بعد فترة من الهدوء النسبي، بين إيران وأمريكا، في ما يخص برنامج الأولى النووي؛ عاد التهديد الأمريكي لإيران حول برنامجها النووي في الظهور مجددا، وبطريقة أكثر حرارة وسخونة من الفترة السابقة. فقد ذهب الكثير من التحليلات والآراء إلى أن إسرائيل وبدعم أمريكي؛ في طور الإعداد للقيام بتوجيه ضربات للنووي الإيراني، ليس هذا فقط، بل إن هذه التحليلات ذهبت أبعد من ذلك كثيرا، بوصف هذه الضربات البداية لتغيير النظام في إيران.
هذه الآراء والتحليلات اعتمدت في استنتاجاتها، على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا، في السابع من مارس/ آذار الجاري، في مقابلة له مع قناة «فوكس بزنيس»، فقد قال إن على إيران التفاوض من جديد على صيغة جديدة حول برنامجها النووي، وإذا لم توافق على ذلك فهناك حل آخر لمعالجة برنامجها النووي، في إشارة أو تهديد واضح على استخدام العمل العسكري لتدمير البرنامج النووي الإيراني، أو المنشآت النووية الإيرانية.
الضغوط الأمريكية القصوى على إيران ستستمر، بل ستزداد سعة وشمولا وقوة وتأثيرا خلال الأيام المقبلة، تسبق جلوس (الندين) حول طاولة واحدة، للتفاهم والتفاوض، وبواسطة روسية
في وقت سابق قال ترامب حول العلاقة مع إيران؛ إن الإيرانيين يريدون التفاوض حول برنامجهم النووي؛ لأنهم في وضع ضعيف للغاية، وهم يعرفون ذلك، وإن دفاعاتهم الجوية ضعيفة، وغير قادرة على التصدي للطائرات والصواريخ.. وأضاف قائلا؛ لقد ارسلت خطابا إلى زعيمهم بذلك. وكالة بلومبرغ، في الخامس من مارس الجاري، نشرت تقريرا أفادت به، أن روسيا كانت قد عرضت على أمريكا؛ التوسط بينها وبين إيران لوضع حلول للنووي الإيراني ولوكلاء إيران في المنطقة. وأكدت أيضا في التقرير ذاته، الذي أوردت فيه، تصريحا للناطق الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف؛ أن روسيا ترى أن الطريق الأفضل، أو الأنسب لحل الخلافات بين أمريكا وإيران؛ هو طريق التفاهم والتفاوض. من الجهة الثانية، نفى وزير خارجية إيران السيد عباس عراقجي؛ أن إيران كانت قد تلقت خطابا من ترامب، في ما يخص برنامجها النووي، وأضاف قائلا؛ إن إيران لا يمكنها التفاوض تحت الضغوط القصوى، وإنه لا أمريكا ولا إسرائيل قادرة على إيقاف البرنامج النووي الإيراني وتطوره؛ لأنه في العقول وليس على الأرض فقط، وأن إيران حين تتعرض للهجوم من إسرائيل سوف ترد بقوة، كما أن المنطقة سوف تتعرض للفوضى والاضطراب، حسب ما قال به وزير خارجية إيران. إن الضغوط الأمريكية القصوى على إيران سوف تستمر، بل ستتم زيادتها سعة وشمولا وقوة وتأثيرا خلال الأيام المقبلة، التي ستسبق جلوس (الندين) حول طاولة واحدة، للتفاهم والتفاوض، وبواسطة روسية، أو عبر مساومات ومقايضات، تقتضيها مفاوضات روسيا وأمريكا حول وضع نهاية للحرب في أوكرانيا، حسب كل تصريحات المسؤولين الروس. إن الجزء المهم جدا، الذي له تأثيرات فعالة ومنتجة، هو التهديد الأمريكي الإسرائيلي، الملوح به، للترهيب؛ باستخدام القوة العسكرية في ضرب المنشآت النووية الإيرانية، وفي تزامن مع تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران، والإبقاء أو تفعيل قناطر العبور الروسية بين إيران وأمريكا؛ إلى ناصية التفاهم والتفاوض، حين يتم إنضاج مفردات الحلول، بما يرضي الطرفين. خلال هذا الوقت الذي ربما يتجاوز الأشهر، من غير المحتمل؛ أن تقوم أمريكا أو إسرائيل في توجيه ضربات للمنشآت الإيرانية بطريقة مدمرة، ربما ضربات رمزية إسرائيلية محدودة جدا، إن لم أقل تصفير هذا الاحتمال.. لماذا؟ على ما اعتقد للأسباب التالية؛ أولا، وكما قال وزير خارجية إيران لا يمكن القضاء على النووي الإيراني. ثانيا، هناك طبخة تعد في القنوات الخلفية بين روسيا وأمريكا؛ قاعدتها، إيجاد حل أو إيجاد نهاية للحرب في أوكرانيا، مع إضافة عناصر أخرى، إقليمية ودولية، لهذه الطبخة حتى تتكون منها مأدبة عامرة وشهية، عندها يتم لأمريكا وروسيا الاحتفال بها، وفي تطبيقها على أرض الواقع، بما تم الاتفاق عليه في سوق المساومات والمقايضات بينهما. ثالثا، إن إقدام إسرائيل على ضرب المنشآت النووية الإيرانية، سوف يؤدي حكما إلى عرقلة أو إيقاف، ولو مؤقتا، هذه التفاهمات المفترضة بين روسيا وأمريكا. وهذا ما لن تسمح به أمريكا ترامب لإسرائيل نتنياهو. رابعا، إن هذه الضربات أو الضربة الإسرائيلية على إيران ستدفعها إلى الرد بما يتناسب مع قوتها التدميرية، إن كان هدفها التدمير، ليس على إسرائيل فقط، بل على القواعد الأمريكية في المنطقة، كما قال المسؤولون الإيرانيون؛ ما يؤدي إلى الاضطراب والفوضى في المنطقة، وعلى وجه التحديد، دول الخليج العربي. خامسا، إن قيام إسرائيل وبدعم وإسناد أمريكي بهجوم مدمر على إيران، يستهدف برنامجها النووي؛ سيدفع إيران إلى التعجيل بصناعة قنبلتها النووية. من هنا لا بد لدول المنطقة، وبالذات المملكة العربية السعودية، إزاء هذا التطور، العمل الجدي على امتلاك برنامج نووي خاص بها، يمتلك خاصية تطورها ذاتيا، ما يقود أو يدفع إلى سباق تسلح نووي في المنطقة العربية وفي جوارها. في الختام أقول إن إيران قد لعبت لعبتها بذكاء وبراغماتية، وباستثمار منتج لتغييرات البيئة السياسية في المنطقة وفي العالم.
كاتب عراقي