شغلت قضية القس الأمريكي أندرو برونسون الذي احتجز في تركيا في أكتوبر/تشرين الأول 2016 على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة قدراً كبيراً من الاهتمام خلال العامين الأخيرين وظلت ولشهور طويلة تشكّل عقدة محورية في طريق العلاقات التركية الأمريكية.
يمكن أن نذكر بهذا الصدد التصريح الغاضب الذي أدلى به مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، والذي قال فيه ما نصه: «إلى الرئيس أردوغان والحكومة التركية، لديّ رسالة نيابة عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. أطلقوا سراح القس أندرو برونسون الآن أو كونوا مستعدين لمواجهة العواقب». كان رد فعل الجانب الأمريكي مبالغاً فيه وغير متوقع، حيث لم يقتصر الأمر على هذه التصريحات، بل تعداها إلى تهديدات من قبل الرئيس ترامب نفسه. هكذا بدا وكأن الطلب الأمريكي لإطلاق سراح القس المذكور هو أمر لا مجال للتفاوض حوله، في تجاهل تام لكون التحقيق ما يزال جارياً حول علاقات القس بمجموعات كردية أو بجماعة عبد الله غولن المتهمة بتدبير الانقلاب.
التعامل الأمريكي مع هذه المسألة لم يكن محيّراً فقط للأتراك أو لغيرهم ممن كان يتابع من طرف ثالث تطورات القضية، بل بدا محيّراً كذلك لبعض الأمريكيين كالصحافي الذي وجه هذا السؤال للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية في الخامس عشر من شهر أغسطس/آب الماضي وإبان احتدام الأزمة: «لماذا هذا الأمريكي مهم لدرجة تعريض الاستقرار المالي العالمي للخطر، وتعريض وجود القاعدة الأمريكية في تركيا للخطر وتعريض شراكة مع حليف في حلف شمال الأطلسي للخطر بسبب أمريكي واحد يمر عبر نظام العدل التركي؟». هيذر نويرت، المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، حاولت الإجابة بدبلوماسية عن هذا السؤال، معتبرة أن مهمتهم هي الدفاع عن جميع الأمريكيين والسهر على حمايتهم وحماية مصالحهم، لكن هذه الإجابة لم تكن مقنعة، ببساطة لأن هناك الكثير من الأمريكيين الذين يتم احتجازهم في مناطق مختلفة حول العالم، بدون أن يسمع عنهم أحد وبدون أن تهدد الولايات المتحدة بتجميد العلاقة مع دول الاحتجاز، بل إن من الأمريكيين من تعرض للتعذيب، بدون أن تحرّك الولايات المتحدة ساكناً إلا على نحو دبلوماسي خجول.
لقد تم الإفراج عن القس المذكور قبيل نهاية العام وتم طي قضيته، لكن سؤالاً ما يزال قائماً وهو: ما الذي كان مميزاً وخاصاً في قضية هذا القس، بحيث لم تسمح الولايات المتحدة بتعرضه للاحتجاز، بغض النظر عما يمكن أن يكون قد ارتكبه؟
قد يكون طرف الخيط هو تويتة الرئيس دونالد ترامب، التي وصف فيها القس «بالمسيحي العظيم والإنسان الرائع»، هذا العبارة توحي بأن التعامل مع هذه القضية كان سيكون مختلفاً لو لم يكن المحتجز يمثل الديانة المسيحية، وهو ما يحدث بالفعل حين يتعرض أحد الأمريكيين من أصول عربية أو إسلامية للاحتجاز أو الاعتقال، حيث تبقى ردة الفعل الرسمية الأمريكية، إن وجدت، ضعيفة، ولا ترقى لحد التهديد بقطع العلاقات أو تجميدها والأمثلة في هذا كثيرة.
يلعب الدين دوراً في توجيه السياستين الخارجية والداخلية لأمريكا، ويظهر في اهتمام ترامب بمحاولة كسب أصوات اليمين المتدين
هل يمكن أن يكون للدين دور في توجيه مسار علاقات الولايات المتحدة الخارجية؟ إذا استحضرنا عبارات الرئيس ترامب وتبريراته للوقوف خلف برونسون، ليس فقط لأنه أمريكي، ولكن أيضاً باعتبار كونه «مسيحياً عظيماً»، وإذا استحضرنا كذلك دفاع برونسون عن نفسه، الذي ظل يتمحور حول كونه مجرد بريء يتعرض للاضطهاد بسبب ديانته، فإن بإمكاننا أن ننظر للأمور بشكل أكثر وضوحاً، حيث يلعب الدين بالفعل دوراً مهماً في توجيه السياستين الخارجية والداخلية للولايات المتحدة، وهو ما يظهر في اهتمام دونالد ترامب المنهجي والمدروس بمحاولة كسب أصوات اليمين المتدين، خاصة الأجنحة الإنجيلية المتطرفة التي تتميز بثقل تصويتي مهم، كان يحتاج إليه ترامب في خضم التحضير لانتخابات 2018 النصفية. هذه الأجنحة التي بدأت تكتسب نفوذاً مهماً داخل المطبخ السياسي الأمريكي، كانت ترى قضية القس برونسون بمنظار الحروب الصليبية، ليكون بنظرها لا مجرد مواطن يخضع للتحقيق في دولة أخرى، ولكنه رمز مسيحي واقع في أسر سلطة مسلمة.
كان للمسيحية على الدوام ارتباط بالسياسة الأمريكية لكن مايا كاندل، المتخصصة في الشؤون الأمريكية، تذهب في كتابها الجديد «الولايات المتحدة والعالم» إلى أن ما سمتها «الثورة الأمريكية المحافظة» انطلقت في العقد الأول من الحرب الباردة، حيث بدأت حينها عادة صلوات طعام الإفطار، كما بدأت تظهر عبارات من قبيل One nation under God، التي يمكن ترجمتها بأمة واحدة تحت حكم الله، أو عبارة «نحن نثق بالله» الشهيرة المطبوعة على الدولار. كل هذه الإشارات، تقول كاندل، هي جديدة ومبتدعة ولا علاقة لها بما وضعه الآباء المؤسسون. تتابع مايا كاندل قائلة إن ما ظهر في الخمسينيات كان أشبه بتحالف جديد وثيق بين الرأسمالية وبالتحديد طبقة كبار رجال الأعمال والمسيحية التي تمثلها حركة «ولد مرة أخرى» الإنجيلية، التي وجدت رعاية من الرئيس إيزنهاور (انتخب في 1952)، قبل أن يزدهر هذا التحالف أكثر ليتم التعبير عنه لاحقاً بتيار المحافظين الذين سيرتبطون بدورهم بالحزب الجمهوري الأمريكي.
كان دور آيزنهاور هنا مهماً، حيث كانت رؤيته مبنية على إعادة القيم المسيحية للمجتمع، فهو الذي أدخل العادات الدينية التي أشرنا إليها، إلى عمق سياسة البيت الأبيض. كان هناك عاملان مهمان ومتوازيان هنا: الأول هو عامل الإيمان والتدين الشخصي الذي لا يمكن التقليل من شأنه، والثاني هو ظروف الحرب الباردة التي كان أحد الأسلحة المستخدمة فيها هو سلاح العقيدة الدينية، التي تصور المعركة وكأنها صراع بين إيمان وكفر. سمحت هذه الظروف بظهور شخصيات دينية بدأت تأخذ بعض النجومية كالقس الإنجيلي بيلي غراهام، الذي سيطلق عليه لقب «راعي أمريكا»، وتيارات مثل التحالف المسيحي المحافظ الذي نشأ في حقبة السبعينيات والذي سيلعب بدوره دوراً مهماً في وصول الرئيس رونالد ريغان إلى سدة الحكم.
في تحليلها ترى مايا كاندل أن أحد تفسيرات هذه الصحوة الدينية ربما كانت تعود إلى خشية التيار الديني الحقيقية من تحلل المجتمع ونزوعه نحو علمانية كاملة مجافية للتعاليم الدينية، عبر تشريع قوانين التمييز الإيجابي وتقنين الإجهاض وغيرها من القوانين، التي عُدّت استجابة لفلسفة الثورة الجنسية، كما أنه كان من جهة أخرى هناك ارتباط بين هذه الصحوة وهزيمة فيتنام وأزمة البترول التي كانت بالنسبة للأمريكيين نوعاً آخر من الهزيمة.
استيعابنا لهذه الخلفية الدينية، التي ستبرز بشكل قوي في شخصية معظم الرؤساء والسياسيين الأمريكيين المؤثرين كآيزنهاور المتدين الذي نشأ في كنف والدة من الطائفة المسيحية المتشددة «شهود يهوه»، أو كوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، كمثال آخر لسياسي يجمع بين التشدد الأصولي والعمل السياسي، هذا الاستيعاب يمكنه أن يلقي الكثير من الضوء، الذي قد يساعد على فهم علاقة الغرب، خاصة الولايات المتحدة، مع العالم العربي والإسلامي. من جهة أخرى يمكن لما سبق أن يمنح بعض التفسيرات للسلوك الأمريكي الذي يبدو في بعض الأحيان مدهشاً وغير موضوعي والذي يمكن أن تكون طريقة التعامل مع قضية القس أندرو برونسون مجرد مثال له.
كاتب سوداني