الإتحاد الأفريقي والحكومة السودانية

حجم الخط
0

الإتحاد الأفريقي والحكومة السودانية

د. يوسف نور عوضالإتحاد الأفريقي والحكومة السودانيةعندما قام زعماء القارة الأفريقية التاريخيون جمال عبد الناصر وكوامي نكروما وموديبوكيتا وأحمد سيكيتوري ونايريري وهيلاسيلاسي بالتفكير في إنشاء منظمة الحدة الأفريقية كانوا ينطلقون من الفكر الذي سيطر علي مرحلة الحرب الباردة وهو الفكر الايديولوجي الذي يعتقد أن بالإمكان تغيير القارة من خلال المبادئ الفلسفية التي يؤمن بها الرؤساء، وان ذلك وحده يكفي لإحداث التحول في القارة الأفريقية، وبالتالي كانت الانقلابات العسكرية مبررة إذا كانت تؤدي إلي هذا الهدف، ولكن الانقلابات العسكرية لم تحقق هدفا، وبمجرد انتهاء مرحلة الحرب الباردة اتضح أن القارة تسيطر عليها نخب تغلب مصالحها الخاصة علي أي مصلحة وطنية وبالتالي ظلت القارة الأفريقية الأكثر فقرا في العالم وأن اثنتي عشرة دولة من دولها تأتي بين أكثر ثماني عشرة دولة فقرا بين الدول، وأنها تعاني من أمراض الإيدز والكوليرا والملاريا التي تقتل معظم أطفالها قبل سن الخامسة. وتقول إحصاءات البنك الدولي إن سبعين في المئة من سكان القارة الذين يبلغون تسعمئة مليون يعملون في الزراعة ويتقاضون أجرا لا يزيد عن دولار واحد في اليوم. ومع ذلك لا يفكر زعماء القارة بطريقة جديدة ويعتقدون أن شراء كل منهم طائرته الخاصة وسيطرته علي مقدرات الدولة المالية ونهبها هو مبرر السعي نحو الحكم الوحيد.وفي الوقت نفسه لا يحاول بعض حكام القارة الاستفادة من إخفاقاتهم بل يحاولون تجديد وجوههم من خلال طلاءات جديدة وكأنهم يتعاملون مع مجموعة لا تعي من أمرها شيئا، ويظهر ذلك تماما في سلوك الرئيس الليبي معمر القذافي الذي تنازل عن كل مبادئه المعلنة وقدم تنازلات غير مبررة للولايات المتحدة ثم بدأ أخيرا يبشر بولايات متحدة أفريقية يكون شمال أفريقيا العربي جزءا لا يتجزأ منها ولا يكون جزءا من الشرق الأوسط وهو لا يعبر بذلك عن يأسه من العالم العربي كما يدعي وإنما يحاول أن يقدم رسالة للولايات المتحدة فحواها أن دول الشمال الافريقي ليس لها شأن بصراعات الشرق الأوسط التي يأتي في مقدمها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهذا ثمن جديد يقدمه العقيد القذافي من أجل الاستمرار في الحكم ورضا الولايات المتحدة عنه وعن نظام حكمه. وليس العقيد القذافي وحده الذي يقدم التنازلات، ذلك أن الدول العربية والأفريقية مجتمعة أصبحت تقدم مثل هذه التنازلات، ويعتقد الكثيرون أن الاستمرار في تقديم التنازلات سوف يحقق الرضا الأمريكي، وذلك وهم لان العقلية الأمريكية بصفة خاصة والغربية بصفة عامة لا تعتقد أن التنازل دليل حكمة وإنما هو دليل ضعف يستوجب مزيدا من الضغط، وذلك ما أدركته المملكة العربية السعودية أخيرا التي بدأت تتجه نحو الصين والهند بعد أن تلقت علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة ضربات وهزات كبيرة. وإذا كانت المملكة العربية السعودية تملك الوسائل التي تمكنها من المناورة فإن دولة مثل السودان ليس لديها مثل هذه الإمكانات وذلك ما جعلها تتلقي صفعة كبيرة في مؤتمر القمة الأفريقية الأخيرة حيث رفض المؤتمر الذي عقدت القمة علي أرضه أن يسمح لها بتولي رئاسة الإتحاد وتلك رسالة إدانة يوجهها الإتحاد الأفريقي للسودان تنبني علي تقارير عامة ومتناقضة ترسلها الولايات المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان. ولا شك أن تعامل السودان منذ البداية كان مثيرا للاستغراب، ذلك أنه قبل انعقاد القمة روجت الحكومة السودانية أخبارا بأنها استطاعت أن تضمن مساندة عدد من الدول لموقفها في الحصول علي الرئاسة وكان واضحا أن ما أعلنته الحكومة السودانية مجرد حملة إعلامية خاصة عندما قالت إنها أمنت دعم رئيس جنوب إفريقيا ثابو إمبيكي، ولم يكن ذلك صحيحا لان إمبيكي كان من الرؤساء الذين وقفوا بقوة ضد رئاسة السودان، وعندما انجلي موقف الدول العربية قالت الحكومة السودانية إن هدفها يتركز فقط علي إنجاح القمة، ولا يدري أحد كيف تنجح القمة التي غيبت الدول العربية فيها تغييبا كاملا ونفذت أجندة أمريكية واضحة ضد السودان الذي حاول أن يعالج الموقف بصيغة تحفظ ماء الوجه وذلك عندما ذكر أنه سيتولي رئاسة القمة في عام ألفين وسبعة علي الرغم من أن كثيرا من الدبلوماسيين قالوا إن رئاسة السودان للإتحاد الأفريقي في عام ألفين وسبعة غير مضمونة لأن القضية قد تثار مرة أخري وذلك هو الوضع الأكثر احتمالا لأن السودان الذي لم يستطع أن يؤمن القيادة عندما كانت القمة تعقد علي أرضه لن يكون قادرا علي تأمينها عندما تعقد في بلد آخر . وقبل أن نتحدث عن الأسباب التي جعلت القمة تنصرف عن السودان، فلابد أن نشير إلي أن ما حدث في القمة الأفريقية كان ضمن مخطط يقوم به اليمين المتطرف في الولايات المتحدة بمساندة دولة إسرائيل وهو مخطط يستهدف تفكيك لحمة الشرق الأوسط وإيجاد مناخ سياسي في المنطقة يمكن إسرائيل وحدها من السيادة علي جميع دول المنطقة. ويبدو هذا المخطط واضحا في السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة ضد إيران والعراق وأخيرا ضد سورية ومصر وهي سياسات تستهدف أمرا واحدا هو بث الرعب في قلوب الحكام من أجل تقديم التنازلات ضد مصالح شعوبهم ولصالح إسرائيل وحدها.وإذا عدنا للموقف السوداني تأكد لنا أن السودان بقرار القمة الأفريقية الأخيرة تلقي صفعة كبيرة لأن ما اتجهت إليه القمة كان بكل تأكيد صفعة جاءت من النفوذ الأمريكي علي رؤساء الدول الأفريقية في إطار الإستراتيجية التي ذكرناها سابقا والتي نفسرها علي أنها موقف ضد السودان كدولة عربية وضد منظمة الوحدة الأفريقية كمنظمة تشتمل علي بعض الدول العربية، ولعله من وهم العقيد القذافي في ظل هذه الظروف أن يعتقد أنه يمكن أن يكون منظرا أو قائدا في الإطار الأفريقي بعد يأسه من الواقع العربي لأن ذلك أمر لن يمكنه منه القادة الأفارقة الذين ينظر الكثير منهم إلي علاقاتهم مع الدول العربية من منظورات عنصرية، وذلك ما تأكد عندما وقفت الدول الأفريقية مع شعب دارفور ضد الحكومة السودانية.ويجب هنا أن أؤكد انني لا ابرر سياسات الحكومة السودانية غير المقبولة دوليا ولكني فقط استهدف أن أقول إن مثل هذا الوضع له أسباب تتعلق بطبيعة النظام في السودان. وهو نظام يشارك القذافي في تقديم التنازلات كما يشاركه في عدم إقناع المواطنين بأحقيته في الاستمرار، ذلك أن النظام الذي جاء كنتيجة حركة انقلابية أصبح واضحا له أن الأيديولوجية التي انطلق منها لا تمثل مواقف الشعب السوداني السياسية بأسره كما أنها ايديولوجية غير مدروسة في إطارها التطبيقي وهي غير قابلة للتحقيق في ظروف السودان الحالية، فما الذي يبرر استمرار الحكومة في سياستها الانقلابية دون أن تبحث عن خيار آخر يحقق الوحدة الوطنية؟ الإجابة المباشرة لهذا السؤال هي أن الحاكمين لم يعودوا يهتمون بالايديولوجية أو الفكر الذي انطلقوا منه بعد أن نمت مصالحهم في داخل النظام علي حساب مصالح الآخرين، وبالتالي أصبحت استماتتهم في استمرار نظام الحكم بسبب المصالح التي لا يريدون فقدانها، وهي مصالح تتحقق علي حساب المجموع من أبناء الوطن، ولكن من غير الحكمة أن يعتقد القائمون علي نظام الحكم أن هذا الوضع سيستمر طويلا لان الحقيقة التي أصبحت واضحة للعيان هي أن الولايات المتحدة لم تعد تفكر في السودان كشريك وإنما هي تفكر في نظام الخرطوم كنظام معاد غير أن التعامل معه في حالة الضعف يحقق لواشنطن أهدافها حيث هي فرصة لتفكيك السودان علي النحو الذي تريده الولايات المتحدة، ومن المؤسف أن حكومة الجنوب التي تأسست حديثا لا تضع قلبها مع حكومة الخرطوم وإنما هي تساند حركات الانفصال في دارفور والشرق ولا اشك في أنها تقدم النصح للمسؤولين الأمريكيين في كيفية التعامل مع الحكومــة السودانية.هذا الوضع برمته يضع تحديا واضحا أمام القوي السودانية مجتمعة التي لا بد أنها أدركت الخطر وعليها الآن أن تتخذ مواقف أكثر إيجابية من اجل إعادة الأمور إلي نصابها ولا تترك البلاد تنزلق إلي هذا المنزلق الخطير، فقط من أجل إرضاء نزوات أفراد أو من أجل السيطرة علي الحكم والاستفادة من كل المقدرات التي تتيحها هذه السيطرة علي نظام الحكم في البلاد.وهنا لا بد أن يكون هناك موقف وطني يحفظ للوطن حقوقه لان الواضح هو أن نظام الحكم لا يسعي إلي الحوار الحقيقي حتي في المناطق التي تتعرض إلي نزاع عسكري كما هو الوضع في دارفور وغيرها من مناطق الصراع الساخنة.ويجب هنا أن تطرح الحكومة علي نفسها سؤالا اساسيا وهو هل هناك أيديولوجية حقيقية تهدف إلي تحقيقها؟ وهل يمكن أن تتحقق هذه الايديولوجية في ظل الظروف الدولية والوطنية السائدة؟ وقبل ذلك لا بد أن تجيب الحكومة بصراحة ما إذا كانت السيطرة علي نظام الحكم بالقوة الانقلابية هي مبرر مشروع للاستمرار في السيطرة علي البلاد.9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية