القدس – «القدس العربي»: لا تقلل الباحثة والأكاديمية الفلسطينية مرام مصاروة من مخاطر فرض وتسهيل تدريس الطلبة المقدسيين المناهج الإسرائيلية، لكنها ترى أن تلك السياسات، التي تضخ لأجلها ملايين الدولارات لن يكتب لها النجاح المرجو.
وتشدد مصاروة في حوار مع «القدس العربي» على أن القيادات الصهيونية اليمينية مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وسياساتهم الاحتلالية، إلى جانب “براغماتية” المقدسيين وذكاء المعلمين الفلسطينيين، وتكريس أنماط تدريس قائمة على التفكير النقدي، كلها عوامل ستفشل المخططات الإسرائيلية التي تسعى إلى “تدجينهم وتربيتهم كالدجاج”.
وترى مؤلفة كتاب «التعليم في القدس الشرقية: الأسرلة الزاحفة (1967 – 2022)»، الصادر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”، أن هناك أمرين يؤثران على وعي المقدسي أكثر من مناهج التعليم الإسرائيلية، وهما التربية البيتية، والواقع السياسي، الذي تخلقه سياسات إسرائيل في فلسطين التاريخية.
وتخلص إلى أنه لو جلب جهاز التربية والتعليم الإسرائيلي كل إمكانياته، وطبق كل نظريات وممارسات الأسرلة، فإن الواقع يفرض نفسه على تكوين الطالب المقدسي ووعيه الوطني.
ومصاروة محاضرة وباحثة في كلية القاسمي للعلوم التربوية، شغلت منصب عميد كلية التربية، ورئيسة قسم الطفولة المبكرة في كلية القاسمي. وهي حاصلة على درجة الدكتوراه من قسم العلوم الاجتماعية. تقدم حاليا بودكاست “أرشيف” الذي يبحث في الأرشيفات الاستعمارية وإعادة كتابة السردية الفلسطينية. وفي ما يلي نص الحوار:
■ لنبدأ من أبسط سؤال، ماذا يعني أن الطلاب الفلسطينيين في القدس يتلقون تعليما من المناهج الإسرائيلية؟
□ للإجابة على السؤال سأتطرق إلى جانبين، الأول مرتبط بالمخطط الإسرائيلي أي الأمر الواقع، أما الثاني فيرتبط في كيف أرى الصورة الواسعة اليوم حول هذه القضية. من الناحية الأولى، المخطط الإسرائيلي واضح جدا، إسرائيل تريد من المناهج التعليمية الإسرائيلية أن تجعل الطلبة في مدينة القدس يتلقون ويدرسون ويحفظون السردية الإسرائيلية، مصطلحات وتاريخا ووقائع، وهذا في أفضل الأحوال. أما في أسوأ الأحوال، فمن الممكن ألا يحفظ الطالب المقدسي السردية الإسرائيلية، أي يمكن أن تكون لديه سرديته الشخصية الخاصة، وقد يشبه ذلك ما حدث على مدار عشرات السنوات، من خلال جهاز التربية والتعليم في المناطق المحتلة عام 1948، أي أن الطلاب الفلسطينيين في الداخل المحتل لم تكن لديهم معرفة لا بالتاريخ الدقيق وفق المفهوم الإسرائيلي، ولا بالتاريخ الدقيق لتاريخهم الفلسطيني، وبالتالي خرجوا مثل مخلوق هجين، لا يسيطر على سرديته الخاصة ولا يعرف سردية الآخر.
ليس كما يقول درويش: «أنا من هناك وأنا من هنا»، إنما «هنا وهناك ليس جزءا مني» غالبا ما يربط الإسرائيليون بين العنف والدين الإسلامي
أنا أرى أن أجندة التدجين و”الأسرلة” كانت في الدرجة الأولى حاضرة عند القائمين على جهاز التربية والتعليم الإسرائيلي. عمليا كان الدافع في المخطط الإسرائيلي استهداف طلبة القدس، من خلال ما يعرف باسم “الخطة الخماسية” التي بدأت بعد انتفاضة السكاكين عام 2005. هنا يمكن أن نتوقف أمام حقيقة أن معظم منفذي العمليات كانوا طلابا مراهقين، كانوا جزءا من أطر تربوية في القدس الشرقية، وبالتالي، هذه واحدة من القضايا التي أزعجتهم وسببت لهم القلق.
يدير جهاز التعليم عنصريون وفاشيون وصهاينة قوميون
الصورة كانت على النحو التالي: هناك جيل جديد لا يملك هدفا في الحياة، ويعاني نتيجة الإهمال الشديد في جميع مرافق الحياة في القدس المحتلة. أما الخطة الخماسية فكان هدفها، إعطاء الطالب شعورا بأنه يملك شيئا، وبالتالي يخاف أن يخسره، حتى لو كان هذا الشعور وهميا. بمعنى أن هناك جهودا إسرائيلية هدفت إلى تيسير عمل الشباب الصغار في القدس، داخل المدينة والقدس الغربية. تم ذلك بأشكال كثيرة، رافق ذلك تكريس عزل القدس عن المدن الفلسطينية الأخرى، لكيلا يصل الطالب المقدسي إلى مؤسسات تربوية أكاديمية فلسطينية مثل، جامعة بيرزيت والعربية الأمريكية وغيرها. كان الهدف من ذلك جعل عملية الالتحاق بالمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية مسألة سهلة. على هذا الأساس دشنت الخطة الخماسية، التي وضعت في أجندتها الخاصة عدة أمور، منها: أولا تعليم اللغة العبرية لطلاب القدس الشرقية، ثانيا تيسير الالتحاق بالجامعات والأكاديميات التعليمية الإسرائيلية. كي لا يفكر الطالب مرتين في الالتحاق بالجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية، عُزز ذلك بزرع أمل لدى الطلبة مفاده، أنه بعد انتهاء التعليم في المؤسسات الإسرائيلية، ستتوفر لهم فرصة عمل مضمونة وأفضل مما لو كانوا خريجين لجامعة فلسطينية.

■ المسألة تتجاوز الهدف التعليمي وفق الرغبة الاحتلالية إذن؟
□ يلحظ من تلك السياسة ضرب عصفورين بحجر واحد: الأول فائدة اقتصادية، وإنعاش للجامعات والكليات الإسرائيلية في منطقة القدس، والثاني قضية أيديولوجية مرتبطة بالفكر الإسرائيلي ونقله للطلبة المقدسيين. ترتب على ذلك إعطاء الجامعات الإسرائيلية الدعم المالي وجعلها مهيأة لاستيعاب الطلبة المقدسيين. لقد قدموا المنح وجلبوا المعلمين اليهود ليكونوا قادرين على التدريس باللغة العربية، في محاولة لتعزيز تدريس اللغة العبرية، والهدف من ذلك دمج الطلبة قدر الإمكان في المجتمع الإسرائيلي. بالعودة إلى الخطة الخماسية نرى أنها أخذت على مسؤوليتها تطوير البنية التحتية للمناطق والأحياء العربية، وأهم نقطة هي توصيل الأحياء العربية من ناحية المواصلات بالجزء الغربي من المدينة. فهذه الأمور جميعها كانت ضمن معادلة عمل استهدفت بشكل كبير الطالب المقدسي.
الأسرلة الزاحفة
■ قدمت صورة بانورامية ووصفت الواقع بطريقة مركبة، ماذا عن وجهة نظرك في هذا الموضوع كله، كخبيرة تربوية وعالمة اجتماع تعيشين بين الضفة والقدس والداخل المحتل؟
□ القضية مركبة. أولا: بالاعتماد على البحث الذي أنجزته مع الطلاب (كتاب “الأسرلة الزاحفة”)، وثانيا بالاعتماد على مراقبة طويلة، وبالاستناد إلى ما أعرفه من الأبحاث والنظريات التي تتناول مجتمعات وأقليات أصلانية مضطهدة مثل المجتمع الفلسطيني عامة والمقدسي بشكل خاص، فإن التربية الوطنية على المدى القصير هي التربية التي نكتسبها في البيوت. مثلا، لو أن المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل (1948) عوّل بوعيه الوطني على المدارس الإسرائيلية، لكان اليوم يهوديا أو متصهينا من دون أي وعي وطني. وأنا أعتقد أن غباء المؤسسة الإسرائيلية مرتبط بأنها لم تفهم هذه المعادلة. هناك هدر للأموال طوال الوقت، لكنّ هناك غيابا للرؤية التي تضمن إنجاز عملية تغيير، حسب المفهوم الإسرائيلي.
مسألة ثانية، الفلسطينيون داخل القدس تفكيرهم “براغماتي” جدا. في رأيهم، هم في حالة صمود، ولا يريدون من أبنائهم أن يذهبوا لممارسات سلبية مثل تعاطي السموم (وهي نسبة عالية عند الشبيبة المقدسية). وكي يصمدوا ويضمنوا عدم خسارة أبنائهم، يتعاونون مع الواقع المفروض عليهم ويديرونه لصالحهم. هنا نلحظ أنهم يتعاونون مع الواقع من منطلقين: أولا لأنهم مجبرون كما يقال “مجبر أخاك لا بطل”، أي أن هذا هو الواقع، وسيحاولون أخذ أفضل ما فيه. ثانيا لأنهم يحاولون التعاون مع هذا الواقع من أجل حماية أنفسهم وأولادهم، ومن أجل البقاء ومن أجل إعطائهم مستقبلا أفضل. فصار هناك تحول في فكرة المقدسي. وهذا لا يعني أن المقدسي أقل وطنية، لكن لأن الواقع الإسرائيلي يُفرض عليه.
■ مع ذلك، المنهاج التعليمي ومنظومة التعليم المفروضة على المقدسيين لها تأثير حتمي. من خلال المتابعة والدراسة، يُطرح السؤال: ما هو تأثيرها، وكيف يمكن قراءة فكرة أن المحتل الذي يسيطر على شعب كامل، ويهيمن على أرضه وكل شيء، يريد أن يمد يده للسيطرة على عقل هذا الشعب؟
□ المنظومة الإسرائيلية منظومة مركبة، اليوم جهاز التربية والتعليم في القدس يرأسه التيار الصهيوني الديني في الدرجة الأولى. أجندته واضحة جدا، وتتمثل في صهينة المناهج وليس أسرلتها، صهينة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. من المهم التأكيد على أن ذلك لا يتضمن فقط فرض السردية التوراتية على جهاز التربية والتعليم، الذي كان في إحدى الفترات جهازا إلى حد ما علمانيا، لكنه ظل جهازا صهيونيا طوال الوقت. هنا أرى أن فرض الفردية التوراتية من خلال جهاز التربية والتعليم الإسرائيلي على طلبة القدس مسألة خطيرة على المدى البعيد وليس القريب. الجيل اليوم ما زال يمتلك وعيا من الأهل ومن المعلمين الفلسطينيين أيضا. صحيح أن الكثير من المعلمين يعيشون في حالة من الرعب بفعل الملاحقة والمراقبة الإسرائيلية، المعلم مراقب 24 ساعة من قبل منظومة الاحتلال، ويعيش في صراع بين وعيه الوطني ومسؤوليات الحياة الملقاة على عاتقه.
نقطة ثانية، لا يمكن إنكار وجود معلمين واعين وأذكياء يقدرون على منح الطلبة مهارة التفكير النقدي، وإعطائهم الأدوات الحقيقية التي من خلالها يمكنهم قراءة وطنية لأي نص في العالم، وذلك بغض النظر عن الألغام الموجودة في هذا النص. التفكير النقدي يمنحهم القدرة على تحاشي هذه الألغام، ويمنحهم القدرة على قراءة ما بين السطور وما وراءها أيضا. هذه نقطة مهمة جدا. اليوم جهاز التربية والتعليم الفلسطيني المقدسي، يجب أن يشدد على التفكير النقدي، فهذا الأمر هو الذي يمتلك القدرة على التغيير. إذا ساد هذا الأسلوب في التعليم عند الفلسطينيين، فإنه لو قُدم لهم أي منهاج، سيقرؤونه بعدستهم الخاصة.
المعلمون مصدر القلق
■المدرسون مسألة حيوية ومهمة. أثناء البحث وقراءة مقالات وتقارير إسرائيلية، كان واضحا أن المعلمين الفلسطينيين يُنظر إليهم على أنهم مصدر قلق لجهاز التعليم الإسرائيلي. هذا يدعم الحديث السابق.
□ صحيح، يمكن رؤية ذلك من خلال متابعة تصريحات أعضاء الكنيست ومشاريع القوانين، التي تستهدف الطلبة الذين تخرجوا من الجامعات الفلسطينية. ولهذا السبب تحديدا نرى أن هناك تشديدا على حملة الشهادات الفلسطينية. المعلمون اليوم يواجهون صعوبات وتحديات كثيرة. ومرة أخرى أؤكد أن لدى الإسرائيلي أجندتين متوازيتين في الوقت نفسه: الأجندة الاقتصادية والأجندة السياسية الأيديولوجية. طيب، لو تعمقنا قليلا، ما أبرز الحصص أو المساقات، التي يحضر فيها البعد التاريخي والوطني والهوياتي، وبالتالي يمكن القول إن هناك خطورة على الطلبة المقدسيين؟

أولا: هناك عدة مواضيع مثل التاريخ، التربية الوطنية أو المدنيات، الدين، اللغة العربية، حسب رأيي، تلك أربع ركائز تبني الهوية الوطنية لدى أي فرد. بالتالي، السؤال: أي تاريخ أتعلم؟ هل أتعلم التاريخ نفسه الذي تعلمته سابقا، تاريخ المحرقة وتفاصيلها، تاريخ الحرب العالمية الأولى والثانية، التاريخ الإسلامي الذي ينتهي مع سقوط الدولة العثمانية، كأنه بعد ذلك لا يوجد تاريخ؟ الحروب في العالم العربي تذكر كهزائم بالدرجة الأولى، وكانتصارات إسرائيلية. أيضا، يدرّسون تاريخا لا يمكنك أن تفتخر به، جميعه اغتيالات وقتل. يحضر العباسيون على أنهم هزموا الأمويين، والمماليك، وهكذا. في النهاية، الطالب يصل إلى مرحلة يشعر فيها بالإحباط التام من أصله وتاريخه. الرسائل اللئيمة والمخفية داخل كتب التاريخ، إضافة إلى كتب المدنيات، تعزز شعورا داخليا لدى الطالب بأن هذا المكان لا ينتمي إليه. بمعنى، ليس كما يقول درويش: “أنا من هناك وأنا من هنا”، إنما “هنا وهناك ليس جزءا مني”. هو مكان غريب عني. المنهاج يعزز شعورا بعدم الانتماء، وأن المكان الذي نعيش فيه ليس لي إنما للآخر. ما تفعله كتب “المدنيات” هو زرع كل ما يتعلق بموضوع الانتماء للبيئة والقوانين والمصطلحات، التي تُذوَّت والمتعلقة بالواقع الذي يعيشه الطالب. فهل أستعمل كلمة “أورشليم” أم كلمة القدس؟ هل أقول بيت المقدس، أو يبوس؟ المدنيات وجزء من الجغرافيا لهما علاقة كبيرة بوصف البيئة: أي، ماذا أرى؟ وما الذي يوضع داخل الكتاب من وصف بصري لكي أراه؟
اللغة الأم
■ ماذا عن اللغة الأم.. أي لغة يتم التدريس فيها في المناهج الإسرائيلية؟
□ بداية، يمكن تتبع المعرفة عبر التاريخ، التي تشير إلى أن كل استعمار حاول المساس بلغة الشعوب الأصلانية. هذا أمر بديهي: ألا تمتلك حق المعرفة بلغتك، يعني أنك لا تمتلك المعرفة حول جذورك التاريخية، أي أنك تجهل كتاب العالم العربي. الاحتلال يجعلك غير مسيطر على لغتك التي هي امتداد لك، وهذا يخلق فجوة بين الطالب ولغته الأم. الواقع يقول إن اللغة العربية واحدة من المركبات التي ضُربت على مستويات كثيرة: أولا على مستوى اللغة، وثانيا على مستوى النصوص. فأنت لا تدرس فقط مقاطع الإملاء والقراءة والكتابة، إنما تدرس أيضا تاريخ وثقافة وحضارة شعبك، وهذا غير موجود. في المقابل، تعليم اللغة العبرية لا يُنظر إليه على أنه تعليم لغة، بل تعليم ثقافة وحضارة.
■ بعد اللغة ربما يكون الدين موضوعا مهما أيضا. ما أبرز ما يقال في موضوع الدين؟
□ غالبا ما يتم الربط بين العنف والدين الإسلامي. وهناك أيضا إشكالية تتعلق بتقليص ساعات حصص الدين. المعلومة والمعرفة المرتبطة بالدين عند الطلبة لا يكون مصدرها نصوصا دينية أصيلة ووسطية، ما يجعل مظاهر التدين تعكس دينا شعبويا، أكثر من كونه تدينا حقيقيا يعكس جوهر الإسلام. الطالب الذي لا يتعلم نصوصا دينية وفق منظور تربوي، تتشكل لديه مظاهر تدين تعكس في معظمها أفكارا سلبية وخاطئة، وتستند إلى أجندات وهابية سلفية راديكالية تسللت إلى الدين.
■ ألا يبدو أن الإسرائيليين يعيشون حالة من الفصام، يريدون قتلنا وتهجيرنا وفي الوقت نفسه يفرضون علينا منهاجهم، ويوفرون لنا بنى تعليمية معينة، تقدم لنا تعليما وفق مناهجهم؟ كيف يمكن التوفيق بين هذه الثنائية المشوهة؟
□ هذه علاقة تعكس الهوية الإسرائيلية والصهيونية. لا يمكن أن يُرى المجتمع الإسرائيلي كوحدة واحدة، فهناك تيارات متعددة، وكل تيار يغني على ليلاه. هناك أجندات راديكالية عصبية مرعبة، إرهابية بالدرجة الأولى، وهناك نوع من الأجندات يمكن وصفه بـ”الصهيونية الدينية اللايت”، وهناك “الصهيونية الدينية المين ستريم”. شخصيا لا أعتقد أن هناك يسارا في المجتمع الإسرائيلي، بل مجموعة مضطهدة مبعدة عن المجتمع الإسرائيلي من اليسار، غير محبوبة ومحدودة، وهذه التركيبة تنعكس في جهاز التربية والتعليم، كما تنعكس تقريبا في كل المؤسسات الحكومية. هناك أجندات تقول: هؤلاء أشخاص سنقوم بضمهم لنا كمجتمع إسرائيلي، وبالتالي نريد أن نجري لهم عملية تدجين، تربيتهم كتربية الدجاج. وهناك من يقول إن كل ذلك فشل. أفضل مثال على ذلك الفلسطينيون في الداخل المحتل، حيث باءت جميع محاولات الأسرلة بالفشل. أكبر مثال هو هبة الكرامة.
■ أرى أن الموقفين يعكسان حالة من الصحة. فهناك من مرّ بعملية أسرلة، وهناك من مرّ بعملية فلسطنة. وبالتالي، الإنسان العربي/الفلسطيني اليوم ما يحدد وطنيته هو في نهاية الأمر الواقع الذي يعيش فيه.
□ في المجمل، لا توجد أجندة واحدة. الصهيونية لها أوجه عديدة. لكنني أرى أن هناك عملية اكتساح للحركة الصهيونية أو للقومية الصهيونية. هذه الحركة مرعبة. لقد فعلت المدارس الصهيونية المتطرفة في الضفة، وبالأساس تم زرع هذا الفكر الإرهابي الوحشي المتطرف العدواني. هؤلاء هم من يمسكون بزمام جهاز التربية والتعليم في القدس، ولهم سيطرتهم الكاملة.
هنا تبدو الخطورة مضاعفة، تتجاوز فكرة محو المقدسي أو أسرلته وتدجينه. كما تقولين، من يمسك زمام جهاز التعليم هم عنصريون وفاشيون وصهاينة قوميون، وهنا يصبح الأمر خطرا مضاعفا على الفلسطينيين؟ نعم، وهذا من جهة. لكن من جهة أخرى، يجب أخذ فشل الخطة الخماسية في الاعتبار. على سبيل المثال، سموتريتش من الذين يكررون في حملاتهم أن العرب لا يستحقون هذه الميزانيات التي توضع لهم. هذه المجموعة هي التي ستفشل هذا المخطط بالدرجة الأولى.
سؤال آخر، المجتمع الإسرائيلي فيه الكثير من التوجهات، وهو ما انعكس على التعليم. يبقى السؤال: هل فشل التعليم في إسرائيل في توحيد دولة الاحتلال؟ لم يكن التعليم في إسرائيل متجانسا ولا لمرة واحدة، ولا في أي وقت، من بداية الدولة حتى اليوم. كل تيار داخل إسرائيل يشد في اتجاه مختلف. ولكن الأمر الذي نجح بشدة هو قضية الفكر الديني، الذي أصبح مسيطرا في السنوات الأخيرة. نرى أولا عملية تفتت داخل المجتمع الحريدي، حيث تقريبا 15% من هؤلاء يتجهون نحو العلمانية، وهذه نسبة ليست قليلة. ثانيا: نتيجة تحولات عديدة داخل المجتمع الحريدي، نرى أن المجتمع أصبح أكثر صهيونية. وإذا كان هناك أمر استطاع توحيدهم أكثر فهو “الصهينة”. عدا عن ذلك، لا يوجد الكثير من التقاطعات بينهم. هي الأجندة الصهيونية التي سماها بن غوريون فرن الانصهار: عمليا تضع فيه ابن صنعاء وابن ستوكهولم في الفرن نفسه، فتذيبهم وتخرج بشيء جديد. هذا نجح من خلال الفكر الصهيوني، ولا شك في ذلك.