى لترهين هذه الصناعة بأدلجة ذلك التلقي، لاسيما في اختيار توجهات تخص سينما الرعب والعنف، وسينما الشخصيات المأزومة، أو الأمكنة الدوستوبية، وحتى سينما الخيال العلمي والحرب، إذ تستدعي هذه السينمات قراءات واسعة، ومراجعات فاحصة، تتعلّق بطبائع حمولاتها النفسية والسياسية والأيديولوجية، وبآليات تسويق الصورة البصرية للجريمة والقتل والمجتمع..
صناعة الخطاب السينمائي ليست بعيدة عن صناعة مؤسسات، في أهدافها، واستراتيجياتها، وفي نظامها الإنتاجي، وأسلوبها في التعاطي مع الجمهور المُستهدّف، من خلال توجهات «ليست بريئة» في التسويق في التأثير، وفي تغذية الصورة الذهنية، وبالاتجاه الذي يجعل من صناعة السينما بمستوى ما تصنعه مختبرات « الفكر السياسي» والدعاية والأيديولوجيا والصدمة النفسية والجنس وغيرها، فضلا عن دورها في توسيع مساحة فاعلية الاستهلاك، وصناعة الأفلام، التي تتجاوز أحكام القيمة إلى أحكام المصالح، وإلى الإشباعات الرمزية والنفسية، لكن ذلك لا يعني تغييب أحكام المتعة بوصفها جزءا من الوعي القصدي في الإثارة، وفي توجيه مسارات هذا الوعي، عبر أفلام لها خصوصيتها، ولها حضورها في المهرجانات العالمية، وفي عوالم جوائزها المثيرة، وبما يجعل صناعة السينما من أكثر الصناعات المؤثرة في صياغة وعي التلقي، وفي صناعة سرديات الوثيقة والخطاب، التي تحولت إلى فاعلية لها أثرها في تنمية اقتصاديات كبيرة وضاغطة، وفي تحريك رؤوس الأموال، والاستثمار، فضلا عن أثرها في التحفيز على إعادة قراءة التاريخ والأيديولوجيا..
سينما العنف، والكراهية لها حضورها الإنتاجي ورمزيتها في استديوهات هوليوود، بوصف أفلامها من الرائجة ربحيا، والقريبة من توجهات «سوق التخيل»، إذ تلعب دورا مهما في تحويل السلعة السينمائية إلى قوة لتضخيم «فائض القيمة» البصرية والمعرفية، وحتى المادية، لأن مجال الأرباح الضخمة، ومجال الاستثمارات الكبرى، يُطلق شراهة العنان للتنافس في صناعة تلك الأفلام بمفهوم رأسمالية الكارتلات الحاكمة في هوليوود، وبالمفهوم الثقافي القائم على توظيف السينما في الصراع السياسي والثقافي والأيديولوجي..
فيلم مثل «جوكر» للمخرج تود فيليبس 2019، ما زال يثير جدلا واسعا حول فكرة الجريمة النفسية، وحول الشخصية المأزومة التي تجعل عقدها الشخصية دافعا للجريمة، وحول علاقة الجريمة بالبيئة الثقافية والسياسية، التي تكون فيها صورة المجرم، تبدو وكأنها صورة للبطل الذي يدافع عن ذاته، في مجتمع تنمو فيها مظاهر العنف والخوف والكراهية والتنمر.
اكتسب هذا الفيلم إثارته ليس عبر حصوله على جائزة الأوسكار فقط، عبر استثماره في مراجعة «الشخصية العيادية» وتوظيفها للقناع النفسي والتهريجي، لخلق نوع من الرضا الداخلي، والإشباع الرمزي، وعلى نحوٍ يجعل منها أكثر إثارة في مقاربة عوالم الليل والهامش الذي تعيشه «الشخصية الأمريكية» وصولا إلى تحويل أنموذجها المشوه في الفيلم، إلى تمثيل شخصية تعيش محنة «العنف الإيهامي» والدفاعي، عبر ما تمارسه من عنف نفسي واجتماعي وجنسي، فقناع البهلوان الذي تلبسه هو استعارة بصرية للتعبير عن وحشية الإنسان المقموع، وبما يجعل من مفهوم «سينما التوحش» يبدو وكأنه تمثيل لخطاب مقصود في التأثير على توجهات التلقي، وعلى استثارة المخفي في ثقافات العزل والكبت والحرمان، من خلال توظيف أجواء ظلامية، وحادة، لها حمولاتها الرمزية والنفسية، ومرجعياتها الأنثربولوجية داخل المجتمع الأمريكي، حيث تتحول ثنائيات العقل والجنون، والبطل والمهزوم، و»المتن والهامش» إلى مجال تتولد فيه «قوة ثالثة» تنزع إلى العنف القاتل، وإلى إثارة الرعب، وإلى الإيهام النفسي بنفي تلك الثنائية، من خلال إعطاء المجرم صفة البطل التطهيري، عبر سردية ثقافية – بصرية، تتحول الأحداث فيها إلى إحالات نفسية مركبة، كاشفة عن المُغيّب في الصراع الطبقي والاجتماعي والسياسي والأنثروبولوجي، مثلما هو كشفها عن الشخصية التي يشوهها المجتمع الطبقي، مجتمع المتن الذي يطرد هامشه، فغيب عنها الوجود الواقعي، ليحضر بديلا عنه الوجود الاضطهادي، الذي تستغرقه أزمة الشخصية، وأزمة علاقتها بالذات وبالآخرين، وعبر ما عمد إليه المخرج من توظيفات بصرية ولونية، هي الأقرب إلى تلوينات الغرائبية الصارخة في مدرسة هنري ماتيس واتجاهه الوحشي..
البهلوان والمدينة الدوستوبية
ثمة من يطرح سؤال عن فيلم «الجوكر»، وعن علاقة خطابه السيمي، والأبستمي بأنموذج الشخصية المأزومة والقاتلة، فهل هو بطل أم ضحية؟ وهل هو شخصية علاماتية، أم شخصية سايكوباثية؟ هذه الأسئلة المتشظية عن هوية الشخصية، يقودنا إلى مقاربة هذا الفيلم في سياق تداول مفهوم البطولة والأضحوية، ومفهوم العلاماتية والمرض النفسي، وعلى نحوٍ يؤكد وجودها في التوصيف» العيادي»، عبر التعرّف على تاريخها النفسي، والكشف عن لا وعيها النكوصي، فأزمتها تكمن في استلابها ورثاثتها، وعنفها يكمن في كراهيتها، وفي سخطها على الدونية، وهو ما يجعلها تبحث عن قناع خارجي، له إيحاءات داخلية لإخفاء الذات الرثة، التي سرعان ما تتحول بفعل الضغط الاجتماعي والشر الطبقي، إلى شخصية تحتاز رغبات مضادة في الشر والقتل، وفي تحويل الآخر إلى عدو لا يقل عنفا منها، حتى بدت اللعبة في الفيلم وكأنها تقوم على تبادل العنف في مجتمع يدعم الشر وصناعة العنف، وصناعة الشعبوية..
التقانات الإخراجية في الفيلم تتسق مع تشكّلات النص، ومع صياغة بناء الشخصية، بوصفها مجالا تبئيريا يستقطب الأحداث، ويجعل منها محركات لإبراز وظيفة الشخصية، وبما يُعطي للمكان/ اللامكان هويته، بوصف أن الفيلم يقوم على وحدة الفعل الدرامي للشخصية، وعلى أثرها في تحفيز وشحن المكان والزمن، وباتجاه يجعل من الجريمة وعنفها الخارجي دالين على مخزون العنف الداخلي، فما يتبدى بعد الجريمة من فوضى يكشف عن حجم الضغط النفسي الذي يتفجر، والذي يجعل من مساحته المفتوحة كاشفا عن الرغبة العميقة والغامضة في تدمير الآخر، وما يملكه، وحتى عين الكاميرا التي تتحرك، حسب حركة الشخصية تكشف عن منظور المخرج لما يمكن تسميته بـ»سينما الشخصية» التي يجعلها تتجوهر حول فكرة العنف الفائق والتحسس الخارق، وإلى إعطاء التشوه الخارجي بعدا نفسيا، يتبدى عبر قناع الألوان الوحشية، توريةً للتشوه الداخلي الذي أسهم في صناعته المجتمع والسلطة والمدرسة والعائلة..
مدينة «جونثام» مدينة الدوستوبيا والكوابيس، تتحول إلى جحيم يترسم خطى الطفل، الذي يتحول أيضا، ويتمرد، كارها للمدينة، ورافضا لخطاب البورجوازية، الذي تحول إلى علامة سردية لصناعة قصص العنف، ولشخصياتها المشوهة، ولمظاهر الفوضى التي تغرقها بالظلام والقذارة والدخان والعاهرات، وكأن هذه الصورة الغامضة للمدينة الدوستوبية تُخفي صورة غامضة للمدينة الأمريكية، مدينة العنف والقتل والكوابيس والجرائم العنصرية، والتي تضيع فيها قيم الحب والعدالة والحوار والتعاطف، وعلى نحو يجعل من التعاطي مع «البطل» وكأنه إجراء رمزي للتعاطف مع فكرة الخلاص، لأن ما يحدث في ليل المدينة، هو تورية لصراع يحمل في خفاياه نوعا من «العنف الثوري الراديكالي» ضد رموز الثروة والاستغلال الطبقي ورموز السلطة، فالمجرم الخارج من رهاب العنف الطبقي، والرثاثة الاجتماعية، ليس مجرما بالمعنى النمطي، بل هو المجرم الذي يرتكب جريمته، بوصفها بحثا عن الإشباع الرمزي، والنفسي، وانسحابا إلى إيهام الذات بوجودها، من خلال فكرة تدمير الآخر، ككناية عن تدمير السلطة ومجتمع الثروة..
كاتب عراقي