التونسيون يودّعون عام الاعتقالات والاحتجاجات وسط تقارب المعارضة والتململ داخل جمهور السلطة

حسن سلمان
حجم الخط
0

تونس -“القدس العربي”:

يودّع التونسيون عاما متناقضا، شهد أحداثا عدة، طغت عليها المحاكمات السياسية والاحتجاجات الاجتماعية، مع تسجيل تطور نوعي يتعلق بتقارب نسبي بين أطياف المعارضة وبروز “تململ” لدى أنصار الرئيس قيس سعيد، بدأت ملامحه بشكل جلي عبر مداخلات نواب البرلمان.

ويختلف السياسيون والحقوقيون التونسيون في توصيفهم لعام 2025، فبينما يبدو البعض “سوداويا” في تركيزه على الاعتقالات والتردي الاقتصادي وتراجع مستوى المعيشة، يبدو الآخرون أكثر تفاؤلا بحديثهم عن قرب التوافق بين الأطراف السياسية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، ودعوة بعضهم النظام السياسي القائم إلى القيام بعملية تقييم ونقد ذاتي وتبديل سلوكه تجاه المعارضة، اعتمادا على تعالي الأصوات المنادية بالتغيير داخله.

سنة الخروج من الحصار

ويرى رياض الشعيبي، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة والقيادي في جبهة الخلاص الوطني أن سنة 2025 هي “سنة الخروج من الحصار بالنسبة للمجتمع التونسي، ذلك أنه وعلى امتداد سنوات طويلة بقي التونسيون محاصرين بشعارات شعبوية وبسلطة متغطرسة وبانقسامات داخلية، أما اليوم فالاستبداد تتآكل شعبيته كل يوم، والنخب السياسية في طريقها للتوافق على الحد الأدنى الديمقراطي من جديد، كما أن المجتمع بصدد التحرر من الحصار الرمزي والمادي الذي قيده على امتداد السنوات الأولى للانقلاب”.

لكن الشعيبي يؤكد، في المقابل، استمرار “سياسات القمع والتنكيل بالمعارضين في تونس خلال سنة 2025. فقد زاد عدد المعتقلين وضاقت مربعات النضال السياسي والاجتماعي، بل إن الأحكام القاسية جدا التي صدرت عن المحاكم التونسية تؤكد أن هذه السلطة ماضية حتى النهاية في إسكات كل اصحاب الرأي الحر وإقصائهم”.

الشعيبي: في 2025 زاد عدد المعتقلين وضاقت مربعات النضال السياسي والاجتماعي وفشلت السلطة في تحقيق وعودها الشعبوية.

ويضيف لـ”القدس العربي”: “سنة 2025 شهدت صدور أحكام تجاوز مجموعها 45 سنة ضد رئيس البرلمان (السابق) الشيخ راشد الغنوشي وعشرات السنوات الأخرى ضد معارضين من مختلف الانتماءات السياسية، كما شهدت أيضا اعتقال الأستاذ أحمد نجيب الشابي رئيس الجبهة الخلاص الوطني والوجه الحقوقي النسوي شيماء عيسى ورجل القانون والمحامي العياشي الهمامي. وكانت سنة  صعبة وقاسية بالنسبة للمجتمع السياسي والحقوقي”.

بالمقابل لم تكن السلطة- وفق الشعيبي- في أحسن أحوالها أيضا، فـ”سياساتها الاقتصادية فشلت في تحقيق الوعود الشعبوية التي أطلقتها، والوضع الاجتماعي أكثر احتقانا بسبب العجز عن حل أزمة البطالة المزمنة، والتراجع الكبير في المقدرة الشرائية وارتفاع مؤشر الأسعار. وهذا خلق احتقانا اجتماعيا غير مسبوق ينذر بتدحرج السلم الاجتماعي، ناهيك أن عدد الإضرابات العمالية تصاعد، وأن إضرابا عاما تقرر ويمكن أن يتحول إلى محطة مفصلية في البلاد”.

ويختم الشعيبي بقوله: “في ظل هذا الاستبداد الفردي الجاثم على الدولة والمجتمع، لا يمكن أن يستمر عمل المؤسسات ولا نأمل في تكريس علوية القانون. كما أن الأحزاب والمنظمات تراجع حضورها عموما، رغم العودة الأخيرة للشارع الاحتجاجي وفرص العمل المشترك”.

سنة العلوّ الشاهق في الظلم والفشل

“سنة العلوّ الشاهق في الظلم والفشل”، هكذا يلخص هشام العجبوني، الخبير الاقتصادي والقيادي في حزب التيار الديموقراطي، عام 2025.

ويبرر سبب هذه التسمية بالقول: “السمة البارزة لسنة 2025 هي استشراء الظلم ونسف استقلالية القضاء وتواتر المحاكمات الجائرة لتصفية الخصوم السياسيين والمدنيين. وكذلك الفشل في كل سرديات النظام، من بناء قاعدي وصلح جزائي وتطهير الإدارة وشركات أهلية وتعويل على الذات وإصلاح الاقتصاد وغيرها”.

ويوضح لـ”القدس العربي” بالقول: “على المستوى السياسي، سنة 2025 هي السنة الأولى من العهدة الرئاسية الثانية لقيس سعيد، بعد انتخابات رئاسية شابتها كلّ الخروقات الممكنة، ولم تمكّن التونسيين من التعبير الحرّ عن خياراتهم. وفي حقيقة الأمر لم تشذ هذه السنة عن قاعدة مواصلة الاستفراد بالحكم والانغلاق، ورفض أي حوار مع الفاعلين السياسيين والمنظمات الوطنية والمجتمع المدني. وهناك تفاقم لحالة الإنكار من صاحب السلطة وانفصال عن واقع البلاد، في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية غير مسبوقة، وغياب لأي إنجاز يغيّر واقع التونسيين والتونسيات نحو الأفضل”.

العجبوني: السمة البارزة لسنة 2025 هي استشراء الظلم ونسف استقلالية القضاء وتواتر المحاكمات الجائرة لتصفية الخصوم السياسيين والمدنيين.

كما شهد العام الجاري، وفق العجبوني “تواصل المديونية المرتفعة ونسبة البطالة العالية وعجز الميزانية والميزان التجاري ونقص المواد الأساسية وتدهور المقدرة الشرائية وإفلاس وإغلاق العديد من الشركات، فضلا عن تنامي الاحتجاجات في أغلب القطاعات والأزمة البيئية بولاية قابس، وإغلاق باب الحوار مع الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث تم -لأول مرة في تاريخ تونس- إقرار زيادات في الأجور لسنوات 2026-2027-2028 في القطاعين العام والخاص في إطار قانون المالية لسنة 2026 في تجاوز لتقاليد المفاوضات مع المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف. وحتى داخل ما يسمّى “مسار 25 جويلية” (المؤيد لسعيد) تعالت الأصوات المعارضة والناقدة ورأينا ذلك جليا في تدخلات العديد من النوّاب في برلمان قيس سعيد”.

وعلى المستوى الحقوقي، يرى العجبوني أن السلطات التونسية “واصلت انتهاكها للحقوق والحريات واختلاق القضايا ضد منتقديها ومعارضيها على معنى قانون الإرهاب وتبييض الأموال والمجلة الجزائية والمرسوم 54 سيئ الذكر وبقية الترسانة القانونية الفضفاضة. كما نجحت في لجم أفواه أغلب الصحفيين والإعلاميين، حيث اختفت المنابر الإعلامية السياسية وتعويضها ببرامج الترفيه والرياضة والتفاهة، وتم “زرع” أبواق للسلطة في البرامج التلفزيونية والإذاعية للتسويق لسردية السلطة، مع تغييب الأصوات المعارضة”.

ويتابع بقوله: “في نفس الوقت، تم التضييق على المجتمع المدني وإحالة أبرز الجمعيات على البحوث الأمنية والديوانية والجبائية وهرسلتها (التضييق عليها) وإيقاف أنشطتها بحجة تلقّيها لتبرّعات أجنبيّة، وهو ما يسمح به مرسوم الجمعيات عدد 88 لسنة 2011، بالرغم من أن هذه الجمعيّات ساهمت في مقارعة الاستبداد في عهد بن علي، أو في معاضدة جهود الدولة في العمل الإنساني والخيري والمدني”.

كما تميّزت سنة 2025، وفق العجبوني، بـ”إصدار الأحكام الثقيلة في ما يسمّى بقضية التآمر على أمن الدولة، في ظل انتهاكات جسيمة لأبسط شروط المحاكمات العادلة، وفي ظل “وظيفة” قضائية أصبحت أداة طيّعة لدى السلطة التنفيذية لتصفية خصومها ومعارضيها، ولسجن رموز وقامات النضال في تونس على غرار الأساتذة أحمد نجيب الشابي والعياشي الهمامي وأحمد صواب”.

ويرى العجبوني أن تونس “لم تبلغ في تاريخها الحديث مثل هذا العدد من قضايا السياسة والرأي، ولم تعرف مثل هذا الظلم والتعسّف وقلّة الذوق في تطبيق القانون وضرب كلّ مقوّمات ومعايير العدالة”.

سنة التعاسة وتصفية السياسة

يرى الوزير السابق ورئيس المعهد العربي للديموقراطية، خالد شوكات أن سنة 2025 هي “سنة تعيسة، لأنها لم تكن تمتّ للسعادة بصلة وعلى جميع الأصعدة تقريبا”.

ويوضح لـ”القدس العربي” بالقول: “كانت سنة 2025 ذات سجّل مخجل سياسيا وحقوقيا -في رأيي- حيث تواصلت عملية “تصفية السياسة والسياسيين” من خلال الزج بالقيادات السياسية -على اختلاف أطيافها- في السجون، تحت طائل تهم غير مقنعة، في مقدّمتها تهم التآمر على أمن الدولة. وسيسجل التاريخ لهذا العام العصيب أنه أعاد إلى الأذهان لحظات ظنّ التونسيون أنهم فارقوها، إذ تذكّرهم بتلك المحاكمات السياسية التي شهدتها مراحل ما قبل الثورة، وجرى خلالها تسخير الأجهزة الأمنية والقضائية من أجل التخلّص من المعارضين السياسيين، الذين لم يفعلوا، في الغالب، شيئا يستحق التجريم، واعتصم معظمهم بأدوات المعارضة المدنية السلمية”.

شوكات: نظام سعيد مصمم على ضرب اتحاد الشغل لكن لا أعتقد أنه قادر على تصفية منظمة عريقة هزمت أنظمة ما قبل الثورة.

ويضيف شوكات: “بلغت الأحكام الصادرة ضد المعارضين والنشطاء المدنيين والصحفيين مبلغاً سورياليا لا يصدّق، وهو ما ألحق الأذى البالغ بصورة تونس الخارجية، حيث كانت تونس خلال عشرية الانتقال الديمقراطي نموذجا على صعيد المنطقة العربية والعالم الثالث في احترام حقوق الإنسان والحرّيات وفي الفصل بين السلطات، لكن هذه الصورة أضحت اليوم -كما هو وارد في جل وسائل الإعلام العالمية- محلّ انتقاد واستهزاء، بل إن صورة تونس لم تبلغ هذا المبلغ من السلبية حتى قبل الثورة، حيث كان يُحسب لبورقيبة وجود تونس ضمن العالم الحر المناهض للشيوعية، فيما كان يحسب لبن علي انخراط تونس في الحرب ضد الجماعات الإرهابية”.

ويرى شوكات أن السلطات التونسية في 2025 “واصلت سيرها في طريق الانغلاق ورفض الحوار، وربما الهروب إلى الأمام، كما واصل رئيسها خطاب التخوين وإلقاء المسؤولية كاملة على الخونة والمتآمرين، أما المعارضة فبقيت -رغم بعض المؤشرات على محاولة توحيد صفوفها- تبادل التهم وقد بدأ أن كثيرا من المعارضين غير قادر على مغادرة مربعات الإقصاء رغم عموم البلاء كما يقال”.

وبالنسبة لاتحاد الشغل، فـ”على الرغم من عودته إلى مربعه النقابي، بدا أن السلطة مصممة على المضي في مشروع ضربه وتهميش دوره، وهو ما ظهر في مشروع الميزانية الذي أقر زيادة في الأجور خارج أطر الحوار الاجتماعي المعهودة بين الحكومة والاتحاد، وهو ما يعني أن ما لحق الأحزاب يجب أن يلحق النقابات، لكنني لا أتصور -شخصيا- أن النظام قادر على تصفية هذه المنظمة العريقة، التي سبق لأنظمة العهود السابقة -خصوصا قبل الثورة- محاولة كسره، لكن الاتحاد بقي وكسر كل من حاول الاعتداء عليه”، وفق ما يؤكد شوكات.

عام الحقيقة وسنة المفترق

يطلق المحامي هادي الحمدوني على سنة 2025 لقب “عام الحقيقة وسنة المفترق”، ويفسر هذا العنوان الذي يبدو متناقضا بقوله: “البلاد بدت وكأنها تدخل مرحلة تعيد فيها كل الأطراف النظر في موقعها: السلطة في مشروعها، المعارضة في خطابها، المجتمع المدني في قدرته على المقاومة، والاتحاد في حدود نفوذه. حتى محيط السلطة نفسه بدأ يشهد بروز أصوات لم تعد تخشى إعلان اختلافها وهو ما قد يكون أهم مؤشرات العام”.

ويضيف لـ”القدس العربي”: “2025 ليست نهاية مرحلة. إنها بداية طرح السؤال الحقيقي: إلى أين؟ وبأيّ كلفة؟ وبأيّ توازن بين الدولة والمجتمع المدني؟ ويبقى الرهان الأكبر هو ضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية و السياسية للجميع واحترام القانون والابتعاد عن الشعبوية والخطابات الرنانة،حيث نسمع جعجعة ولا نرى طحينا”.

الحمدوني: النقطة الأكثر دلالة هذا العام هي تعبير أصوات من داخل محيط سعيد عن تخوّفها من الانزلاق نحو نموذج سلطوي غير قابل للتصحيح.

ويرى الحمدوني أن 2025 “لم تكن مجرّد سنة سياسية أخرى، بل هي سنة انكشاف عام بدا فيه المشهد التونسي كمن يمشي على أرض رخوة، فالسلطة تتقدّم بإصرار، لكنّ بنية الدولة من تحتها تتآكل، والمجتمع يبحث عن هواء سياسي في لحظة يختلط فيها الخوف بالأمل. كان عامًا يقف فيه الجميع على خطوط النار بين الدولة والحرية، بين مشروع يُراد ترسيخه بأيّ ثمن، ومكاسب حقوقية يحاول المجتمع الدفاع عنها ولو بإمكانيات أضعف من السابق”.

هي “سنة لم تحسم شيئًا بشكل نهائي، لكنها حرّكت كل شيء دفعة واحدة، وكشفت أنّ البلاد أمام مسار لم يعد يحتمل الغموض ولا الخطاب الإنشائي فالسلطة لها مشروع سياسي يتقدّم لكن بأسئلة أكبر من قدرته على الإجابة”.

ويضيف الحمدوني: “لقد سعت السلطة -وعلى رأسها قيس سعيد- خلال 2025 إلى فرض قراءة واحدة للمشهد السياسي، قائمة على مركزية القرار واعتبار الانضباط المؤسّساتي شرطًا لإنقاذ الدولة، لكنّ هذا المسار ولّد مفارقة واضحة: كلما ازدادت السلطة تشدّدًا في فرض رؤيتها، ازداد سؤال الحقوق والحريات إلحاحًا. فالقضايا التي طفت على السطح -من استقلال القضاء، إلى الاعتقالات وبعض الملفات الأمنية وعدم ارساء المحكمة الدستورية وغياب شبه تام لبعض الهيئات الاخرى- لم تعد تُقرأ فقط كوقائع معزولة، بل كملامح توتّر بين الدولة الحديثة والدولة المتشدّدة”.

