«الببلوماني الأخير» مجموعة القاص المصري شريف عبد المجيد: هيمنة السلطة وأشكال المقاومة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في مجموعة شريف عبد المجيد القصصية «الببلوماني الأخير» تتحرك الكتابة في مساحة علاقة الإنسان بالعالم والوجود، فالأبطال في معظم قصص المجموعة يتميزون بسمات الانعزال والتلاشي داخل دائرة من القيود المتعانقة والمتداخلة. فالشخصيات تعاني من فقدان القدرة على ممارسة وجودها بحرية، فتبدو مقيدة بأغلال كثيرة، وإن بدت حرة في حركتها، لكن حركتها مقموعة بأطر صلبة جاهزة ومحكمة التنميط، لا مساحة فيها للخيارات، فهي تقارب الحياة بشكل ينطوي على قيود علوية سابقة التجهيز.
تكشف قصص المجموعة عن نوع جديد من السلطة أو القوة التي تمارس دورها في التأثير على البشر وتشكل حركتهم، وفقا لأسس رجراجة لا تستند إلى قيم عليا أو مفاهيم عليا مجردة، فهي سلطة على تنوّع أشكالها وتعددها لا تحتفي بالمثالي، ولكنها تحتفي بالمصلحة أو النفعية لكل قسماتها أو أشكالها المتجاوبة أو المتساندة، مشكّلة إطارا حاميا لكيانها ووجودها وفسادها. وفي ظل تغوّل هذه السلطة تبدو الشخصيات منسحقة ضئيلة الحجم والتأثير حين تواجه كونا ضخما يفرض سلطته وسيطرته، ويحرّك الجميع وفقا لأطر وقوانين هذه السلطة. وتبدو أزمة الشخصيات أكثر حدة من خلال إدراكها لطبيعة السلطة وقدرتها العجيبة في إسدال هيمنتها على العالم الذي تتحرّك فيه الشخصيات.
جزء كبير من الكتابة القصصية في هذه المجموعة يعتمد على المعارف والثقافات، وتتجلى هذه المعارف في شكل خطوط موازية للنص السردي، وفي شكل ارتدادات إلى لحظات زمنية موغلة في القدم، وهي هنا لها دور أساسي في تثبيت استمرارية النسق التراتبي بين الطبقات داخل البلد الواحد، وبين الشعوب إذا اتسعت مساحة الرؤية ودرجة التأمل.

هيمنة السلطة الخفية

في سياقات قصص المجموعة يشعر القارئ أن هناك قوة عليا، وأن هذه القوة تمثل سلطة أو مجموعة سلطات غير مرئية تمارس فعلها، وتحيل هذه السلطة حرية الفرد إلى حرية منقوصة مقهورة بالتسليم. ففي قصة (الذوّاق) تتجلى السلطة في الحرية المنقوصة للوجود الذاتي أو الفردي للشخصيات، فهي – أي الشخصيات- تتحرك من خلال قوى خفية تصنع وتشكل مصيرها، وتنتقل من عمل إلى عمل دون أن يكون لديها رفاهية القدرة على الرفض أو الاختيار، فالذّواق- طبقا لهذا الفهم ونظرا لبدانته، وكل الحيل السردية في تشكيل ملامحه – يصبح أداة دعائية للمطاعم، من خلال قوة تختار وتوجّه، وحين ينتهي دوره، ويصبح غير قادر على أداء هذا الدور والوفاء به لتغيّر شكلي، تنقله هذه السلطة الخفية إلى اداة دعائية لوجه مقابل ومتباين مع السابق، ويتمّ ذلك داخل إطار من الآلية النمطية، وكأنه تحرّك منمط مسبقا.
والقصة لا تُبنى في إطار خيط سردي وحيد يتعلّق بالذّواق، ولكنّ هناك خيطا سرديا يطل بوصفه خيطا سرديا معلوماتيا، يتجلى من خلال العودة إلى أزمنة تاريخية سابقة، للإشارة إلى قيمة الطعام في صناعة الحروب وتشكيل التاريخ. ويبدو أن الخيط السردي الثاني ووجوده على ذلك النحو المرتبط بأثر الطعام في صناعة تاريخ العالم ذو دلالة مهمة، ووثيق الصلة بالمنحى المعرفي الذي تتحرّك القصة في إطاره من خلال خيطها السردي الأول الخاص بالذّواق.
ويظهر هذا الترابط بين الخطين السردي والمعلوماتي المشدود للتاريخ واضحا، فضحايا التاريخ الذين تجلى حضورهم في السرد المعلوماتي يشابهون الضحية الآنية، يقول النص في نهايته: (ووسط سعادة غامرة بادية على وجوههم، وبينما صوت الموسيقى يضفي على المكان أناقة ورقيا، يبدو لمن يحضر للمكان، كأنه يشاهد فيلما للمافيا، في لحظة الهدوء التي تسبق العاصفة، وهم يحضرون لقتل ضحية جديدة من ضحاياهم).
هذه السلطة التي تتحرّك، ويتكرر أثرها في كل الأزمنة تصبح أكثر قهرا وجلاء حين ترتبط بنسق تراتبي بين البشر، بل وتصبح ملمحا وجوديا مستمرا بالتكرار خارجا عن التحديد الزمني، فتبدو الشخصيات في النص علامات أو رموزا أو وظائف لتكرار أنساق تراتبية موغلة في القدم، فاللقطة الأولى التي أعطت مساحة تشكيل للبطل في قصة (رائحة الجوافة)، لا نستطيع أن نفصلها – بالرغم من التقنيات السينمائية المرتبطة بالكولاج والتتابع – عن لقطة النهاية بعد قتله على يد سلطة قاهرة، تتكوّن من إطارات خفية متساندة، لأن لقطة النهاية بعد انتهاء فعل القتل وتسوية الموضوع نتيجة الفاعلية للسلطة الخفية تشير إلى استمرار هذا النسق غير العادل، بالإضافة إلى تكراره عبر التاريخ، وكأنه أصبح جزءا من بنية وطبيعة الكون والوجود.
بنية القصة في (رائحة الجوافة) تقوم على التعدد والتفتت، لأنها تعتمد على تقنيات السينما والمونتاج، في عرضها في لقطات متتابعة. فالمشاهد تتوالى بداية من مشهد القتل وخلفياته القائمة على الصراع بين العامل البسيط ورجل الأعمال، يأتي بعده المشهد الثاني ممثلا في عرض فيديو للحادث يشاهده وكيل النيابة، ثم يوم عادي في حياة رجل أعمال للكشف عن الخلفيات الاجتماعية وأصول الرجل وتاريخه وألاعيبه في انتقاله من طبقة إلى طبقة ومن سياق إلى سياق، وطريقته غير الأخلاقية في هذا الصعود والانتقال، يجاوره حديث جانبي للفنانة الشهيرة للكشف عن سيرتها وتنازلاتها وأزماتها النفسية، ووعيها بطبيعة الطبقات وآلية التنقل من واحدة إلى أخرى.
وفي قصة (الجميع ينسون شيئا ما) تلحّ تداخلات بين الواقعي والخيالي، وهناك محاولات لإيجاد تحديد شبه مغاير لهما. في هذه القصة تتولّد مجموعة من الأسئلة مرتبطة بالتباينات في مقارباتنا للفن ولفعل الكتابة بين ما نريد خيالا أو نتصوره مجردا مثاليا، وما يتحقق واقعا، بين الفن في صورته المثالية وبين ما ننتجه أو ما نستطيع الإمساك به. تتحرّك القصة في إطار هذا التباين، فمع كل جملة يكتبها الكاتب في القصة يخايله شعور أنه لم يفلح في الإمساك بما يريد، هذا التباين يتعزز وجوده في إطار المغايرة على مستوى الحضور والغياب بين (إلهام) و(منى)، للإشارة إلى الحركة الدائمة بين الواقعي والمتخيل، ومدى إسهام كل قسيم في المنجز الكتابي.
التفكير في هذه القصة من خلال الإنصات إلى الرموز التي تحتاج إلى تآزر وتجاوب في فعل التلقي، أو من خلال الإشارات الواردة في النص للتوجيه نحو المجال الفكري والمعرفي، مثل الإشارة إلى إنجاريتي أو أوفيد أو أسامة الديناصوري أو شعراء السبعينيات أو رواية ساحر الصحراء، بالإضافة إلى استحضار فعل النسيان في عنوان القصة، يمكن أن يكون فاعلا في تلقيها وفق ثنائية لا تنتهي، ثنائية تتجذّر في الوعي الكتابي، للإشارة إلى طبقية دائمة بين ما يريد الكاتب الإمساك به، وما يشكله نصه فعلا لحظة الكتابة، ثنائية تجعل الواقع نفسه واقعا فنيا متخيلا تتأطر صورته من خلال خطاب.

أشكال السلطة والمقاومة

السلطة في قصص المجموعة ليست محددة، وليست السلطة المعروفة في تجليها المباشر، بل هي سلطة خاصة لها أذرعها التي تعمل متعانقة ومتساندة في الخفاء، فصانع المحتوى يتجلى بوصفه ذراعا أو أداة من أدوات السلطة، فالقارئ لهذه القصة تقابله سلطة أو سلطات متجاوبة، لديها القدرة على صناعة وتنضيد وجه زائف للحقيقة، وزحزحة الاهتمام من موضوع إلى موضوع آخر وفق خطط مدرسة لآليات السوق، فالسلطة هنا ليست فردا، وإنما هي كيان مكوّن من أشباح غير محددة تماما لطرد المتسللين من طبقة إلى طبقة، وصناعة الحياة وتحديد توجهاتها، فهي أشبه بالقوة العليا التي تحرك وتبدّل في وضع البشر، لتظل الحرية الفردية ناقصة ومقهورة بالتسليم والتكرار.
تتعدد وجوه السلطة التي تتحوّل إلى إطارات تحدد الحركة والتوجه بالنسبة للفرد، وتؤثر على وضعه في الارتباط بالحياة، يتجلى ذلك واضحا حين نعاين قصة (وقوع السيستم)، فهناك فرد في مواجهة كون، وليس هو الكون المرهون بالأسئلة الوجودية، ولكنه الكون الجديد المرتبط بسلطة تشكيل الحياة في كل تجلياتها ومناحيها. ففي جزئية (اركب معانا) يصنع النص تجاوبا بين رجل الأمن أو الشرطة وإحدى الشركات الكبرى العابرة للحدود، وفي الآن ذاته يضع رجل الأمن في مرمى أثر هذه الشركات متجاوبا مع البطل. ومن خلال هذا التجاوب بين الفرد ورجل الأمن تتشكل سلطة مغايرة تقفز على الحدود المعهودة لفكرة السلطة في تجليها القديم، وتقل حرية الفرد، ويصبح حضور السلطة الجديدة كيانا أكبر يشمل الجميع حكاما ومحكومين، فهي بدبيبها تصبح شبيهة بالهواء الذي يتنفسه الإنسان، ومن ثم تزيد مساحة الضغوط على الفرد أو الذات داخل هذا العالم.
وهناك صور من صور السلطة تكشف عن التعانق والتداخل في بعض قصص هذه المجموعة، ففي قصة (المزرعة السعيدة)، وهي تكشف عن عناق الديني بالسياسي، وأن كل جانب منهما يستغل الآخر لتحقيق مكاسب خاصة. فبطل القصة يأتي بوصفه نموذجا لكل هؤلاء الذين يصرّون على إسدال أو انتظار قداسة لأنفسهم بالرغم من الضحالة الفكرية. فهذه الشخصيات تخلق لنفسها مسوحا خاصة، أو تهتبل مسوّغا للشعور بالاختلاف، وبكونها منذورة لقدر يجليها أكثر قداسة، ولهذا تقبل مثل هذه الشخصيات خدعة الفنّان الذي رسم اسم الجلالة على البيضة، تقول القصة مصورة صاحب المزرعة (كان متأكدا بشكل لا يقبل الجدل، أن كل شخص منذور لغاية، وحياته التي كانت عادية… ليست هي كل ما خلق من أجله، وأنه لابد قد خلق لسبب أكبر وأعمق).
وضع الفرد في مقابل ضغط السلطة بتنوّعها يجعله يعيد النظر في ذاته داخليا، يتأملها بشكل مغاير بعيدا عن حضور الذات، كما في قصة (رجل يشبهني)، فانقسام الذات هنا- فضلا عن كونه يمثل أولى مراتب المقاومة والشعور بالدهشة والاستغراب- يجعلها في بؤرة الرصد والتمثيل والمقاربة، وليس أصدق من حديث الذات عن نفسها وهي منفصلة عنها، لأن السارد من خلال هذا السرد القائم على الغياب يفتت أسس الارتباط والانحياز من خلال البعد عن المتكلم الذي لا يخلو بالرغم من المحاولة من الارتباط بالذات.
ربما تكون القصة الأكثر تمثيلا لنسق المقاومة الداخلية الفاعلة، هي قصة (الببلوماني الأخير)، ليس بسبب رغبته في اقتناء الكتب والحصول عليها أو سرقتها من خلال وسائل التجميع المعروفة، وإنما من خلال استناد القصة إلى هدف سام أو رسالة جمعية عالمية، يؤمن بها الببلوماني، استنادا إلى رؤيته لقيمة الأدب ودوره.
وفي ظل هذه الرسالة تتأسس دائرة الفعل المقاوم في قتله لأفراد الكتلة الثلاثية بالغة التعقيد في علاقتها الممتدة، وهي كتلة مكوّنة من المؤلف والناشر والناقد، محتمية بعلاقات أدبية واقتصادية، جرحت حريته الشخصية بكتابة ونشر قصة حياته القائمة على ولعه بالكتب وسرقتها.
شريف عبد المجيد:»الببلوماني الأخير»
دار الربى، القاهرة 2022
122 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية