قوى سياسية كبرى تتعامل مع القانون الدولي بازدراء، وتُوظفه بما يخدم مصالحها السياسية، وقد برز ذلك منذ تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وضمن مسارات حرب الإبادة المتواصلة بما فيها من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية، وسياسة التجويع كأداة أخرى للحرب.إسرائيل استغلت ضعف منظومة القانون الدولي وغياب قاعدة قانونية واضحة ومُلزمة تمنع الاستعمار الاستيطاني، ورغم جميع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين ولبنان، مضى الأمر التنفيذي الأمريكي بوصفها الدولة الديمقراطية التي لديها جيش يلتزم بصرامة بقوانين الحرب. وبالتوازي مع ذلك يتم فرض عقوبات على المحكمة الدولية التي أصدرت مذكرة اعتقال تشمل نتنياهو ووزير حربه غالانت.
شكّلت العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية مرحلة جديدة في حرب الولايات المتحدّة الأمريكية وإسرائيل المستمرّة على القانون الدولي ومؤسساته، ودعما لاستمرار إسرائيل في سعيها لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره، ما بات يهدّد استقرار النظام العالمي وبقاءه. وقد تجلّى ذلك في تصريحات الرئيس الأمريكي حول التهجير القسري لسكّان غزة إلى دول أخرى، واستيلاء الولايات المتحدة على القطاع، ورغبة ترامب في تحويله إلى منتجع سياحي.
المجتمع الدولي بكلّ أطره ومنظوماته التعاقدية، عجز عن استيعاب حجم المعاناة الإنسانية، وكيف تم تدمير نسيج الحياة الاجتماعية في فلسطين، من قبل الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي. ويكفي عدم قدرتهم على إيصال المساعدات الإنسانية لشعب يعاني هول القصف والدمار، وسياسة التجويع المتعمّدة بإرادة إسرائيلية، وبتغطية أمريكية صريحة، بهذا المعنى فإنّ الاستجابة الدولية المتخاذلة تُهدّد مصداقية النظام القانوني الدولي برمّته. بما يجعل الحديث عن عالم تسوده العدالة، أمرا اعتباطيا لا معنى له، حين تتم حماية المعتدي من المساءلة، وترك الضحية تلاقي مصيرها بالشكل الذي نراه، بل تُلام على مقاومتها للموت والتصفية والتجويع. تبدو سياسات ترامب في الشرق الأوسط مشابهة لسياسات بايدن. ولعل سياسات ترامب تجاه غزة واليمن اللتين مزّقتهما الحرب، على سبيل المثال، هي في جوهرها نسخٌ أكثر وحشيةً وأقل تحفظًا من تلك التي انتهجها إدارة بايدن. لذلك أشارت «فورين أفيرز» إلى أنّ ترامب ربما يسعى لتأمين صفقات أسلحة واستثمارات في الولايات المتحدة. وقد يأمل في إثراء نفسه شخصيا من خلال الاستثمارات الخليجية في عقارات ترامب وصناديق الاستثمار والعملات المشفرة. لكن الكثيرين يأملون والبعض الآخر قلق أن يكون لديه طموحات أكبر من ذلك، خاصة ما يتعلق بإيران، ودفع إسرائيل إلى تغيير الشكل الإقليمي للمنطقة.
المجتمع الدولي بكلّ أطره ومنظوماته التعاقدية، عجز عن استيعاب حجم المعاناة الإنسانية، وكيف تم تدمير نسيج الحياة الاجتماعية في فلسطين، من قبل الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي
لقد تمّ استخدام هيمنة الدولار الأمريكي على البنية المالية العالمية بشكل هجومي لعدة عقود، منذ انهيار المعسكر الاشتراكي، وسيطرة أمريكا على قيادة العالم، في محاولة لتدمير حكومات الدول الأضعف التي يُنظر إليها على أنها تهديد لمصالح الولايات المتحدة، وأشهرها كوبا وإيران وفنزويلا. عام 2002 أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن العراق وإيران وكوريا الشمالية تشكّل ما سماه «محور الشر»، واتّهم إيران بامتلاك برنامج سرّي لإنتاج الأسلحة النووية. ومنذ ذلك الحين بدأ الحصار الأمريكي يتعزّز بما فيه من أشكال العقوبات الاقتصادية، التي تعدّدت تدريجيا. إرث أمريكا من الحروب الفاشلة، من العراق إلى أفغانستان، الذي كلّف تريليونات الدولارات ودمّر بلدان، وقتل ملايين الأرواح ستكون الحرب مع إيران أشد كارثية منه بكثير، إن حدثت، لذلك يُعدّ وقف التوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل استنادا إلى ميثاق الأمم المتحدة، أمرا بالغ الأهمية، وينبغي أن يكون الاتفاق النووي بمثابة نقطة انطلاق لحوارات أمنية أوسع نطاقا، وذات منفعة متبادلة. يجب على ترامب التخلي عن ثنائية «الصفقة أو الحرب» والالتزام بالدبلوماسية باعتبارها السبيل الوحيد القابل للتطبيق. ويتعين على الولايات المتحدة وإيران التعاون في معالجة المخاوف الإقليمية، بمعنى أكثر وضوحا، ينبغي عليهما الاعتراف بالمصالح المشروعة لكل منهما، والتفاوض بشأن القضايا المتنازع عليها، والتعاون في المسائل ذات الاهتمام المشترك.
ضرورة إعادة تصوّر القانون الدولي ليشمل ديناميات الاحتلال وطبيعته الهيكلية، بعيدا عن التركيز الحصري على جريمة الإبادة الجماعية. هي وجهة نظر مشتركة لكثيرين ممن يقدّمون نقدا للقانون الدولي كإطار ضيق لتوصيف الكارثة الفلسطينية، وللعنف العسكري الإسرائيلي المدعوم بشبكة دولية من الإسناد العسكري والمادي. والاستمالات الإقناعية، التي تخدم الرواية الإسرائيلية ضمن شبكة عالمية، تفترض مساءلة شاملة ومراجعة نقدية للتواطؤ الدولي الواضح في صف المعتدي والقاتل. على اعتبار تفاعل المجتمع الدولي ومنظماته القانونية مع الحرب المدمرّة على قطاع غزة، كان وما زال سلبيا للغاية، بما يكشف فشل الآليات الدولية في التعامل مع الصراعات وتحقيق العدالة والانصاف للشعوب المقهورة والمستعمرة.
يبدو أن ترامب يريد نظاما إقليميا قائما على القوة والمعاملات بدلا من الشرعية والشراكة، إدارته تقبل طموح إسرائيل لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بالقوة العسكرية، وضبط النفس الذي يتبنّاه ترامب تجاه إيران اقترن بدعم كامل للحملات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة ولبنان واليمن وحتى سوريا. في المحصّلة، دعم تهجير إسرائيل لسكان غزة وضمّها فيما تضمّنه اقتراح ترامب طرد أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في غزة «مؤقتا» وإعادة توطينهم في أماكن أخرى على غرار مصر والأردن، حتى يتمكن من تحويل المنطقة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط». كل ذلك لن يؤدي إلا إلى تأجيج الرأي العام في المنطقة بطرق لن يُخفّفها الاتفاق النووي مع إيران هذا إن حصل. وإذا كان ترامب يريد حقا كسر الحلقة المفرغة من فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، فعليه أن يدعم كحد أدنى وقف إطلاق نار دائم في غزة، وتدفّقا كبيرا للمساعدات الإنسانية إلى القطاع، ومسارا معقولا نحو إقامة دولة فلسطينية.
كاتب تونسي