ولعلّ النقطة الأكثر دلالة هذا العام-وفق الحمدوني- هي ظهور أصوات نقدية من داخل المحيط الذي كان يُحسب تاريخيًا على لحظة 25 جويلية، “شخصيات دعمت المسار في بدايته واعتبرته ضرورة تاريخية لإنقاذ الدولة، لكنها اليوم تعلن بوضوح متفاوت رفضها لبعض التمشيّات (القرارات أو الإجراءات)، أو تخوّفها من الانزلاق نحو نموذج سلطوي غير قابل للتصحيح لاحقًا. وهذا التحوّل مهم، لأنه يعني أنّ الاعتراض لم يعد يأتي فقط من المعارضة المتهمة بأنها مدعومة من السفارات و الخارج، بل أصبح يتسرّب من داخل الدائرة التي ساهمت في صناعة اللحظة السياسية نفسها”.

ويرى الحمدوني أن المعارضة التونسية تعيش أزمة خطاب، حيث “لم تستطع المعارضة التقليدية خلال 2025 تجاوز تعثّرها التاريخي، وبقي خطابها أسير الماضي، يكتفي بالاحتجاج دون طرح بدائل سياسية واقعية. وفي حين وفّر لها الوضع العام فرصة لإعادة بناء علاقة مع الشارع، فقد عجزت عن استثمارها بسبب الانقسام الداخلي وضعف الخيال السياسي وغياب المراجعة الذاتية. ورغم ذلك، فإنّ المعارضة -بما فيها أصوات حقوقية مستقلة- لعبت دورًا مهمًا في كشف التجاوزات الحقوقية، وقدّمت قراءة واقعية للمشهد، لكنها بقيت صوتًا محدود الصدى داخل مشهد يُدار بمنطق: الشرعية الكاملة للسلطة”.

ووسط هذا التوتر، حافظ المجتمع المدني على دوره كأكثر الفاعلين اتساقًا، حيث واصل الدفاع عن الحقوق الأساسية، وتوثيق التجاوزات، وفضح النقاط التي تمسّ الحريات الفردية والجماعية. ورغم كل الضغوط، بقي المجتمع المدني مساحة تنفّس سياسي، يمنع الانزلاق الشامل ويقدّم الحد الأدنى من التوازن داخل دولة تميل إلى المركزية الشديدة.

ويتابع الحمدوني: “واصل اتحاد الشغل لعب دور القوة الاجتماعية الكبرى، لكنه وجد نفسه محاصرًا بين مطالب اجتماعية ملتهبة وقاعدة اقتصادية منهارة. ورغم تقلّص نفوذه السياسي، فقد حافظ الاتحاد على دوره كحاجز يمنع الانفجار الاجتماعي، حتى وإن لم يكن قادرًا على فرض رؤية سياسية واضحة كما كان في السابق”.

سنة كسر الصمت

يقول وسام الصغير، الناطق باسم الحزب الجمهوري لـ”القدس العربي”: “إذا أردنا تلخيص مجمل عام 2025 في تونس، يمكن القول إنه عام “كسر الصمت”. وهي سنة حاولت فيها السلطة فرض صوت واحد وتحويل الخوف إلى حالة عامة، لكن المسيرات والبيانات والتحركات الميدانية، ومعارك القضاء وإضرابات الجوع، كشفت أن الصمت لم يكن قبولا بل انتظارا للحظة يستعيد فيها المجتمع قدرته على المقاومة. وبين تضييق متصاعد وغياب حلول اقتصادية وارتفاع عدد المحاكمات، بدأ المجتمع المدني والمعارضة والنشطاء الشباب في إعادة فتح الفضاء العام بما تبقّى من أدوات الحرّية، لتصبح السنة امتحانا سياسيا وحقوقيا حقيقيا، وصراعا بين سلطة تُحكم قبضتها ومجتمع يرفض الاستسلام، ويتحوّل تدريجيا إلى مشهد يعيد السياسة إلى الشارع”.

الصغير: 2025 سنة شدّ الحبل بين سلطة تُحكم قبضتها وفاعلين يسعون إلى حماية ما تبقّى من فضاء الحرية وإحياء الحراك الوطني.

ويرى الصغير أن عام 2025 في تونس كان “عاما تتقدّم فيه الدولة الأمنية على الدولة السياسية، حيث انشغلت السلطة بتوسيع دائرة التجريم واستهداف الخصوم أكثر من انشغالها بإدارة الأزمات، عبر محاكمات مسيّسة وتضييق على الأحزاب والجمعيات والإعلام، وقطيعة شبه كاملة مع قنوات الحوار، في ظل خطاب يقوم على شيطنة المعارضين وغياب حلول اقتصادية واجتماعية. وفي المقابل واصلت المعارضة نشاطها رغم التشتّت التنظيمي وصعوبة النفاذ إلى الرأي العام، لكنها بدأت تُظهر بوادر تقارب وتقاطع ميداني من خلال مبادرات مشتركة وتحركات موحّدة، وهو ما منحها تدريجيا خطابا أكثر تماسكا وقدرة أكبر على مواجهة الانغلاق”.

أما المجتمع المدني فظلّ، وفق الصغير، خط دفاع عن الحريات -رغم حملات التشويه ومحاولات تطويعه- محافظا على صوته المستقل في بيئة خانقة.

كما اتسم دور اتحاد الشغل بالبراغماتية والحذر، لكنه “أظهر في نهاية العام استعدادا متجدّدا للاضطلاع بدوره عبر سلسلة من التحركات الاحتجاجية التي تعكس رغبته في العودة إلى واجهة التوازنات الاجتماعية والسياسية برغم المشاكل الداخلية التي يمر بها”.

ويختم الصغير بقوله: “هكذا كان عام 2025 سنة شدّ الحبل بين سلطة تُحكم قبضتها وفاعلين يسعون إلى حماية ما تبقّى من فضاء الحرية وإحياء الحراك الوطني”.

سنة نهاية البداية وبداية النهاية

“إنها نهاية البداية وبداية النهاية”، هكذا يلخص المحامي عبد الناصر المهري، عضو هيئة الدفاع عن معتقلي قضية التآمر على أمن الدولة، العام الحالي.

ويوضح بقوله: “التطورات التي حدثت مؤخرا هي إشارة إلى نهاية الطريق، ومرحلة وصول السلطة لتوقيت تغيير حساباتها للخروج من المأزق الذي ورطت نفسها فيه (انقلاب غير شرعي وظالم)، وعلى عدة أطراف تحمّل مسؤولياتهم في ذلك، وإن لم يحدث هذا االأمر فإنها ستكون بداية التحول الحاسم للنهاية الفعلية للأزمة بيد الشارع التونسي”.

المهري: رغم التقارب النسبي بين أطياف المعارضة إلا أنها ما زالت تتخبط في مواقفها الإقصائية ورفضها النقد الذاتي.

 ويرى المهري أنه “منذ الانقلاب المشؤوم في تموز/ جويلية 2021 وتونس تعاني من صراعات عادت بالوبال على الوطن، وهذا العهد هو عهد الأزمات (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية)، وقد وضعت هذه السلطة نفسها في مأزق، ورغم العديد من المبادرات التي طرحت خلال 2025، فإن هذه السلطة لا أذن صاغية لها”.

ويضيف ل”القدس العربي”: “إذا لم تجد هذه السلطة مخرجا لها، فإنها ستجد نفسها في مواجهة الشارع الذي لن يعود إلى الوراء، خاصة أمام الانتهاكات الحقوقية والأزمة الاقتصادية الخانقة -رغم استقرار نسبة التضخم مؤخرا التي ارتفعت سابقا نتيجة تكاليف المعيشة- بالإضافة إلى الوضع التجاري المعقد، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في العجز التجاري بلغ ذروته في عام 2025 ليتجاوز 20 مليار دينار تونسي مقارنة ب 16.7 مليار دينار (الدولار حوالي 3 دنانير) خلال الفترة ذاتها من سنة 2024 والذي له أسباب متعددة من بينها ارتفاع الدين الخارجي”.

وعلى الصعيد الحقوقي، يستنكر المهري “الاعتقالات الظالمة لرموز بارزة، لا بد أن يتم الإفراج عنها وخاصة كبار السن. كما أن المحاكمات الجائرة في سنة 2025 التي لم تحترم أدنى معايير المحاكمة العادلة، وأبرزها قضية التآمر1 التي حيكت في الغرف المظلمة (في تطبيق لمخطط يُكمل أجندة الانقلاب)”.

ويضيف: “الغاية هي القضاء على المعارضة -وإن كانت المعارضة ليست جريمة- إلى جانب التقارير الحقوقية عن حالة السجون والضغوط القضائية على مكونات المجتمع المدني (التي تقدم خدمات لعدد كبير من التونسيين) بتهم تتعلق بالتمويل الأجنبي -بالرغم من أن عملها وتمويلها يخضعان للرقابة- ولكن الغاية من هذه الإجراءات عي السعي لحل الهياكل الوسيطة”.

ويتابع المهري: “بالرغم من التقارب النسبي بين أطياف المعارضة خلال سنة 2025، إلا أنها ما زالت تتخبط في مواقفها الإقصائية التي لا تتغير بمرور الزمن، فضلا عن رفضها النقد الذاتي والمراجعة لإيجاد سبيل للتعايش واستخلاص الدروس والقبول بقوانين الحياة الديمقراطية، وإن كان الشارع قد جمعهم مؤقتا فالغاية تبرر الوسيلة”.

وينتقد، من جهة أخرى، ما يسميه “تذبذب مواقف اتحاد الشغل، التي أدت به إلى ما هو عليه”، مستدركا بالقول: “لا أرغب في الخوض في مسألة الاتحاد كثيرا، وأعتبر أن المواجهة الحالية مع السلطة وهمية، ويبقى أمام القيادات القادمة رحلة قاسية من الإصلاح حتى يواصل الاتحاد القيام بمهامه ودوره التاريخي”

سنة سوداء في تاريخ تونس

ويرى المحامي سمير بن عمر، رئيس الهيئة السياسية لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، أن عام 2025 هو “سنة سوداء ضائعة من تاريخ تونس، وهي للنسيان لأنها سنة معاناة التونسيين ونأمل أن تنتهي هذه المعاناة”

ويوضح ل”القدس العربي” بقوله: “السمة البارزة في هذا السنة هي المزيد من تغول السلطة وتوسع القمع السياسي وتضييق هامش الحريات العامة والخاصة، كما أنها سنة المحاكمات السياسية، إذ وقعت محاكمة أغلب رموز المعارضة وإلقائهم في السجن، وهي أيضا سنة الإخفاقات على مستوى المنجز الاقتصادي والاجتماعي”.

“هي سنة تألّم فيها التونسيون جراء ارتفاع الأسعار والتضخم وانقطاع المواد الأساسية والماء في عدة جهات في البلاد. فضلا عن تصاعد الاحتقان والحراك الاجتماعي في مختلف ربوع البلاد، كالحراك الاجتماعي في قابس وغيرها”، وفق بن عمر.

كما انتقد بن عمر إيداع أغلب رموز المعارضة التونسية في السجون، معتبرا أن السلطة الحالية لا تعترف بالأجسام الوسيطة سواء الأحزاب أو المجتمع المدني، وهي “تعمل بكل جهودها لتفكيك هذه الأجسام الوسيطة، ومنعها من النشاط، حيث قامت بتجميد نشاط عدد كبير من الجمعيات التي تنشط في المجتمع المدني أو منعها من العمل، كما تم إلقاء عدد كبير من النشطاء المدنيين في السجون، وهذا يحد من حرية النشاط الجمعياتي والحزبي في البلاد. مقابل تغول السلطة وتحكمها بمختلف مفاصل الدولة، وقيامها بمحاولة كتم كل نفس معارض في البلاد، هذا يمثل ضربا لكل المكاسب التي تحققت في تونس بعد الثورة”.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية