فكرت أن أكتب عما جرى من حفاوة في بداية الثمانين عاما من عمري. هذه الحفاوة التي ملأت فضاء السوشيال ميديا والواقع. من هنأوني على البعد، ومن احتفوا بي في مقراتهم مثل جريدة «الأخبار»، و»دار الشروق» المصرية، ومن زارني في البيت رغم بعد سكني. ذكروني بيوم مولدي الذي أحاول أن أنساه دائما. فعلت ذلك على صفحتي في فيسبوك وتويتر.
كانت قد وصلتني أسئلة لأكثر من حوار، دفعتني لكتابة هذا المقال. دائما أطلب ممن يريد الحوار، أن يرسل لي الأسئلة فأجيب عليها، لأن فرصة الخروج للقاءات صارت قليلة. كثيرة هي الحوارات الصحافية التي تُجرى معي، تزداد مع مناسبات مثل صدور عمل جديد، رواية أو كتاب فكري، أو مناسبة مثل عيد الميلاد هذا الشهر ديسمبر/كانون الأول. أسئلة كثيرة أجيب عليها بسرعة لأنها تكون حول الكتابة، مثل سؤال عن طقوس أو وقت الكتابة، التي هي بالطبع تختلف من كاتب إلى آخر. لكن هناك أسئلة احتار في الإجابة عليها، مثل ما هي الرواية الأفضل عندك في ما كتبت؟ هنا يتصور السائل أني ناقد أستطيع أن استخدم عقلي في تقدير أعمالي.
سؤال يتكرر كثيرا، رغم إجابتي المتكررة، بأن كل رواية هي الأفضل أثناء كتابتها، أما بعد ذلك فالأمر يقرره النقاد والقراء، أو كما أقول عادة، كلها أبنائي، وأنا انشغل عما كتبت بعمل جديد، أو القراءة لأعمال غيري.
السؤال الثاني الذي يتكرر أيضا، هو هل يمكن أن تعيد كتابة رواية مرة أخرى، لتكون أفضل من الكتابة السابقة، يقصد السائل أن يحدث ذلك بعد نشر الرواية وليس قبلها، فقبلها كل كاتب يمكن أن يعيد كتابة روايته أكثر من مرة، حتى يراها قد اكتملت بالنسبة إليه، فيدفع بها إلى النشر. الحقيقة أنا لم أعرف إلا قليلين فعلوا ذلك بعد نشر روايتهم أول مرة، وكانت النتيجة أن قليلين أيضا اهتموا بالمقارنة بين العملين. قرأت مبكرا جدا رأيا لغسان كنفاني، يقول، إنه لا يضايقه أن تصدر له رواية، يرى النقاد أن فيها قليلا أو كثيرا من العيوب، فالأهم بالنسبة إليه أن يكتب رواية أخرى.. أعجبني الرأي وصار دليلي في الحياة، وإن كان هذا لا يعني التعجل في الكتابة والنشر. أيضا ربما يكون هناك صواب في الرأي القائل، إن كتابة الرواية بعد سن الأربعين، تعكس قدرات وخبرات أكثر. لكن أيضا يمكن للكاتب في سن صغيرة أن يدخل في كثير من التجارب، لا أنسى رواية قصيرة مثل «الصياد واليمام» انتهيت منها عام 1981 وأنا في الخامسة والثلاثين من عمري، وكيف حين نشرتها شغلت الدنيا وكُتب عنها كثير من المقالات. أكثر من مثلٍ على رواية كتبتها قبل الأربعين حققت رواجا كبيرا. عادة أتأخر في كتابة الرواية، باستثناء رواية «الصياد واليمام» التي أتت كدفقة واحدة في شهر واحد. تأخري المقصود في الانتهاء من الرواية يأتي من أكثر من قراءة لها، والابتعاد عنها وقتا طويلا قد يتجاوز الشهر والشهرين، لأقرأها بعين الناقد بقدر ما، فالقراءة بعد الكتابة الأولى بسرعة تجعلك تجري بين السطور، وقد لا تنتبه إلى ما عليك أن تقوم بتغييره أو تقويمه. تقرأ ما يجري في روحك لا ما أمامك.
«الصياد واليمام» كانت الاستثناء، فبعد أول كتابة لم أشعر بضرورة مراجعتها، بل كنت كلما أعطيتها لناشر أذهب إليه في اليوم التالي لآخذها، ويسألني في دهشة لماذا؟ فأقول له ما أشعر به، وهو أن روحي خرجت من البيت معها، حتى أعطيتها عام 1984 لمحمود درويش لينشرها في مجلة «الكرمل»، لأني أعرف أنه سيسافر ولن استردها. أذكر أني قابلت محمود درويش مرة أخرى في القاهرة عام 1985، وسألني كم عمرك الآن يا إبراهيم؟ قلت له تسعا وثلاثين سنة. قال لي بعد الأربعين تجري الأيام، فانتبه ولا تتأخر في الكتابة، والذي حدث بعدها أني انتهيت من رواية «بيت الياسمين» بعد عام من الكتابة، بينما استغرقت كتابة «البلدة الأخرى» بعدها ثلاثة أعوام. ثم حين بدأت كتابة رواية «لا أحد ينام في الإسكندرية» عام 1990 استغرقت ست سنوات، بسبب البحث الذي كنت أقوم به في الصحف القديمة في دار الكتب، فلم تكن السوشيال ميديا قد ظهرت بعد. لأن الرواية عن الحرب العالمية الثانية، رحت اقرأ في صحف الأربعينيات أثناء الحرب. كنت أذهب تقريبا ثلاث مرات في الأسبوع إلى دار الكتب لأفعل ذلك. ضاعت نصيحة محمود درويش. لم يضايقني أن تتأخر الرواية في الصدور. ابتسم الآن وأنا أتذكر الصحافي المرحوم مصطفي نبيل الذي كان رئيسا لتحرير روايات الهلال، حين ذهبت إليه عام 1991 وقلت له إني أكتب في رواية عن الحرب العالمية الثانية، سوف أحضرها لك في منتصف العام المقبل على الأكثر لتنشرها في أكتوبر/تشرين الأول، ستكون قد مرت خمسون سنة على معركة العلمين. هي المعركة التي كانت فاصلة في الحرب العالمية الثانية، فبعدها لم ينتصر هتلر في معركة ولم ينهزم الحلفاء. كانت المعركة الثانية الكبرى بعدها هي انسحاب الألمان من ستالينغراد السوفييتية، وبدء انسحابهم من روسيا كلها. هذا الانسحاب الذي خلف الألمان وراءهم بسببه ملايين القتلى من الروس، لكنهم انهزموا وخرجوا من الاتحاد السوفييتي، وتتالت الهزائم في فرنسا وغيرها. لقد قدمت السينما العالمية أكثر من فيلم عن معركة العلمين، بل صار عنوان «العلمين» علامة على كثير من المحلات في بريطانيا وقتها. أتذكر أني ذهبت إلى المرحوم مصطفى نبيل في مايو/أيار عام 1996 ومعي الرواية فلم تكن هناك سوشيال ميديا في بلادنا، لأرسلها إله عبر البريد الإلكتروني، فضحك وقال «وعدتني أن تأتي بها عام 1992 لكنك جئت بعد أربع سنوات، لقد انتهى الاحتفال الخمسيني في العالم بمعركة العلمين. قلت له هكذا شاءت ظروف كتابتها. ولا أنسى أنه نشرها في الشهر التالي يونيو/حزيران. أعود إلى الأسئلة الصحافية، وما يدهشني فيها أن ليس عندي الإجابة القاطعة، ومنها سؤال حول كيف تبدأ الرواية؟ هل يكون وراءها فكرة أو شخص ما أو حادثة. السؤال يذكرني بالبدايات التي لا أتذكرها أبدا حين أكتب. فقد تكون بالفعل فكرة أو حادثة أو ذكرى، لكن سرعان ما أنساها، لأن الرواية وشخصياتها تأخذني إلى أفكار لم أتعمدها، وإلى شخصيات لم أفكر في خلقها، وإلى أحداث من صنع شخصياتها، ليست هناك قاعدة عندي اعتمد عليها، وإن كانت عند غيري، لأني كثيرا ما قلت إن ما يشغلني ألقي به دائما في اللاشعور، وإن ذاكرتي هي النسيان، واللاشعور هو الذي يأتي إليّ بما اشتاق إليه فيسخرني لكتابته. سُخرة ممتعة ومبهجة ليس فيها ثمن تدفعه إلا الوقت، بل وبه يمر الوقت، فأصعب الأوقات بالنسبة لي هي التي لا يكون فيها إبداع. تشغلني حقا المقالات لكن الإبداع يصعد بي إلى سماوات مفتوحة، تكون العودة منها إلى الأرض من أصعب اللحظات. أجيب على السؤال بأني لا أعرف ولا أذكر، وأوضح الأمر كما أوضحته هنا، واتذكر كيف يوما كنت أجلس في مقهى ريش عام 1985 فقفزت الرغبة تملأ روحي أن اكتب رواية «البلدة الأخرى». ذهبت إلى البيت فإذا بي أبدا كتابة رواية «بيت الياسمين». أردت شيئا لكن اللاشعور أراد شيئا آخر. لكن يستمر السؤال. لا أنساق وراء الأسئلة مهما كان صاحبها فأجيبه مثلا بما يريحه، لأنه ربما لا يدرك معنى مسألة النسيان ويعتبرني مجنونا. لا تغيظني الأسئلة ولا تضايقني رغم تكرارها. فقط هي أسئلة لا إجابة قاطعة عليها. ينضم إليها سؤال أعرف أنه بحكم التقدم في العمر، وهو ما الذي تتمني أن تكتبه وتخشي ألا تجد الوقت له. والإجابة الغائبة هي أن العالم يمضي إلى الأمام. لا يتوقف عند كاتب واحد. وكثيرا ما سألت نفسي هل سيتوقف العالم إذا لم تنته من رواية تكتبها! لذلك لم يشغلني الموت فلكل موعده.